إخراج الأب لابنته من بيت الزوجية من غير إذن زوجها
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
هناك فرق كبير بين خروج الزوجة من بيت زوجها من تلقاء نفسها وبين قيام ابيها أو أخيها او محرمها بإخراج الزوجة من بيت زوجها نتيجة خلافات بين الزوج وبين اي من اقارب الزوجة، فاذا قام الاب أو الاخ أو غيرهما من محارم الزوجة قام بإخراج الزوجة من غير طلب منها ومن غير إذن زوجها ومن غير ان يكون هناك سبب شرعي ثابت يستدعي إخراج الزوجة من بيت زوجها، فان الإخراج في يقع خلافا لأحكام الشرع والقانون ويعد إعتداء صارخا من الأب أو غيره على حقوق الزوج مما يستجب الحكم بإلزام الذي اخرج الزوجة بإعادتها إلى منزل الزوجية وتحميل الذي اخرجها بنفقتها أثناء الخروج وتعويض الزوج المضرور، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/٨/٢٠١٢م، في الطعن رقم: (٥٠٠٠٨) المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه: (فقد تبين ان المستانف لم يقدم أي جديد، حيث اتضح قيام المستانف باخذ إبنته من منزل زوجها من دون اذن الزوج) وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ( فقد وجدت الدائرة: ان الطعن لم يتضمن اية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات ، ولذلك فان الحكم الإستئنافي قد توصل الى نتيجة موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: المقصود ببيت الزوجية الذي يتم إخراج الزوجة منه:
وفقا لاحكام الشريعة الإسلامية وقانون الاحوال الشخصية اليمني فان الزوجة بعد زفافها الى منزل الزوجية مأمورة في الشرع والقانون بالقرار او البقاء في بيت الزوجية عملا بقوله تعالى (وقرن في بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الاولى).
وبيت الزوجية وفقا لأحكام قانون الاحوال الشخصية اليمني قد يكون مسكنا مستقلا أو شقة، وقد يكون ملكا للزوج أو مؤجرا منه ، وقد يكون مسكنا غير مستقل ، بل ان منزل الزوجية قد يكون مسكن الزوجه نفسها أو منزل أهلها ، كما لو اشترط ولي الزوجة عند العقد ان تبقى الزوجة في دارها أو دار اهلها، وفي هذا المعنى ورد في الفقرة (١) من المادة (٤٠) احوال شخصية ان من حق الزوج على زوجته : (الإنتقال معه الى منزل الزوجية ما لم تكن قد اشترطت عليه في العقد البقاء في منزلها أو منزل اسرتها فيكون عليها تمكينه من السكن معها والدخول عليها).
وقد جاء في تحفة المحتاج -في الفقه الشافعي- عند الكلام عن موجبات النفقة، ومسقطاتها قوله: والخروج من بيته ـ أي: من المحل الذي رضي بإقامتها فيه ـ ولو ببيتها، أو بيت أبيها ـ كما هو ظاهرـ ولو لعبادة، وإن كان غائبا -بتفصيله الآتي- بلا إذن منه، ولا ظن رضاه، عصيان ونشوز، إذ له عليها حق الحبس، في مقابلة المؤن.... اهـ.
والأصل أن تلزم المرأة بيت الزوجية، فلا تخرج منه إلا بأحد أمرين:
الأول: إذن زوجها لها.
والثاني: مسوغ شرعي يسوغ لها الخروج.
فإن خرجت بغير إذنه، ولغير ضرورة، كانت ناشزا.
الوجه الثاني: الحالات التي يجوز للزوجة الخروج فيها والعودة الى بيت الزوجية:
نصت المادة (٤٠) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أن: (للزوج على الزوجة حق الطاعة فيما يحقق مصلحة الاسرة وعلى الاخص ماياتي :
1- الإنتقال معه الى منزل الزوجية مالم تكن قد اشترطت عليه في العقد البقاء في منزلها أو منزل اسرتها فيكون عليها تمكينه من السكن معها والدخول عليها.
