الصلح والتحكيم في قسمة التركة

الصلح والتحكيم في قسمة التركة

أ. د. عبد المومن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

الصلح والتحكيم في قسمة التركة

في حالات كثيرة يقع الخلاف بين الورثة في بعض مسائل واجراءات قسمة اموال تركة مورثهم مثل إدعاء بعض الورثة ان بعض اموال التركة ملك خاص به أو ان المورث كان مدينا له أو الخلاف بشان كيفية قسمة اموال التركة وتوزيعها بين الورثة بحسب الانصبة الشرعية ، فعندئذ يتفق الورثة على إختيار محكم أو محكمين لإجراء القسمة الشرعية لتركة المورث بحسب الفرائض الشرعية ، والتحكيم في هذه الحالة جائز ، ويترتب على هذا الأمر ان المحكمة تمتنع عن نظر طلب القسمة الجبرية إذا تم الدفع امام المحكمة بوجود إتفاق تحكيم على قسمة التركة عن طريق محكم أو محكمين ،حسبما قضى الحكم الصادر من الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7/1/2012م، في الطعن رقم (43791)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى: ( بقبول دفع المدعى عليه في دعوى القسمة الجبرية بعدم قبول الدعوى لسبق إختيار الورثة لمحكم لقسمة التركة وإحالة الورثة الى التحكيم لسرعة اجراء القسمة)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ( فقد كان الاطلاع على تفاصيل ما اثاره الطاعن في أسباب طعنه فوجدت الدائرة ان تلك الاسباب غير متحققة ولا تأثير لها على ما توصلت اليه الشعبة في حكمها بتاييد الحكم الابتدائي لاستنادها الى المادة (19)من قانون التحكيم، فالشعبة في قضائها قد توصلت الى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: تصور موجز لإجراءات القسمة:

إجراءات القسمة كثيرة تبدأ بإستخراج شهادة وفاة المورث لإثبات وفاة المورث ثم إستخراج حكم إنحصار الورثة الذي يحدد ورثة المتوفي ثم حصر الأموال التي مات المورث وهي تحت يده ثم حصر الديون التي على المورث أو له وكذا حصرالالتزامات القائمة على المورث أو عليه ثم تحديد المخلف وهي الأموال المملوكة بالفعل للمتوفي القابلة للقسمة على ورثته بعد إخراج الديون والإلتزامات والوصايا وتجنيب الاموال المختلف بشأنها ثم مساحة وتثمين أموال التركة ثم إعداد التركيز الذي يتضمن أموال التركة وأثمانها ونصيب كل وارث منها ثم التخارج أو المخارجة بين الورثة بما في ذلك إجراء القرعة ثم تحرير فصول القسمة باسم كل وارث على حدة التي تحدد الأموال التي صارت من نصيب كل وارث على حدة ثم تطبيق او تنفيذ الفصول على الواقع الذي يعني تمييز وتعيين وتسليم كل وارث الأموال المحددة له في فصله.

وعند مباشرة إجراءات القسمة المشار إليها تحدث نزاعات بين الورثة بشأن حصر أموال التركة فقد يدعي بعض الورثة أن بعض تلك الأموال ملك خاص به (دعاوى الإختصاص) أو قد يدعي احد الورثة أنه شريك لمورثه في بعض أموال التركة، كما قد يحصل بين الورثة نزاع بشأن تثمين بعض أموال التركة، وكذا تحدث الخلافات بين الورثة عند التخارج وتحديد ما يخص كل وارث بحسب ما ورد في التركيز وكذا تحدث الخلافات عند تمييز وتعيين ما يخص كل وارث من أموال التركة ...الخ.

 وبالامكان أن يتم حسم هذه الخلافات بين الورثة عن طريق الصلح أو التحكيم حسبما سياتي بيانه

الوجه الثاني: التلازم بين الصلح والتحكيم في قسمة التركة:

كان الطاعن في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان يجادل بان التحكيم لإجراء القسمة لايجوز ، لأن المادة (5)من قانون التحكيم، قد منعت التحكيم في المسائل التي لايجوز فيها الصلح ، والصلح في القسمة من وجهة نظر الطاعن لايجوز حسبما ذكر الطاعن.

