الحكم بفسخ زواج اليمنيين من محكمة غير إسلامية
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
إذا طلبت اليمنية فسخ نكاحها أمام محكمة في دولة غير إسلامية وقام زوجها بالمثول أمام تلك المحكمة الأجنبية، وقضت المحكمة الأجنبية بفسخ عقد النكاح ولم يخالف هذا الحكم أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو الآداب العامة في اليمن، وكان هذا الحكم سنداً تنفيذياً فإن هذا الحكم يكون حجة ونافذاً في اليمن، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/٤/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٩٠٤٨)، المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه: (انه تبين ان زواج الطرفين قد تم وفقا لقانون الأحوال الشخصية اليمني المستمد من الشريعة الاسلامية وترتبت على هذا الزواج جميع الاثار بموجب القانون اليمني، وبما أن الحكم سند الدفع صادر من محكمة مقاطعة.. بدولة....، وهذه المحكمة تقع في دولة اجنبية غير مسلمة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي نقضت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين ان الشعبة الاستئنافية قد اغفلت العمل بالمادتين (٤٩١و٤٩٤) مرافعات ، فحكم الفسخ سند الدفع كان قد صدر عن محكمة مقاطعة...... بدولة........، وصدر هذا الحكم بعد ان مثل الطرفان امام تلك المحكمة التي نصت في حكمها على إعتباره سندا تنفيذيا لحسم الخلاف الذي كان قائما بين الطرفين ، وقد صار ذلك الحكم حائزا لحجية الامر المقضي به ، كما ان المطعون ضده لاينكر حضوره امام تلك المحكمة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: عقد الزواج عقد ديني:
اتفقت الشرائع والملل والنحل على ان عقد الزواج عقد ديني يتم بالفاظ مخصوصة وطقوس معينة ، وفي اماكن معينة ،وتحيط به شكليات معينة تميزه عن غيره من العقود ، كذلك الخروج من الزواج يتم بالفاظ معينة واجراءات معينة.
وصفوة القول: ان الدخول في عقد الزواج اوالخروج منه مترتبط بديانة وملة طرفي عقد الزواج. (الوجيز في احكام الاسرة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢١م، صـ٧٦).
الوجه الثاني: فسخ الزواج واجراءاته يخضع لقانون المحكمة التي تحكم بالفسخ:
من المعلوم انه عندما يلجاء احد الزوجين الى المحكمة في اي دولة لفسخ عقد زواجهما ويقبل الطرف الثاني نظر المحكمة الاجنبية فان ذلك دليل قاطع على قبول الطرفين بتطبيق المحكمة لقانونها عليهما، والمحكمة عادة تطبق قانون الدولة التي تتبعها المحكمة وليس قانون الدولة التي يتبعها الزوجان.
فمثلا إذا قام زوجان اجنبيان أو احدهما بطلب الفسخ من المحكمة اليمنية فان المحكمة اليمنية تطبق قانون الاحوال الشخصية اليمني وليس قانون الاحوال الشخصية في الدولة التي يتبعها الزوجان الاجنبيان، وفي هذا المعنى نصت المادة (٢٥) مدني يمني وضمن احكام تنازع القوانين من حيث المكان نصت هذه المادة على انه: (يرجع في الزواج والطلاق والفسخ والنفقات الى القانون اليمني للاحوال الشخصية عند المرافعة).
وقد كانت هذه المسالة هي جوهر النزاع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا فقد كان الزوج يدعي عدم صحة الحكم الصادر عن المحكمة الاجنبية حينما حكمت بفسخ زواجه من المرأة ، لان عقد زواجه قد تم في اليمن وفقا لاحكام الشريعة الإسلامية وقانون الاحوال الشخصية اليمني، فلمحكمة التي حكمت بالفسخ محكمة في دولة غير إسلامية ولذلك لم تطبق احكام الشريعة الاسلامية والقانون اليمني وبدلا من ذلك حكمت وفقا لقانون تلك الدولة غير الاسلامية،حسبما ورد في عريضة إستئناف الزوج، وقد استند الحكم الإستئنافي في قضائه الى وجهة نظر الزوج.
اما حكم المحكمة العليا الذي نقض الحكم الإستئنافي فقد ذهب الى ان الحكم الاجنبي الذي قضى بفسخ زواج الزوجين اليمنيين لم يخالف الشريعة الاسلامية او النظام العام في اليمن، كما ان الزوجين معا قد قبلا ولاية القضاء الاجنبي في نظر دعوى الفسخ والحكم فيها وفقا للقانون الاجنبي، وقد قضى ذلك الحكم الاجنبي بانه يعتبر سندا تنفيذيا ، وبناء على ذلك فان الحكم الاجنبي قابل للتنفيذ في اليمن بموجب النصوص القانونية في قانون المرافعات المنظمة لتنفيذ الاحكام الاجنبية في اليمن.
الوجه الثالث: حجية الحكم الاجنبي بفسخ زواج اليمنين وفقا لقانون المرافعات اليمني:
قضى الحكم محل تعليقنا بان الحكم الاجنبي بفسخ زواج اليمنين تكون له حجية الامر المقضي به، ويجب على القضاء اليمني تنفيذه اذا تم طلب ذلك طالما ان هذا الحكم لم يخالف احكام الشريعة الإسلامية او النظام العام او الاداب العامة السائدة في اليمن.
وقد استند الحكم محل تعليقنا في قضائه الى المادة (٤٩١) مرافعات التي نصت على انه : (مع مراعاة المادة (494) لا يجوز تنفيذ سند تنفيذي أجنبي مالم يكن معتبراً من السندات التنفيذية المنصوص عليها في هذا القانون)، فالحكم الاجنبي بفسخ الزواج كان قد قضى في منطوقه بانه سند تنفيذي .
كما ان الحكم الاجنبي تكون له خاصية الامر المقضي وفقا للمادة (493) مرافعات التي نصت على انه : (تكون العبرة والنظر في اعتبار الحكم الأجنبي سنداً تنفيذيا قابلاً للتنفيذ وقت اكتسابه خاصية قوة الأمر المقضي به).
وقد ذهب حكم المحكمة العليا محل تعليقنا إلى: انه قد تحققت في الحكم الاجنبي بفسخ الزواج الشروط القانونية المقررة في اامادة (494) مرافعات التي نصت على أنه: (يشترط لتنفيذ السند التنفيذي الأجنبي ما يأتي:
1- ألاَّ يخالف السند التنفيذي الأجنبي أحكام الشريعة الإسلامية أو الآداب العامة أو قواعد النظام العام في اليمن.
2- أن تكون المحاكم اليمنية غير مختصة بالنزاع الذي صدر فيه السند التنفيذي الأجنبي وان المحكمة الأجنبية التي أصدرته مختصة به طبقاً لقواعد الاختصاص القضائي الدولي المقررة في قانونها .
3- أن يكون التنفيذ بنفس الشروط المقررة في ذلك البلد لتنفيذ السندات التنفيذية اليمنية معاملة بالمثل .
4- أن يكون السند التنفيذي صادراً من محكمة أو هيئة قضائية مختصة وان يكون الحكم أو الأمر حائزاً لقوة الأمر المقضي به وفقاً لقانون ذلك البلد الأجنبي .
5- أن يكون الخصوم في الدعوى التي صدر فيها الحكم الأجنبي قد كلفوا بالحضور ومثلوا أمام تلك المحكمة تمثيلاً صحيحاً .
6- ألاَّ يتعارض السند التنفيذي الأجنبي مع حكم سبق صدوره من المحاكم اليمنية). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق والفسخ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٣٧)، والله اعلم.