2- تمكينه منها صالحة للوطء المشروع.
3- إمتثال امره في غير معصية والقيام بعملها في بيت الزوجية مثل غيرها.
4- عدم الخروج من منزل الزوجية إلا باذنه أو لعذر شرعي أو ما جرى العرف بمثله مما ليس فيه فيه الإخلال بالشرف ولا بواجباتها نحوه وعلى الأخص الخروج في إصلاح مالها أو أداء وظيفتها المتفق عليها والتي لاتتنافى مع الشرع ، ويعتبر عذرا شرعيا شرعيا للمرأة خدمة والديها العاجزين وليس لهما من يقوم بخدمتهما أو احدهما غيرها).
ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر انه قد تضمن احكاما عدة منها انه يجوز للزوجة الخروج من منزل في الأحوال الاتية :
الحالة الاولى : خروج الزوجة باذن زوجها :
ويجب ان يكون هذا الاذن مسبقا أي قبل خروج الزوجة ، ويجب ان يحدد الزوج في الاذن مدة الأذن،حتى يصدر الإذن عن علم وتبصر ولايثير اية إشكاليات لاحقة لصدوره.
وقد تطول مدة الإذن أو تقصر، ومعنى ذلك ان مدة الإذن قد تكون لساعة أو لساعات أو لأيام أو لشهر أو أشهر .
بيد انه يحق الزوج ان يقطع الإذن إذا كانت مدة الأذن طويلة ،لأن الاذن يخضع لسلطة الزوج التقديرية ولان الزوج يملك الاذن بداية ونهاية ، ولان الإذن من تصرفات الزوج الصادرة بإرادته المنفردة.
الحالة الثانية: خروج الزوجة من منزل الزوجية لعذر شرعي من غير إذن زوجها:
حددت الفقرة (٤) من النص القانوني السابق انواع العذر الشرعي المبيح للزوجة الخروج من منزل الزوجية من غير إذن زوجها، فقد نصت هذه الفقرة على :( عدم الخروج من منزل الزوجية إلا باذنه أو لعذر شرعي أو ما جرى العرف بمثله مما ليس فيه فيه الإخلال بالشرف ولا بواجباتها نحوه وعلى الأخص الخروج في إصلاح مالها أو أداء وظيفتها المتفق عليها والتي لاتتنافى مع الشرع ، ويعتبر عذرا شرعيا شرعيا للمرأة خدمة والديها العاجزين وليس لهما من يقوم بخدمتهما أو احدهما غيرها).
وبيان هذه الانواع كما ياتي:
النوع الاول:خروج الزوجة من منزل الزوجية لإصلاح مالها من غير إذن زوجها:
ذكر النص السابق هذا النوع صراحة وخاصة أي ان هذا الحق غير خاضع للاجتهاد اوالمناقشة أو التفسير، وهذا هوالمعنى القانوني لجملة (على الأخص) الواردة في النص السابق.
اما معنى إصلاح مال الزوجة فان ذلك يفترض ان للزوجة مال خاص بها سواء وجد هذا المال قبل زواجها بالزوج أو بعد زواجها منه.
ومفهوم إصلاح الزوجة لمالها اطلقه النص السابق، ولذلك فان كل عمل من أعمال المحافظة والتنمية لمال الزوجة تندرج في هذا المفهوم الواسع لاصلاح المال، فلايضبط هذا المفهوم إلا عدم إخلال الزوجة بشرفها وفقا للمخلات بالشرف المقررة في الشريعة الإسلامية ، وكذا ان لايترتب على خروج الزوجة لإصلاح مالها الاخلال بواجباتها الشرعية قبل زوجها.