 في حين قضى الحكم محل تعليقنا ان الصلح والتحكيم جائزين في القسمة اذا وقعا بعد تحقق وفاة المورث ، لان التركة بعد وفاة المورث وإخراج الديون والوصايا تصير ملكا خالصا للورثة ، ولذلك يجوز للورثة ماداموا بالغين عاقلين راشدين يجوز لهم الصلح والتحكيم في قسمة التركة.

الوجه الثالث: ماهية الصلح بصفة عامة في الشريعة والقانون:

الصلح في الفقه الإسلامي هو: عقد يتوصل به الخصوم إلى رفع النزاع القائم وقطع الخصومة، أو يتوقى به الخصوم وقوع نزاع في المستقبل ، والصلح جائز ومشروع في الفقه الإسلامي، فقد وصف القرآن الكريم الصلح بأنه خير، وذلك في قوله تعالى {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.

 ويتضمن الصلح في المال معنى الإسقاط، فقد يتم التصالح على أن يحط او يتنازل أحد الخصوم عن بعض حقه ويسمى (صلح الحطيطة) كأن يكون محل النزاع دارا فجرى الصلح على أن يأخذ المدعي نصفها مثلاً ، فيكون في ذلك قد اسقط او حط صاحب الحق فيها نصف الدار، وقد يكون الصلح معاوضة على غير العين التي أدعى بها المدعي، كما لو أدعى المدعي بأرضية لدى خصمه فتصالح المدعي والمدعى عليه على أن يقوم المدعى عليه بتعويض المدعي بعوض نقدي عنها، وهذا الصلح جائز في الشريعة طالما إنه لم يحرم حلالاً او يجيز حراماً.

اما القانون المدني اليمني فقد عرّف الصلح في المادة (668)بأنه (عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً او يتوقيا به نزاعاً محتملاً، وذلك بأن يتنازل كل منهما عن جزء من إدعائه)، وصرحت المادة (669) مدني بأن عقد الصلح جائز في الدماء والأموال والحقوق شريطة أن لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ولا يثبت نسباً او يسقط حداً.

الوجه الرابع: المقصود بالصلح بين الورثة في قسمة التركة:

المقصود بذلك ان الورثة بعد إخراج ديون مورثهم ووصاياه يتراضى الورثة فيما بينهم على قسمة اموال التركة وإعطاء كل وارث نصيبه بحسب ماهو مقرر في الشريعة الاسلامية أو يتصالحوا على إعطاء بعضهم اكثر من نصيبه الشرعي أو يتنازل الورثة عن مال معين أو اموال معينة لاحدهم أو لبعضهم أو يتنازل بعضهم عن نصيبه في التركة كله أو بعضه.

وقد يتم الصلح بين الورثة من تلقاء الورثة أنفسهم ،وقد يتم الصلح بنظر موفقين يتولوا التوفيق والاصلاح بين الورثة ،وقد يتم الصلح بنظر القسام أو القسامين المتولين للقسمة ، ويتم اثبات الصلح بين الورثة على قسمة التركة بكل طرق الاثبات وافضلها الكتابة.

واذا قام الورثة انفسهم بقسمة التركة بالتراضي فيما بينهم بحسب الانصبة الشرعية من غير تنازل أو إسقاط فان ذلك يكون من قبيل عقد القسمة الرضائية أو قسمة التراضي لعدم وجود أي خلاف أو تنازل أو إسقاط من قبل أي وارث في هذه القسمة ، أما اذا تضمنت القسمة تنازل أو إسقاط من قبل اي وارث فان ذلك يعد من قبيل عقد الصلح بين الورثة على قسمة أموال التركة على النحو الوارد في عقد الصلح بين الورثة.

