الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية
أد. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
الحكم بثبوت شراكة الخصم في الشركة العرفية حكم تقريري يقر مشاركة المحكوم له في الشركة العرفية التي وجدت قبل صدور الحكم، ولذلك تترتب اثار هذا الحكم من تاريخ وجود المشاركة وليس من تاريخ صدور الحكم، ويجب ان تسبق هذا الحكم دعوى أو طلب يطلب فيه المدعي الحكم له بثبوت شراكته ، ويجب ان يتم توجيه هذه الدعوى الى جميع الشركاء في الشركة العرفية حتى يكون الحكم حجة عليهم جميعا ، ولاينبغي توجيه الدعوى الى الشركة العرفية ذاتها اوالمدير لها، لانها ليست اهلا للتقاضي فهي لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة عن الشركاء فيها.
ومعنى الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية أن المحكوم له شريك في الشركة العرفية منذ التاريخ الذي وقعت أو نشات فيه الشراكة وليس من تاريخ صدور الحكم .
ويجب ان يكون الحكم بثبوت شراكة الشخص في الشركة العرفية حاسما للنزاع بكل تفاصيله كوجود الشراكة من عدمه وتاريخ نشوء الشراكة ومقدار الارباح التي يستحقها الشريك المحكوم له، حتى لايضطر المحكوم له الى رفع دعاوى موضوعية جديدة مثل المطالبة بالارباح أو تحديد تاريخ نشوء الشراكة ممايطيل اجراءات التقاضي ويعطل تنفيذ الأحكام .
فمعنى الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية انه يحسم النزاع بشان الشراكة ،ومؤدى ذلك أن لهذا الحكم اثار ينبغي أن يتم تنفيذ الحكم وصولا الى تحقيق كافة اثار هذا الحكم ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11/4/2011م في الطعن المدني رقم (41500) ،وقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه ان: (الحكم السند التنفيذي واضح وجلي في اشارته الى ما تضمنته الدعوى وما قضى به الحكم من ثبوت الشراكة العرفية بين الاخوة المتداعيين ، واللازم على المدعى عليه احضار مستندات العقارات والسيارات المشار اليها في الدعوى وقسمة ذلك مع المقاولات ) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: تعريف الشركة العرفية:
عرفت المادة (661) من القانون المدني اليمني الشركة العرفية بانها (الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال على ان يعمل شخصان أو اكثر كل بحسب مايحسنه فيكفي كل منهم الاخر ، ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم احدهم يكون عليهم جميعاً).
فالشركة العرفية شركة غير نظامية لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها ، إذا تنشاء هذه الشركة بين ورثة لا يقتسمون تركة مؤرثهم بعد موته فتظل شائعة بينهم أو تنشاء بين اقارب او اصدقاء يدخلون في شراكة بحكم الواقع أو الفعل دون ان يقوموا بتسجيل هذه الشركة او اشهارها لدى الجهات الرسمية كشركة نظامية ، ودون ان تتخذ هذه الشركة أي من الاشكال القانونية للشركات النظامية المنصوص عليها في قانون الشركات كالشركة المحدودة والشركة المساهمة المقفلة والشركة التضامنية ...الخ.
وفي الغالب لا يكون هناك عقد شراكة مكتوب بين الشركاء في الشركة العرفية، واذا وجد اتفاق او عقد شراكة بين الشركاء في الشركة العرفية فإنه لا يتخذ الشكل القانوني للشركات النظامية المحدد في قانون الشركات ، ولايتم اشهاره لدى الجهة المختصة.
وقد نظم القانون المدني الشركة العرفية بهذا الاسم واضاف إليها ايضا اسم شركة الواقع.
وفي بعض القوانين العربية يطلق على الشركة العرفية مسمى (الشركة الفعلية)، لانها تنشأ بحكم الواقع أو الفعل عندما تختلط أموال بعض الأشخاص بسبب التركة أو الصداقة العميقة بين بعض الأشخاص، حيث تختلط أموالهم أو يخلطوا أموالهم فيعملوا على تنميتها واستثمارها واستفادة الأموال من عائداتها، والأموال المستفادة من عائدات تشغيل المال المختلط وسعي الشركاء فيها.
ويطلق القانون المدني على الأموال المتحصلة من تشغيل الشركاء للاموال االاصلية أو الكرمة مصطلح (الكسب)، ويطلق في بعض المناطق اليمنية على المال المتحصل من عائدات الكرمة مصطلحات متقاربة منها (المستفاد/ المستطلع /والمستفاد ).