النوع الثاني:خروج الزوجة من منزل الزوجية بغير إذن زوجها لاداء وظيفتها ومواصلة تعليمها:
أيضا ذكر النص السابق هذا النوع من الخروج صراحة وخاصة أي ان هذا الحق غير خاضع للاجتهاد اوالمناقشة أو التفسير، فهذا هوالمعنى القانوني لجملة (على الأخص) الواردة في النص القانوني السابق.
اما معنى خروج الزوجة بغير إذن زوجها لأداء وظيفتها المتفق عليها بين ولي الزوجة والزوج عند عقد الزواج أو المتفق عليها بعد عقد الزواج فيما بين الزوج وزوجته.
وهذا الإتفاق ملزم للزوج فلايحق له مخالفته أو الإخلال به طالما ان الزوجة لم تخل أثناء خروجها باي من أحكام الشريعة الاسلامية أو باي من واجباتها الزوجية قبل زوجها.
ويندرج في مفهوم خروج الزوجة لأداء وظيفتها يندرج ضمن هذا المفهوم خروج الزوجة لمواصلة تعليمها إذا كان قد تم الاتفاق على ذلك سواء عند عقد الزواج أو بعده.
النوع الثالث : خروج الزوجة من منزل الزوجية بغير إذن زوجها لخدمة والديها العاجزين وليس لهما من يقوم بخدمتهما أو احدهما غيرها :
وقد صرح النص القانوني السابق بأن خروج الزوجة لخدمة والديها العاجزين يعد من العذر الشرعي الذي يبيح للزوجة الخروج من غير إذن زوجها، ومعنى ذلك ان هذا العذر ثابت في النص القانوني وانه غير خاضع للمناقشة والتفسير.
النوع الرابع : خروج الزوجة من منزل الزوجية بغير إذن زوجها لعذر شرعي مما ليس فيه فيه الإخلال بالشرف ولابواجباتها نحو زوجها:
وردت في النص السابق ضمن الحالات التي يجوز للزوجة الخروج من غير إذن زوجها وردت عبارة: ( أو لعذر شرعي أو ما جرى العرف بمثله مما ليس فيه فيه الإخلال بالشرف ولا بواجباتها نحو زوجها) .
والعذر الشرعي في هذه الحالة هو الاحوال الي تجيز فيها الشريعة الاسلامية خروج الزوجة من غير إذن زوجته كتهدم المنزل او حدوث وراء أو حرب في المنطقة أو خوف الزوجة على نفسها أو شرفها أو سمعتها أو خروجها للمعالجة والتداوي .. الخ.
النوع الخامس : خروج الزوجة من منزل الزوجية بغير إذن زوجها لغرض جرى العرف بمثله مما ليس فيه الإخلال بالشرف ولا بواجباتها نحو زوجها:
وردت في النص السابق ضمن الحالات التي يجوز فيها للزوجة الخروج من غير إذن زوجها وردت عبارة: ( أو لعذر شرعي أو ما جرى العرف بمثله مما ليس فيه الإخلال بالشرف ولابواجباتها نحو زوجها).
ومعنى ماجرى العرف به كخروج الزوجة لشراء احتياجات المنزل التي لم يحضرها الزوج الى المنزل او خروج الزوجة في حفلات وجلسات النساء الفاضلات المحتشمات كحفلات الزواج والولاد والخطوبة ومايسمى في عرف نساء اليمن (بالتفرطة) شريطة عدم إخلال الزوجة بشرفها وفقا للمخلات بالشرف المقررة في الشريعة الإسلامية ، وكذا ان لايترتب على خروج الزوجة في هذه الحالة الاخلال بواجباتها الشرعية قبل زوجها. (الوجيز في أحكام الاسرة،، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة خالد بن الوليد شارع العدل صنعاء، ٢٠٢٢م ، ص٢٤٣).