واذا كانت القسمة قد تضمنت تنازلات متبادلة بين جميع الورثة فانها تكون بمثابة عقد صلح بين الورثة على قسمة التركة بحسب ماورد في العقد أو الإتفاق ، واذا كان التنازل أو الاسقاط قد وقع فيما بين بعض الورثة فقط ،فعندئذ يتداخل عقد القسمة مع عقد الصلح ، فتكون القسمة عقد صلح بالنسبة لمن شملهم التنازل ،وتكون عقد قسمة لمن لم يشملهم الصلح أو التنازل والاسقاط،، وإن كان الأفضل في هذه الحالة أن تتم القسمة الشرعية بحسب الفرائض الشرعية ، وبعد تحديد الانصبة يتم التصالح والاسقاط حتى يكون ذلك عن علم وبصيرة وحتى لاتعتري التنازل أو الاسقاط الجهالة الفاحشة.

 الوجه الخامس: مدى جواز تنازل الوارث او إسقاطه لحقه في الميراث:

ذكرنا فيما سبق أن الصلح في الأموال يتضمن في معناه إسقاط الخصم صاحب الحق لبعض حقه مقابل قطع النزاع او رفعه أو منعه ، وهذا الأمر يستدعي الإشارة بإيجاز إلى مدى جواز تنازل الوارث عن حقه او نصيبه الشرعي في الميراث قبل وفاة المورث وبعد وفاة المورث وعند حدوث نزاع بين الورثة أثناء القسمة أو عند عدم وجود خلاف، وبيان ذلك كماياتي:

اولا :عدم جواز تنازل الوارث عن نصيبه قبل وفاة مورثه:

من القواعد المستقرة في الفقه الاسلامي ان لاتركة الا بعد ثبوت وفاة المورث ، وعلى هذا الاساس لا يجوز للوارث أن يتنازل عن نصيبه او حقه الشرعي في الميراث قبل تحقق هذا الحق الشرعي بموت المورث، أي انه لايجوز للوارث ان يتنازل عن نصيبه كله أو بعض نصيبه في تركة مورثه قبل وفاة مورثه، فمن المعروف أن حق الوارث في الميراث لا يتحقق إلا إذا ثبت بالبينة موت مورثه وثبتت حياة الوارث عند وفاة المورث، ففي هذه الساعة يستطيع الوارث ان يتنازل عن حقه في الميراث الشرعي من مورثه .

ثانيا: تنازل المورث عن نصيبه كله أو بعضه قبل حصر التركة وتحديد نصيبه منها:

يتحقق الحق الشرعي للوارث في تركة مورثه بتحقق بثبوت وفاة المورث وتحقق حياة الوارث عند وفاة مورثه ، ففي هذه الحالة يجوز للوارث ان يتنازل عن حقه أو نصيبه لوجود هذا الحق.

بيد أن تنازل الوارث عن نصيبه في هذه الحالة قبل حصر أموال التركة وتحديد الإلتزامات القائمة عليها كمخاريج الموت والوصايا والديون وتحديد نصيب الوارث من التركة المتبقية يكون التنازل في هذه الحالة جزافيا يكتنفه الغرر الفاحش ، ولذلك فإن الوقت المناسب لتنازل الوارث عن نصيبه أو بعض نصيبه يكون عند حصر أموال التركة وتحديد نصيب كل وارث منها ، فعندئذٍ يجوز للوارث أن يتنازل عن نصيبه لأحد الورثة أو للورثة الآخرين جميعهم، لأن الوارث في هذه الحالة قد صار مالكاً لنصيبه المعين أو المحدد ، فله عندئذٍ أن يتصرف بماله كيفما يشاء ومتى ما شاء سواءً بالبيع او الهبة او الوقف او التنازل أو غير ذلك من التصرفات.

ثالثا: تنازل المورث عن نصيبه كله أو بعضه من غير ان يكون هناك نزاع قائم أو محتمل :

إذا تنازل الوارث عن نصيبه كله أو بعضه بعد وفاة مورثه وبعد تحديد نصيبه من التركة من غير ان يكون هناك نزاع قائم أو محتمل فيما بين الوارث المتنازل والوارث المتنازل له فان هذا التنازل يكون من قبيل الهبة وليس الصلح ، ويكون حكم التنازل في هذه الحالة هو حكم الهبة فتسري عليه احكام الهبة.

