إثبات خط كاتب المحرر القديم عن طريق الشهادة
أ. د. عبد المومن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
![]() |
| المحرر القديم |
كتبة المحررات العرفية في اليمن كانوا قلة في كل منطقة من مناطق اليمن المختلفة ويحتفظ أهل اليمن بتلك المحررات جيل بعد جيل، ومازالت غالبية المحررات العقارية في اليمن عرفية بسبب تحول السجل العقاري الى وكيل لمصلحة الضرائب يتولى جباية ضريبة المبيعات العقارية الباهضة نيابة عن الضرائب حيث جعل المختصون في السجل سداد الضريبة شرط للتسجيل في السجل العقاري .
ولكثرة الاستدلال والاحتجاج بالمحررات العرفية القديمة فان القضاء اليمني يلزم الخصم الذي يحتج بالمحرر العرفي أن يحضر محررات أخرى بخط كاتب المحرر حتى تتم مقارنتها أو مضاهاتها أو مقارنتها للتحقق من صحة نسبة المحرر لكاتبه ، كما يتم إلزام الخصم الذي يستدل بالمحرر العرفي القديم ان يحضر شهود للتعريف بخط كاتب المحرر ، وينبغي ان بكون شهود التعريف بالمحرر القديم من اهل الخبرة والمعرفة في خطوط المحررات مثل الامناء الشرعيين والقضاة والمحامين الذين عملوا في المنطقة حيث يشتهر كاتب المحرر العرفي القديم ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 8/1/2012م، في الطعن رقم (43761)، المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (وحيث احضر المدعى عليه عدة محررات بتوقيع وختم الكاتب فلان بن فلان، وحيث شهد الامين.....والشاهد ..... ان الخط والتوقيع والختم منسوب للكاتب المشار إليه ، لذلك فقد ثبت صحة المحرر الذي استدل به المدعى عليه) ، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي ،وقد ورد ضمن أسباب الحكم الإستئنافي : (لم يات الإستئناف بجديد ، ولثبوت صحة المحرر المبرز من المستانف ضده عن طريق شهادات الشهود ومضاهاة الخطوط في المحررات التي بخط ذلك الكاتب)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد وجدت الدائرة ان اسباب الطعن قد سبق للطاعن ان اثارها امام محكمة الإستئناف التي ناقشتها في اسباب حكمها ، ومن خلال ذلك فقد توصل الحكم الإستئنافي الى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون والقانون ، ولذلك فان أسباب الطعن غيرمؤثرة مما يتعين معه رفض الطعن) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم ، حسبما هو مبين في الأوجه الاتية
الوجه الاول: التلازم بين إثبات خط كاتب المحرر القديم وإثبات شهرة عدالة كاتب المحرر القديم:
عند الخلاف بشان صحة المحرر القديم فان المنكر للمحرر القديم يهدف في الأساس إلى انكار التصرف الوارد في المحرر كالبيع والاجارة او الهبة ...الخ، فالمنكر لايهدف الى مجرد انكار المحرر القديم فحسب، ولذلك فان الخصم المتمسك بالمحرر القديم يحرص على أن يستشهد بشهود يشهدوا بان خط المحرر هو خط كاتبه وان الكاتب مشهور بعدالته أي انه لم يشتهر في المنطقة بتزوير المحررات او إصطناعها ،لان الشهادة فقط بنسبة الخط الى كاتبه تقتصر دلالتها على أن الخط صحيح النسبة الى كاتبه، اما التصرف المذكور في المحرر فانه يحتاج الى الشهادة بشهرة الكاتب بالعدالة في المنطقة، ولذلك يحرص المتمسك بالمحرر القديم على ان تكون الشهادة بصحة نسبة المحرر الى كتابه وان الكاتب القديم كان مشهورا في المنطقة بالعدالة ولم ينسب له تزوير المحررات او إصطناعها.
الوجه الثاني: الوضعية القانونية لشهود التعريف بخط كاتب المحرر العرفي القديم:
عند التعرض لهذا الموضوع تبرز تساؤلات عدة من اهمها : هل الشخص الذي يقوم بالتعريف بخط كاتب المحرر شاهد ام خبير خاص ذو معرفة بخط هذا الكاتب خاصة? واذا كان هذا الشخص شاهدا فماهي الواقعة التي يشهد عليها ? وماهي حجية شهادة الشاهد بخط كاتب المحرر القديم? وهل يصلح التعريف ان يكون دليلا كاملا لإثبات نسبة الخط الى كاتبه ومن ثم إثبات صحة المحرر والواقعة الواردة فيه? وهل محل شهادة شاهد التعريف هو نسبة الخط للكاتب أو الواقعة المذكورة في المحرر?...الخ التساؤلات ، وسوف نجيب على هذه التساؤلات في سياق تناولنا لهذا الوجه، وكما ياتي :
اولا : متى يكون الشخص الذي يقوم بالتعريف بالخط شاهدا:
يكون الشخص الذي يقوم بالتعريف بخط الكاتب في المحرر القديم يكون شاهدا اذا كان الخصم الذي تم الإحتجاج عليه بالمحرر قد انكر نسبة المحرر لكاتبه فقام الخصم الذي احتج بالمحرر بإثبات ذلك وإثبات عدالة الكاتب عن طريق الشهود ، وعندئذ تكون شهادة الشهود دليلا كاملا وكافيا لإثبات نسبة المحرر لكاتبه واثبات صحة المحرر وصحة الواقعة المذكورة في المحرر.