الوجه الثالث: معنى إخراج الزوجة من منزل الزوجية من قبل محرمها كأبيها أو أخيها:
إذا خرجت الزوجة من بيت زوجها من غير اذنه وفي غير الاحوال التي يجوز لها الخروج من غير اذنه بحسب ماسبق بيانه في الوجه السابق، إذا كان خروج الزوجة من تلقاء نفسها فانها تكون ناشزا متكبرة ومستهينة بواجباتها الشرعية ، ويترتب على ذلك عدم إستحقاقها النفقة كما أنها تكون اثمة عند الله تعالى.
اما إذا كانت الزوجة لاتريد الخروج من منزل الزوجية وقام محرمها كابيها او اخيها قام بإخراجها من منزل الزوجية من غير ان يستاذن زوجها فانه يكون المسئول عن خروج الزوجة ويتحمل نفقتها وتعويض الزوج لانه لم يستاذن زوجها وقام باخراجها على نحو مخالف للاحوال التي يجوز للزوجة الخروج فيها والسابق بيانها في الوجه السابق.
بيد انه يحق للأب أو الاخ أو غيرهما من المحارم أن يخرج الزوجة إذا توفرت حالات الخروج السابق بيانها، وكذا يجوز له إخراجها إذا اذن له الزوج بذلك .
فقد ورد في الحكم محل تعليقنا ان الأب كان يجادل في إستئنافه : ان جيران زوج ابنته اخبروه أن زوجها ضربها واخرجها الى خارج المنزل ،غير ان الاب عجز عن إثبات هذه الواقعة ، حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا.
الوجه الرابع: إخراج الزوجة من قبل اقاربها إقحام للعلاقة الزوجية في خلافات خارجية وتخريب للعلاقات الزوجية الهادئة وسبب من أهم أسباب ظاهرة كثرة دعاوى فسخ الزواج: وتوصيتنا في هذا الشان:
من المعروف ان اغلب حالات الفسخ التي تم رفعها امام القضاء على الأقل منذ عام ١٩٩١م كان سببها الرئيس قيام اقارب الزوجة بإخراج الزوجة من منزل الزوجية بسبب خلافات خاصة او اغراض خاصة لأقارب الزوجة الذين يقوموا بإخراجها من منزل الزوجية للضغط على الزوج لتسوية خلافاتهم معه أو تلبية اغراضهم، أقول هذا عن علم من خلال مطالعتي للاحكام القضائية خلال الفترة المشار اليها، وفي سبيل تشديد ضغط الاقارب على الزوج فانهم يدفعوا الزوجة الى رفع دعوى فسخ ،ولهذا السبب زادت وازدهرت وكثرت دعاوى الفسخ امام المحاكم اليمنية.
ولذلك فاننانوصي بالاتي:
١-التوعية المستدامة بعدم تدخل الاقارب في العلاقات الزوجية لقريباتهم لتحقيق اغراضهم الخاصة : من أهم وسائل مكافحة ظاهرة كثرة دعاوى فسخ الزواج التوعية المستدامة بعدم تدخل الاقارب في العلاقة الزوجية لقريباتهم وعدم إقحام مشاكل اقارب الزوجة في علاقتها الخاصة بزوجها.
٢- تفعيل نظام قاضي الصلح وتوجيه نشاطه الى هذه الوجهة، وانشاء مكتب خدمة الاسرة والمحافظة عليها في نطاق بعض المحاكم لاستقبال دعاوى الفسخ ومعالجتها عن طريق الصلح وباشراف قاضي الصلح . ( التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل فسخ عقد الزواج، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ٨٢) .
الوجه الخامس: خروج الزوجة من منزل الزوجية في الفقه الاسلامي:
يذهب فريق كبير من الفقهاء الى انه يجوز للزوجة الخروج من المنزل اذا اذن لها الزوج بذلك وكذا يجوز لها الخروج بغير اذنه إذا كان هناك عذرشرعي أو خرجت لأداء واجب شرعي كخدمة والدها أو والدتها أو حفظ مالها، وقد اخذ القانون اليمني بهذا القول،
ويذهب الفقهاء المتقدمون الى انه يحرم على المرأة -المدخول بها- الخروج بغير إذن زوجها ـ ولو كانت في بيت أبويهاـ؛ لأنها في هذه الحالة طاعتها لزوجها، لا لأبويها.