رابعا: تنازل الوارث عن نصيبه كله أو بعضه إذا كان هناك خلاف قائم أو محتمل فيما بين الوارث المتنازل والوارث المتنازل اليه:

إذا تنازل الوارث عن نصيبه كله أو بعضه بعد وفاة مورثه وبعد تحديد نصيبه من التركة وكان هناك نزاع قائم أو محتمل فيما بين الوارث المتنازل والوارث المتنازل له فان هذا التنازل يكون في هذه الحالة من قبيل الصلح فتسري عليه احكام الصلح. ،(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص312).

الوجه السادس: تنازل الوارث عن نصيبه كله أو بعضه إرضاء لوارث اخر:

ذكرنا في تعليق سابق انه لاتكاد ان تخلو قسمة في اليمن مما يسمى في (المراضاة ) وهي عبارة عن تنازل احد الورثة أو بعضهم عن جزء من نصيبهم لحساب الوارث او الورثة الذين امتنعوا عن إستكمال إجراءات القسمة الرضائية، ولذلك فإن التكييف الشرعي والقانوني لهذا التصرف أنه عبارة: عن تنازل او إسقاط من الورثة أو بعضهم أو أحدهم للوارث الممتنع مقابل إتمام اجراءات القسمة، ولذلك فان الاسقاط أو التنازل في هذه الحالة يندرج ضمن حالات الصلح بين الورثة، وهذا الصلح جائز قضاء اما ديانة فهو جائز بالنسبة للوارث المتنازل ومحرم من جهة الوارث المبتز لغيره من الورثة،

فيجوز قضاء لاحد الورثة او بعضهم إسقاط حقه أو بعضه مرضاة للوارث الممتنع ،لأن حق الورثة في التركة قد تحقق بموت مورثهم، سيما ان حق كل وارث من الورثة قد تحدد عند إعداد التركيز أو بعد إجراء القرعة او التخارج بعد إعداد التركيز.

اما من الناحية الدينية فاذا كان التنازل من الورثة او الوارث قد تم عن قناعة وطيب نفس فان المراضاة جائزة ، اما إذا لم تكن كذلك وكان التنازل للوارث الممتنع قد تمت نتيجة الحرج والضرورة وإتقاء تعطيل اجراءات القسمة الرضائية فان المراضاة محرمة ديانة عملا بقول النبي صلى الله عليه واله وصحبه وَسَلَّمَ (لايحل مال مسلم الا بطيب من نفسه)، والامانة العلمية تقتضي القول بان اغلب المراضات تتم حرصا على إتمام القسمة وإتقاءا لشر المقاسم الممتنع الانتهازي، ولذلك فانها محرمة ديانة لاقضاء.

 الوجه السابع: جواز الصلح في قسمة التركة:

فيما سبق عرضنا تنازل الورثة لبعضهم بإعتبار ذلك من اهم صور الصلح بين الورثة ، بيد ان هناك حالات أخرى يجوز فيها الصلح بين الورثة ، مثل الصلح بشان إجراءات القسمة كالصلح بشأن التثمين او التخارج او بشان توزيع أموال التركة بينهم بالتراضي، فهذا الصلح جائز شريطة أن يكون الورثة المتقاسمين المتصالحين ذكورا بالغين عاقلين غير ممنوعين من التصرف ، وشريطة أن يكون الورثة المتصالحين من الذكور ، لأن تصرف النساء او تنازلهن لأقاربهن مشروط بأن يكون بيعاً قد تم بسعر المثل وتولى تقديره خبراء عدول وتم قبض الثمن من قبل المرأة الوارثة المتصرفة حسبما استقرت عليه أحكام القضاء اليمني منذ امد بعيد.

