لا يجوز أن يكون القسام وكيلاً لأحد المتقاسمين

لا يجوز أن يكون القسام وكيلاً لأحد المتقاسمين

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

لا يجوز أن يكون القسام وكيلاً لأحد المتقاسمين في القانون اليمني

يصرح قانون المرافعات اليمني بأن أعمال الوكالة من حالات امتناع القاضي الوجوبية عن نظر القضايا، فقد نصت المادة (128) مرافعات على أن: (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعا من نظر الدعوى (الخصومة)، ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصم ذلك في الاحوال الاتية: -5- إذا كان وكيلا لاحد الخصوم في اعماله الخصوصية أو ممثلا قانونيا له....).

ويصرح قانون الإثبات اليمني بأن الخبير العدل يرد بما يرد به القاضي ويصرح قانون التحكيم اليمني بان المحكم يرد بما يرد به القاضي، ومؤدى ذلك انه لا يجوز ان يكون العدل القسام أو المحكم القسام وكيلا لاحد المتقاسمين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥/١/٢٠١٧م، في الطعن رقم (٥٨٧٠٢) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه : (فإعتماد المحكمة الابتدائية على القسمة المحررة بخط القسام..... كان على سبيل الخطأ، لان القسام المذكور كان وكيلا لاحد الورثة وقساما في الوقت ذاته ، مما يستوجب إلغاء الحكم الابتدائي)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان الحكم الإستئنافي هو الموافق من حيث النتيجة لأحكام الشرع والقانون لما علل به واستند اليه في قضائه بإلغاء الحكم الابتدائي وبطلان القسمة المحررة بخط القسام.... وإعادة اجراء القسمة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول: طبيعة العمل الذي يقوم به العدل القسام في القسمة:

يقوم العدل القسام سواء في القسمة الإختيارية أو الجبرية يقوم بإجراءات القسمة مثل حصر الورثة وحصر اموال التركة والتاكد من ملكية المورث لها واخراج الديون والإلتزامات القائمة على التركة المطلوب قسمتها وتثمين اموال التركة وتحديد انصبة كل وارث من أموال التركة واجراء القرعة وصولا الى تحرير الفصول وتسليم كل وارث وثيقة فصله وتمييز ماورد في كل فصل أي تسليم كل وراث ماتحدد له بموجب فصله.

ولذلك ينبغي ان تتحقق في القسام أو العدل في القسمة شروط الخبير العدل أو شروط المحكم القسام ومن اهمها العدالة والحياد والاستقلال عن المتقاسمين.

الوجه الثاني: طبيعة عمل الوكيل لحساب الشخص الذي قام بتوكيله:

عرفت المادة (905)من القانون المدني اليمني عرفت الوكالة بأنها :(الوكالة هي إقامة الغير مقام النفس حال الحياة في تصرف معلوم جائز شرعا فيما يصح للاصيل حق مباشرته بنفسه).

 فالوكيل بموجب هذا النص يقوم مقام المقاسم الذي قام بتوكيله ، فحكم الوكيل كحكم الاصيل الذي قام بتوكيله، لأن الوكيل يقوم بالعمل أو التصرف باسمه مضيفا الفعل أو التصرف الى الشخص الذي قام بتوكيله، ومؤدى ذلك أن الوكيل لايكون مستقلا عن الاصيل أو الشخص الذي قام بتوكيله .

ومن هذا المنطلق فقد جعل قانون المرافعات اليمني اعمال الوكالة من حالات امتناع القاضي الوجوبية عن نظر القضايا ، فقد نصت المادة (128)مرافعات على ان :(يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعا من نظر الدعوى (الخصومة ) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصم ذلك في الاحوال الاتية :-5- إذا كان وكيلا لاحد الخصوم في اعماله الخصوصية أو ممثلا قانونيا له....).

وبناء على ما تقدم فان القانون قد افترض ان الوكيل لايكون عدلا أو عادلا في القسمة التي يكون الموكل طرفا فيها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء٢٠٢٦م، صـ61).

الوجه الثالث: القسام العدل في القسمة الإختيارية:

تختلف طبيعة عمل القسام في القسمة الإختيارية بحسب طبيعة وثيقة إختيار المتقاسمين للقسام ، فقد تتضمن هذه الوثيقة ان مهمة القسام تقتصر على القيام باجراء القسمة الشرعية بحسب احكام الشريعة ونصوص القانون وبحسب اجراءات القسمة المعروفة، ففي هذه الحالة يكون القسام خبيرا عدلا مختارا من المتقاسمين ، حسبما ورد في المادة (1211) من القانون المدني اليمني التي نصت على أن د: ( للشركاء البالغين أن يقسموا المال المشترك بينهم إختيارا بالطريقة التي يرتضونها ويجوز فيها جمع الاشياء المتماثلة والمختلفة ، كما يجوز فيها جمع نصيب اثنين أو اكثر في قسم واحد ،ولهم ان يقسموا بانفسهم أو بواسطة عدلين ، كما يحق لهم تعديل الحصص بالنقد ، ولاتسمع من حاضر دعوى غبن في القسمة إلا لأمر قطعي، ولاتجوز قسمة إختيارية فيها قاصر أو مجنون أو غائب)، فقد اجاز هذا النص للمتقاسمين ان يختاروا عدلين أو عدلاً واحدا لقسمة تركة مورثهم.