جاء في تحفة المحتاج -في الفقه الشافعي- عند الكلام عن موجبات النفقة، ومسقطاتها قوله: والخروج من بيته ـ أي: من المحل الذي رضي بإقامتها فيه ـ ولو ببيتها، أو بيت أبيها ـ كما هو ظاهرـ ولو لعبادة، وإن كان غائبا -بتفصيله الآتي- بلا إذن منه، ولا ظن رضاه، عصيان ونشوز، إذ له عليها حق الحبس، في مقابلة المؤن
، والأصل أن تلزم المرأة بيت الزوجية، فلا تخرج منه إلا بأحد أمرين:
الأول: إذن زوجها لها.
والثاني: مسوغ شرعي يسوغ لها الخروج.
فإن خرجت بغير إذنه، ولغير ضرورة، كانت ناشزا.
قال الخطيب الشربيني: وَالنُّشُوزُ يَحْصُلُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، لا إلَى الْقَاضِي لِطَلَبِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلا إلَى اكْتِسَابِهَا النَّفَقَةَ إذَا أَعْسَرَ بِهَا الزَّوْجُ، وَلا إلَى اسْتِفْتَاءٍ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا فَقِيهًا، وَلَمْ يَسْتَفْتِ لَهَا. اهـ.
وقال الرحيباني -الحنبلي- في مطالب أولي النهى: ( وَيَحْرُمُ خُرُوجُهَا ) أَيْ الزَّوْجَةِ: ( بِلَا إذْنِهِ ) أَيْ: الزَّوْجِ ( أَوْ ) بِلَا ضَرُورَةٍ كَإِتْيَانٍ بِنَحْوِ مَأْكَلٍ، لِعَدَمِ مَنْ يَأْتِيهَا بِهِ. اهـ.
وقد دل على شرط إذن الزوج للخروج حديث رسول الله ﷺالذي رواه الإمام البخاري في صحيحه حيث قال ﷺ: إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها [رواه البخاري: 5238]، وقد ترجم البخاري -رحمه الله- على هذا الحديث: "باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره". [صحيح البخاري: 7/38].
وقوله: "وغيره"يشمل بيت أهلها، والسوق، وغيره... فلا بد من الاستئذان، والمعنى: أن خروجها من البيت بغير إذن تكون به عاصية، آثمة، مخالفة للكتاب العزيز، وللسنة النبوية.
قال الكرماني -رحمه الله- في شرح الحديث: "فإن قلتَ الحديث لا يدل على الإذن للخروج إلى غير المسجد" قلتُ: لعل البخاري قاسه على المسجد" [عمدة القاري: 6/160].
وقال البهوتي -رحمه الله-: "ويحرم على الزوجة الخروج بلا إذن زوجها؛ لأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب". كشاف القناع: 5/ 197].
وقال أحمد -رحمه الله- في امرأة لها زوج وأم مريضة: "طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها زوجها" [شرح منتهى الإرادات: 3/47].