الوجه الثامن: موضوع التحكيم في قضايا القسمة:

وفقاً لأحكام القانون المدني تكون القسمة رضائية إذا اتفق جميع الورثة على قسمة التركة ولم يكن بين هؤلاء الورثة قاصر (مجنون أو طفل) أو غائب، وتكون القسمة جبرية بنظر المحكمة المختصة مكانياً إذا اختلف الورثة فقام أحدهم أو بعضهم باللجوء إلى المحكمة طالباً إجراء القسمة الجبرية، غير أنه يجوز عند إختلاف الورثة بشأن القسمة ان يتفقوا جميعا على إختيار محكم أو محكمين لإجراء القسمة والفصل في دعاويهم بشأن القسمة أو أموال التركة، لأن المادة (5) من قانون التحكيم قد حددت المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها وليس من بين تلك المسائل منازعات القسمة، فقد نصت المادة (5) تحكيم على أنه (لا يجوز التحكيم فيما يأتي: -أ- الحدود واللعان وفسخ عقد الزواج –ب- رد القضاة ومخاصمتهم –جـ- المنازعات المتعلقة بإجراءات التنفيذ جبراً –د- سائر المسائل التي لا يجوز فيها الصلح –هـ- كل ما يتعلق بالنظام العام)، فمنازعات القسمة لم يرد ذكرها ضمن المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها.

فإذا كان موضوع التحكيم في القسمة هو إجراءات القسمة المشار إليه في الوجه الأول من هذا التعليق والفصل في الخلافات التي تقع بين الورثة بمناسبة مباشرة إجراءات القسمة المشار اليها، فإن هذا التحكيم جائز، لانه لايدخل في الورثة شخصا غير وارث أو يستبعد وارثا كما انه لايمس مقادير الفرائض الشرعية المقررة في الشريعة الاسلامية ، وعلى هذا الاساس فان هذا التحكيم لا يخالف النظام العام.

اما إذا كان موضوع التحكيم هو إدخال غير وراث أو إخراج وارث شرعي ثبتت صفته الشرعية كوارث أو اذا كان موضوع التحكيم زيادة نصيب أحد الورثة أو إنقاصه فإن التحكيم في هذه الاحوال لا يجوز، لانه مخالف للنظام العام وينطبق عليه حكم المادة (5) من قانون التحكيم التي نصت على إنه (لا يجوز التحكيم فيما يأتي: -هـ- كل ما يتعلق بالنظام العام) .

الوجه التاسع: النظام العام في القانون الذي لا يجوز التحكيم بشأنه وعلاقته بالتحكيم في القسمة :

نصت المادة (5) من قانون التحكيم اليمني على إنه (لا يجوز التحكيم فيما يأتي: -هـ- كل ما يتعلق بالنظام العام)، ومن خلال ما تم عرضه في الأوجه السابقة يظهر أن التحكيم إذا كان موضوعه هو تحكيم المحكم بمباشرة إجراءات القسمة السابق ذكرها والفصل في المنازعات التي تقع بين الورثة أثناء إجراءات القسمة واجراء القسمة بين الورثة الشرعيين وتقسيم التركة بحسب الفرائض الشرعية فإن التحكيم في هذه الحالة جائز في الشريعة الإسلامية، وتبعاً لذلك فإن التحكيم في هذه الحالة لا يخالف النظام العام، اما إذا كان موضوع التحكيم منح المحكم صلاحية زيادة أو نقصان الفرائض الشرعية أو إدخال وارث او اخراج وارث أو تقسيم التركة من غير إخراج الديون والإلتزامات القائمة عليها أو الوصايا أو تقسيم أموال التركة غير المشروعة كالاموال المغصوبة أو المسروقة أو المتحصلة من طرق محرمة كالرشوة والغناء والسرقة فإن التحكيم فيها لا يجوز شرعاً ،لأن الشريعة الاسلامية قد حددت الفرائض الشرعية التي تعني أن الله تعالى هو الذي افترضها وقررها فلا تجوز الزيادة والنقصان فيها ،وكذلك الحال في تحديد الورثة وتحديد الأموال المحرمة شرعا.

وفي هذا السياق فقد نصت المادة (53) تحكيم على إنه (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الاحوال الآتية: (-ز- إذا خالف التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام).