والشركة العرفية غير مسجلة لدى وزارة الاقتصاد أو وزارة الصناعة التجارة كشركة نظامية ولكنها قد تكون مسجلة في تلك الوزارة كمؤسسة فردية باسم احد الشركاء فيها.
ويكون للشركة العرفية اسم تجاري لكنها لا تتخذ أياً من الاشكال القانونية للشركات النظامية، وهذا يجعل الشركة العرفية في الواقع اليمني تختلف من حيث نشاطها مع شركات الواقع في الدول الاخرى. . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦ م، ص١١٤).
الوجه الثاني: خلطة الأموال في الشركة العرفية:
نصت المادة (661) مدني على أن: (الشركة العرفية هي الخلطة في الاموال والتكافؤ في الأعمال، على ان يعمل شخصان أو أكثر بحسب ما يحسنه فيكفي كل منهم الآخر ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم احدهم يكون عليهم جميعاً).
ومن خلال سياق هذا النص يظهر ان الشركة العرفية تقع نتيجة خلطة مال شخصين أو أكثر وقيامهم بتشغيل هذا المال وتنميته وإستغلال عائداته في كسب أموال جديدة واضافتها إلى أموال الشركة العرفية، وتحدث خلطة الأموال في الشركة العرفية نتيجة موت المورث وإنتقال تركته إلى ورثته وعدم قسمتها وبقائها شائعة بين الورثة وإستغلال الورثة لعائدات التركة الشائعة في شراء أموال جديدة ، كما تقع الشركة العرفية نتيجة قيام كل شريك بدفع مبلغ من المال وإنشاء مشروع مشترك بينهم كبقالة أو بناء عمارة...إلخ وإستغلال عائدات هذا المشروع المشترك في استفادة أموال جديدة، فلاتكون اموال كل شريك مفرزة وانما مخلوطة بغيرها .
وقد تكون حصة كل شريك في المال المخلوط معلومة كحصة شائعة في اموال الشركة العرفية المخلوطة كما في حالة الخلطة بسبب الإرث، فعندئذٍ يكون نصيب كل وارث من الاموال الاصلية(الكرمة ) معلوما كحصة شائعة في أموال الشركة العرفية المخلوطة وعلى اساس النصيب الشرعي لكل وارث يتم إحتساب نصيب كل وارث من الأموال المستفادة من المال المخلوط ، وكذلك الحال في الحالات الاخرى غير خلطة التركة فانه يتم إحتساب نصيب كل شريك في الشركة العرفية بحسب نصيبه في أصل المال المخلوط.
فإذا كان نصيب الوارث أو الشريك هو النصف من المال المخلوط فان نصيبه من الأرباح يكون النصف وكذلك الحال بالنسبة للاموال المستفادة من المال المخلوط المشترك يكون النصف حسبما نصت عليه المادة (663) مدني، فإذا كان نصيب كل شريك في الاموال المخلوطة معلوما اي إذا كان مقدار ما يخص كل شريك معلوما في (الكرمة) أو رأس المال وكذا في الأموال المستفادة فالخلطة في هذه الحالة لا تثير إشكاليات.
كما لاتثير خلطة الأموال بين غير الورثة اية إشكاليات إذا كان موضوع الشركة العرفية الاموال الاصلية (الكرمة ) اموال نقدية أو عينية معلومة ومحددة قدمها الشركاء فاذا كانت حصة كل شريك في الكرمة معلومة فتبعا لذلك تكون حصته من الأرباح والأموال المستفادة من الكرمة .
فضلا عن ان تكافوء أعمال الشركاء او خلطة الأعمال في الشركة العرفية لاتثير اية إشكالية لان إحتساب عائد عمل كل شريك في الشركة العرفية يتم على اساس العائد أو النماء الذي تحقق نتيجة عمل الشريك أو سعيه، فعند الخلاف يجب على الشريك ان يثبت ذلك العائد أو النماء . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١٧).
الوجه الثالث: دعوى إثبات الشراكة في الشركة العرفية:
من المقرر في القانون والفقه والقضاء انه لايجوز الحكم بما لم يطلبه الخصم ، وبناء على ذلك فانه يلزم المدعي بالشراكة في الشركة العرفية أن يتقدم بدعواه امام القاضي المختص نوعيا ومكانيا وان يطلب في دعواه أو طلبه ان يطلب صراحة الحكم له بثبوت شراكته في الشركة العرفية.