بيد أن غالبية الفقهاء المعاصرين يقرروا ان قضية خروج المرأة من المنزل من أهم القضايا التي تعترض سبيل الأسرة المسلمة في كل زمان ومكان، خاصة في زماننا الحاضر، بعدما أصبحت المرأة تخرج للعمل أو للمنتديات المختلفة، مثل الأندية أو الأسواق أو غيرها، إضافة إلى خروجها لزيارة أهلها، وهي أمور تؤدي في بعض الأحيان لمشكلات عديدة في الأسرة، فالزوج قد يرفض خروج زوجته للعمل أو للقاء صديقاتها، أو لزيارة أهلها الأمر الذي تقابله بعض الزوجات بالرفض والشكوى لتتصاعد المشكلة بشكل يعكر صفو الأسرة بأكملها. يقول الدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار العلماء وأستاذ الشريعة بجامعة القاهرة: خروج المرأة من منزل الزوجية لغرض من الأغراض المختلفة قضية احتلت مكانة كبيرة في سلم أولويات العلماء والفقهاء على مر الزمن والإسلام حين ناقش الظاهرة في إطار السعي للحفاظ على استقرار الأسرة، فالإسلام أولى حقوق الزوجية وواجباتها أهمية خاصة، وجعلها متقابلة بمعنى أن لكلا الزوجين واجبات وحقوق فحين ألزمت الزوج بالإنفاق على زوجته في حدود استطاعته فقد أوجَبَتْ على الزوجة طاعته بالاستقرار والاحتباس له في منزل الزوجية، وهذا لا يعني حبس الزوجة تماماً، ولكن الهدف الأسمى هو تحقيق مصلحة الأسرة للحفاظ على المجتمع الإسلامي كله والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الأزواج عن منع نسائهم من الخروج للمسجد، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات».
والشريعة الإسلامية أباحت للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزل الزوجية في إطار الحفاظ عليها وليس لمجرد حبسها أو سجنها، ولهذا فعلى سبيل المثال، فإن المرأة التي وافق زوجها على خروجها للعمل في وظيفة ما عليها أن تخرج وفق الرضا بين الطرفين، ولكن هذا لا يعني أن يتحجج الزوج عند كل مشكلة ويهددها بمنعها من الخروج للعمل فطالما سمح لها فليتم ذلك برضاه، أما إذا قصرت في الواجبات الزوجية، فله أن يمنعها في تلك الحالة، أما خروجها للترفيه كزيارة الصديقات أو الجارات، فهذا لا يتم إلا برضا الزوج، وأن يكون رحيما بها طالما أن ذلك يتم بدون تفريط في حقوقه ودون أن يحدث في خروجها معصية، فإن كان هناك مصلحة، كالترويح عن نفسها مثلاً والتخفيف من الروتين اليومي وسأم العمل مع عدم احتمال تعرُّضها لمفسدة فلا بأس أن يأذن لها ويرضى لخروجها، وإن كان خروجها لجارتها يُعرضها لمفسدة أياًّ كانت هذه المفسدة فمن حقّه منعها شريطة أن يبحث لها عن أسلوب آخر للترويح عنها، كأن يصطحبها إلى منزل أهلها للسمر معهم بالخير والمعروف، أو اصطحابها إلى مكان عام مأمون الفتن، كحديقة عامة أو غيرها، والأفضل في كل ذلك أن يكون بصحبتها. وعلى الزوجة في المقابل أن تحافظ على حقوق زوجها ،لأنَّ طاعة الزوج واجبة فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن هذا لا يعني أن يرفض أن تزور أهلها وتبروالديها لأنَّ في ذلك قطيعة لهما وحملاً لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالي بالمعاشرة بالمعروف، ولكن إذا رفض خروج زوجته من المنزل، فليس لها الخروج إلا بإذن زوجها ويحرم عليها أن تخرج إلا بإذنه ولو كانت في تعزية لأهل ميت أو عيادة مريض أو لأهلها وعليها السمع والطاعة إلا في المعصية، وعلى الزوج أن يراعي حقها وأن يتلطف بها، وأن يحسن عشرتها فيأذن لها في الخروج المناسب الذي ليس فيه منكر.
والخلاصة : ان قانون الاحوال الشخصية اليمني قد نظم خروج الزوجة من منزل الزوجية افضل تنظيم ،جمع في هذا التنظيم ما بين اقوال الفقهاء المتقدمين والتاخرين . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل فسخ الزواج، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء ٢٠٢٦م، صـ٨٥) ، والله اعلم.