وبناءً على هذا النص فإن حكم التحكيم إذا لم يخالف أحكام المواريث المقررة في الشريعة الإسلامية فإنه يكون جائزا ويجب العمل بموجبه بخلاف الحال لو تعرض الحكم لمقادير الفرائض الشرعية بالزيادة والنقصان وغيره من الجوانب الشرعية.

الوجه العاشر: النظام العام والشريعة الإسلامية:

من ضمن حالات بطلان حكم التحكيم المحددة في المادة (53)تحكيم الفقرة (ز) (-ز- إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام).

 ولذلك ينبغي الاشارة بإيجاز إلى النظام العام وعلاقته بالشريعة الاسلامية ، ففكرة النظام العام عند رجال القانون والسياسة عصية عن التعريف ، ولذلك فأن فكرة النظام العام تستمد سموها من كونها عصية عن التعريف ، لأن هذه الفكرة ليست قاصرة على مجال من المجالات بل أنها تمتد في كل المجالات ، فهناك نظام عام سياسي وهناك نظام عام إجتماعي وهناك نظام عام اقتصادي وهناك نظام عام قانوني ...إلخ، لذلك لا يملك فرع من تلك الفروع تعريف النظام العام، ومع ذلك يمكن القول : أن النظام العام في القانون: هو القواعد القانونية المقررة لمصلحة المجتمع كله وليس لمصلحة فرد بعينه من أفراد المجتمع بمعزل عن بقية أفراد المجتمع الاخرين، ولذلك لا يجوز لأفراد المجتمع الإتفاق على خلاف ما ورد في القواعد القانونية الآمرة المنظمة لمصلحة المجتمع وحقوقه ككل.

وتتمثل فكرة النظام العام في الشريعة الإسلامية في النصوص والأحكام والأدلة الشرعية القطعية التي تبين الحلال والحرام أو تبين المسائل الجائزة أو غير الجائزة، وعلى هذا الأساس لا يجوز للأفراد التحكيم في هذه المسائل، لأنه يترتب عليها تحريم ما أحل الله تعالى أو إباحة ما حرم الله، فهذا هو النظام العام في فقه الشريعة الاسلامية. (الدفوع المتعلقة بالنظام العام، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص9).

وعلى هذا الأساس فلا يجوز التحكيم في مسائل الميراث أو الفرائض الشرعية من حيث مقاديرها ، لأن الله سبحانه وتعالى قد حددها في كتابه العزيز وكذا التحكيم بشان قسمة اموال التركة المحرمة شرعا السابق بيانها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص317).

  الوجه الحادي عشر: إتفاق الورثة على تعيين محكمين لقسمة التركة والفصل في الخلافات التي تنشاء بين الورثة اثناء اجراءات القسمة الرضائية:

 ففي هذه الحالة يتفق الورثة على تعيين محكم او محكمين ، وذلك في إتفاق تحكيم مكتوب يتم فيه تحديد ولاية المحكمين المتمثلة في إجراء القسمة الشرعية بالإضافة إلى الفصل في أية خلافات قد تحدث بين الورثة بشأن إجراءات القسمة واثنائها، وبموجب وثيقة اختيار وتعيين المحكم أو المحكمين فأن المحكم يقوم بإجراء القسمة بحسب الإجراءات المحددة في القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية مثله في ذلك مثل أي قسام بالإضافة إلى قيامه بالفصل في أية نزاعات قد تقع بين الورثة بشأن إجراءات القسمة وإثنائها وبحسب ماهو مقرر في قانون التحكيم .

الوجه الثاني عشر: طريقة عمل المحكمين في إجراء القسمة:

إذا حدثت نزاعات بين الورثة اثناء إجراءات القسمة أو بشأنها فإن المحكمين أو المحكم يقوم بالفصل في تلك النزاعات، وعندئذ يتم تضمين إجراء القسمة في مدونة حكم التحكيم الذي يتضمن حصر موجودات التركة وتثمينها وتحديد الأنصبة وتحديد نصيب كل وارث (تحرير الفصول أو الفروز) بالإضافة إلى الفصل في دعاوى الاختصاص أو أية نزاعات قد تقع بين الورثة بسبب القسمة ، وهذه هي الطريقة الغالبة في عمل (القسام المحكم)، وهذه الطريقة تشبه القسمة الجبرية التي يباشرها القاضي.