 وهذا الامر يستدعي ان تتوفر في العدل القسام الشروط المقررة للخبير العدل في قانون الاثبات ، وقد نصت المادة (166)إثبات على انه : (يجوز رد الخبير للاسباب التي يرد بها القاضي وفقا لقانون المرافعات ، ولايقبل من أحد الخصوم طلب رد الخبير المعين بناء على إختيارهم إلا إذا كان سبب الرد قد حدث بعد تعيينه) .

ومعنى ذلك انه لايجوز للمقاسم ان يطلب رد العدل القسام اذا كان المقاسم قد سبق له إختيار العدل القسام وهو يعلم عند إختياره انه كان وكيلا لاحد الورثة المتقاسمين ، ومع ذلك فانه يجوز للمقاسم ان يطلب رد العدل القسام اذا تم توكيله من قبل احد الورثة المتقاسمين بعد إختياره من طالب رده.

وقد سبق القول ان قانون المرافعات اليمني قد صرح بان اعمال الوكالة من حالات امتناع القاضي الوجوبية عن نظر القضايا ، فقد نصت المادة (128) مرافعات على ان: (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعا من نظر الدعوى (الخصومة) ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصم ذلك في الاحوال الاتية: -5- إذا كان وكيلا لاحد الخصوم في اعماله الخصوصية أو ممثلا قانونيا له....).

الوجه الرابع: القسام المحكم في القسمة الإختيارية:

سبق القول ان طبيعة عمل القسام في القسمة الإختيارية تختلف بحسب طبيعة وثيقة إختيار المتقاسمين للقسام ، فقد تتضمن هذه الوثيقة ان مهمة القسام تشمل اجراء القسمة والفصل في اية دعاوي أو طلبات قد تثار من المتقاسمين اثناء اجراءات القسمة ،وعندئذ يجب ان تتحقق في القسام شروط العدل بالإضافة الى شروط المحكم ، وقد سبقت الاشارة الى شروط الخبير العدل ، وبقت الاشارة الى شروط المحكم القسام ، وفي هذا الشان نصت الفقرة (ثانيا) من المادة (6)تحكيم على انه يشترط في المحكم أن: ( يكون المحكم كامل الاهلية عدلا صالحا للحكم فيما حكم فيه).

 واذا لم يكن المحكم عدلاً فانه يجوز طلب رده مثلما يتم رد القاضي عملا بما هو مقرر في المادة (23) تحكيم التي نصت على انه: (يجوز رد المحكم للأسباب التي يرد بها القاضي أو يعتبر بسببها غير صالحا للحكم أو إذا تبين عدم توافر الشروط المتفق عليها أو التي نصت عليها أحكام هذا القانون ويشترط أن تكون هذه الاسباب قد حدثت أو ظهرت بعد تحرير اتفاق التحكيم إلا انه لايجوز بأي حال من الأحوال لأي من طرفي التحكيم رد المحكم الذي عينه أو اشترك في تعيينه ما عدا للأسباب التي تتبين بعد التعيين وفي كل الاحوال يجب على الشخص حين يفاتح بقصد احتمال تعيينه محكما أن يصرح لمن ولاه الثقة بكل الظروف التي من شأنها أن تثير شكوكا حول حيدته واستقلاله )، وقد سبق ان ذكرنا ان قانون المرافعات قد صرح بوجوب رد القاضي اذا كان قد سبق تعيينه وكيلا لاحد الخصوم.

ومعنى ذلك انه لايجوز للمقاسم ان يطلب رد المحكم القسام اذا كان المقاسم قد سبق له إختيار المحكم القسام وهو يعلم عند إختياره انه كان وكيلا لاحد الورثة المتقاسمين ، ومع ذلك فانه يجوز للمقاسم ان يطلب رد المحكم القسام اذا تم توكيله من قبل احد الورثة المتقاسمين بعد إختياره من طالب رده.

الوجه الخامس: لا يصح أن يكون العدل في القسمة الجبرية وكيلا لاحد المتقاسمين:

 في القسمة الجبرية يكون القاضي هو القسام الذي يباشر اجراءات القسمة جبرا على الممتنع أو الممانع منها ، بيد ان القاضي في الحقيقة يستعين بعدول للقيام بإجراءات القسمة تحت إشراف القاضي ، وتبعا لذلك تسري على العدول الذين يكلفهم القاضي الاحكام ذاتها التي تسري على العدل الذين يختاره المتقاسمون، والتي سبق ذكرها في الوجه الثالث.

إذ يجب أن تتحقق في العدل الذي تعينه المحكمة في القسمة الجبرية شروط القسام العدل، ومن ذلك؛ أن لا يكون وكيلاً لأحد المتقاسمين حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ63)، والله اعلم.