وقد تكون دعوى ثبوت الشراكة في الشركة العرفية دعوى مستقلة بهذا الاسم ، كما قد يطلب المدعي ثبوت شراكته ضمن طلباته في دعوى أخرى أو في طلب عارض أو إضافي كما لو قام المدعي بتقديم بدعوى طلب فيها تسليمه ارباحه من نشاط الشركة العرفية ، وبعد ذلك قام بتقديم طلب عارض بثبوت شراكته ، وقد يجمع طلباته كلها في دعوى واحدة طالما اتحد اطرافها وسببها ،وكانت المحكمة مختصة بنظرها.
وفي كل الاحوال يجب ان يصرح المدعي بطلبه ثبوت شراكته في الشركة العرفية ، كما يجب ان يقدم كافة الادلة والاسانيد التي تدل على صحة طلبه ، وينبغي أيضا ان تتحقق في هذه الدعوى كافة الاركان والشروط المقررة في الدعاوى، ويتم تقديم هذه الدعوى بحسب الاجراءات المعتادة لرفع الدعاوى الاخرى.
ويتم رفع دعوى أو طلب الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية ضد كافة الشركاء في الشركة العرفية حتى يكون الحكم الصادر فيها حجية على الشركاء جميعا.
فلايجوز رفع الدعوى على الشركة العرفية ذاتها أو مديرها ، لان الشركة العرفية لاتتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة عن الشركاء فيها، ولذلك فالشركة العرفية ليست أهلا للتقاضي. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦ م، ص١٣١).
الوجه الرابع: معنى الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية:
الحكم بذلك يعني أنه قد ثبت للمحكمة من خلال مرافعات الخصوم ودراستها لاوراق الدعوى المشتملة على عريضة الدعوى وادلتها والرد على الدعوى ، وبعد الدراسة والمناقشة لمذكرات الخصوم وادلتهم وفي ضوء نصوص القانون فقد ثبت للمحكمة من خلال ذلك : انه قد ثبت للمحكمة ان المدعي أو الطالب شريك منذ تاريخ كذا بنسبة كذا في الشركة العرفية ، إذ تحكم المحكمة في منطوق حكمها بقبول الدعوى شكلا وموضوعا وثبوت شراكة المدعي في الشركة العرفية منذ تاريخ كذا بنسبة كذا وتسليم أرباحه عن تلك النسبة للفترة كذا.
الوجه الخامس: الاكتفاء بالحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية:
في بعض الاحكام تكتفي المحكمة بالحكم بثبوت شراكة المدعي أو الطالب في االشركة العرفية دون ان ينص الحكم على تحديد نسبة شراكة المحكوم له ودون ان ينص الحكم على الزام المحكوم عليه بدفع ارباح المحكوم له عن نسبة مشاركته وتحديد الفترة التي يستحق عنها الارباح وتحديد تاريخ بدء الشراكة، مما يعطل اجراءات تنفيذ الحكم ، ومما يجعل المحكوم له يلجاء كرة اخرى الى رفع دعاوى موضوعية إخرى للمطالبة بتحديد نسبة شراكته والزام المحكوم عليه بدفع ارباحه ، وهذا يؤدي الى إطالة اجراءت التقاضي
الوجه السادس: حجية الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية واثاره:
وفقا للمادتين (٢٣٣و٢٣٤) مرافعات إذا صار هذا الحكم نهائيا او باتا فتكون له حجية الأمر المقضي به المقررة للاحكام ، وهي حجية نسبية قاصرة على اطراف الخصومة وموضوعها وسببها، ولذلك ينبغي المدعي إختصام كل الشركاء في الشركة العرفية حتى يكون الحكم حجية عليهم جميعا.
ويكون الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية حكما مقررا للشركة منذ نشوئها ، فهذا الحكم يقرر وجود الشراكة العرفية منذ نشوئها ، فهذا الحكم لاينشئ الشراكة العرفية وانما يقر نشوءها السابق على تاريخ صدور الحكم ، ولذلك يجب ان يتضمن الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية تحديد تاريخ نشوء الشركة العرفية وتاريخ مشاركة المدعي فيها وفترة إستحقاق الارباح.
ويكون الحكم بثبوت الشراكة في الشركة العرفية وسيلة إثبات كافية وقاطعة في إثبات شراكة المحكوم له في الشركة العرفية تغني عن غيرها من الوثائق، لان هذا الحكم لايصدر إلا بعد ان تتثبت المحكمة من ادلة واسانيد المدعي المحكوم له، ولذلك فان الحكم عنوان الحقيقة.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦ م، ص١٣٧). والله أعلم.