 وهناك طريقة أخرى يتبعها بعض (القسامين المحكمين) وهي إجراء القسمة في وثائق مستقلة عن حكم التحكيم الذي يشتمل فقط على الفصل في النزاعات التي وقعت بين الورثة، فضلا عن ان بعض القسامين المحكمين يصدر أكثر من حكم تحكيم بمناسبة كل نزاع على حدة خاصة عندما لا تحدث النزاعات في وقت واحد أو دفعة واحدة وإنما تقع النزاعات بين الفينة والآخرى اثناء السير في مراحل إجراءات القسمة، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، 318).

الوجه الثالث عشر: التحكيم بشأن القسمة يمنع القضاء من إجراء القسمة الجبرية:

إذا قام جميع الورثة بتحرير وثيقة التحكيم وتسمية المحكم أو المحكمين فيها وتحديد موضوع التحكيم وهو إجراء القسمة والفصل في منازعاتها والدعاوى المتبادلة بين الورثة بشأن أموال التركة كدعاوى الإختصاص ، فإن إتفاق التحكيم في هذه الحالة يكون ملزماً لجميع الورثة طالما أنه ليس بينهم قاصر أو غائب، ويترتب على إتفاق التحكيم بشأن القسمة أنه يجب على جميع الورثة إحترام إتفاق التحكيم والتقيد به وتقديم دعاويهم وطلباتهم المتعلقة بإجراءات القسمة إلى المحكم المختار، فإذا قام أحد الورثة المتقاسمين الموقعين على إتفاق التحكيم برفع دعواه أو طلبه إجراء القسمة أمام القضاء فقام المدعى عليهم بدفع الدعوى بوجود إتفاق التحكيم فعندئذٍ يجب على المحكمة أن تقرر إحالة الخصوم إلى التحكيم عملاً بالمادة (19) من قانون التحكيم التي نصت على أنه (على المحكمة التي ترفع أمامها دعوى متعلقة بخلاف أو نزاع يوجد بشأنه إتفاق تحكيم أن تحيل الخصوم إلى التحكيم ما عدا في الحالات الآتية: -1- إذا تبين للمحكمة أن إتفاق التحكيم باطل أو لا يشمل النزاع المطروح أمامها. -2- إذا تابع الطرفان إجراءات التقاضي أمام المحكمة فيعتبر إتفاق التحكيم كأن لم يكن)، وقد استند الحكم محل تعليقنا في قضائه إلى هذه المادة، ونخلص من هذا الوجه إلى القول: بأن تمسك الورثة أو أحدهم بإتفاق التحكيم أمام المحكمة يمنع المحكمة من نظر طلب إجراء القسمة الجبرية، ويوجب على المحكمة إحالة الورثة المتخاصمين إلى التحكيم حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الرابع عشر: الفرق بين التحكيم لقسمة التركة والصلح في قسمة التركة :

تتلخص اهم الفروق بين الصلح في القسمة والتحكيم في القسمة : في أن الصلح عقد بين المتصالحين تسري عليه احكام عقد الصلح بما في ذلك دعوى إبطال العقد إذا تخلف ركن من اركانه أو شرط من شروطه ،اذ يتم رفع هذه الدعوى امام المحكمة الابتدائية المختصة،كما ان الصلح يجوز فيه الاسقاط والتنازل بين الورثة.

اما في التحكيم بين الورثة لقسمة التركة فان القسمة تنتهي بحكم يصدره المحكم يخضع لدعوى بطلان حكم التحكيم التي يتم رفعها أمام محكمة الإستئناف المختصة كما انه يجب على المحكم ان يحكم بحسب الانصبة الشرعية المحددة شرعا ،فلايجوز له ان يزيد أو بنقص منها، أو يسقط من نصيب وارث لاخر. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الاول، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2023م، 181) ، والله اعلم.

تعليقات