والواقعة التي يشهد عليها الشاهد في هذه الحالة هي نسبة الخط لكاتبه وليس الواقعة المذكورة في المحرر ك (هبة/وصية/بيع/نذر/وقف) ، لأن شاهد التعريف لايشهد على واقعة البيع أو الهبة المذكورة في المحرر القديم وكذا لايشهد على واقعة الكتابة لان الشاهد لم يشهد واقعة التصرف المذكورة في المحرر كما انه لم يشهد واقعة كتابة المحرر من قبل كتابه ، وانما يشهد الشاهد في هذه الحالة على ان الخط الذي شاهده في المحرر وقت ادائه للشهادة هو لكاتب المحرر.
ويجب ان بكون شهود التعريف بالمحرر القديم من اهل الخبرة والمعرفة بخطوط المحررات في المنطقة مثل الامناء الشرعيين والقضاة والفقهاء والمحامين ووكلاء الشريعة الذين عملوا في المنطقة التي يشتهر فيها كاتب المحرر العرفي القديم، لان هولاء هم المتعاملون والمطلعون على المحررات والخطوط في المنطقة.
ويكون نصاب الشهادة في هذه الحالة شاهدين عدلين ، فاذا توفرت الشروط المعتبرة في هذه الشهادة فانها تكون دليلا كاملا وكافيا بصحة نسبة المحرر الى كاتبه، وقد تكون هذه الشهادة دليلا كاملا على صحة التصرف الوارد في المحرر إذا كانت الشهادة قد شملت الشهادة بان الكاتب مشهور في المنطقة بالعدالة والامانة وعدم تزوير المحررات واصطناعها ، وعندئذ تكون هذه الشهادة دليلا لإثبات صحة المحرر وصحة التصرف المكتوب فيه، ومن ثم الحكم بصحة المحرر وصحة التصرف المذكور في المحرر.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني ، ا.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص296).
ثانيا: متى يكون الشخص الذي يقوم بالتعريف بالخط خبيرا:
إذا اختلف الخصوم امام المحكمة بشان نسبة الخط الوارد في المحرر الى كاتبه أو بشان التصرف المذكور في المحرر ولم يطلب الخصم الذي ابرز المحرر لم يطلب الاستشهاد بشهود لاثبات صحة ذلك المحرر، فعندئذ قد تقرر المحكمة تعيين خبير من العارفين في المنطقة بدراسة المحرر والتعريف بالخط كما قد تقرر المحكمة إحالة المحرر محل الخلاف الى المعمل الجنائي أو الإدارة العامة للأدلة الجنائية لدراسة وفحص المحرر محل الخلاف ومضاهاته بالمحررات الاخرى للكاتب نفسه وبيان ما اذا الخط المكتوب به المحرر هو للكاتب أو لا.
وفي هذه الحالة تكون حجية تقرير أو رأي الخبير أو جهة الخبرة هي حجية أعمال الخبرة ،فذلك يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة فلها ان تاخذ بما توصل اليه الخبير ولها ان لاتاخذ بتقرير الخبير، إضافة إلى ان عمل الخبير في هذه الحالة يقتصر على نسبة الخط لكاتبه فلامجال لاعمال الخبرة بشان مدى عدالة الكاتب.!!! ، ولذلك يتحسن بعض القضاة الشهادة على اعمال الخبرة في إثبات نسبة الخط واثبات عدالة الكاتب معا، لأن الغالب ان الشهادة بنسبة الخط الى الكاتب تتلازم مع الشهادة على شهرة عدالة الكاتب وامانته وعدم إتصافه بتزوير المحررات او إصطناعها. .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني ، أ. د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص141).
الوجه الثالث: المقصود بالتعريف بخط كاتب المحرر القديم:
من المعروف أنه لكل كاتب طريقته في كتابة الحروف والكلمات والتعابير ، إذ يستطيع غالبية الأشخاص في منطقة الكاتب القديم تمييز الخطوط ونسبتها إلى كاتبها بمجرد مطالعة المحرر ، لأن كاتب الخط في المنطقة يقوم بتحرير عدة محررات أو مكاتبات لأشخاص كثيرين في منطقة عمله أو إقامته ، فيسهل من خلال الإطلاع على المحرر العرفي القديم معرفة طريقة كتابة الخط ومن ثم معرفة كاتب المحرر .
بيد ان الأشخاص الذين يستطيعوا التعرف على خط كاتب المحرر القديم هم الاشخاص الذين سبق لهم الوقوف على محررات كثيرة بخط الكاتب المطلوب التعرف على خطه ، أي يجب ان يكون شاهد التعريف بالخط ممن قد وقف بالفعل على محررات كثيرة بخط كاتب المحرر حيث يكون خط الكاتب معروفاً لديهم.
وفي اليمن يستطيع الأشخاص التعرف بسهولة على خطوط كتبة المحررات القديمة ، لان الناس قد اعتادوا على الإحتفاظ بالمحررات القديمة مطلقا سواء اكانت متعلقة بالعقارات أم غيره فقد لاحظت ان كثير من الاشخاص يحتفظ بالرسائل العادية المتبادلة فيما بين اسلافه وغيرهم.
الوجه الرابع: إشكالية التعريف بالخطوط في المحررات القديمة:
المحررات القديمة هي: المحررات التي تثبت ملكية الأراضي كمحررات البيع والهبات والنذور والوصايا والأوقاف وغيرها، ولان هذه المحررات قديمة تم تحريرها في زمن قديم فقد مات كاتبها واطرافها وشهود تحريرها ،ولذلك يتعذر إثباتها عن طريق الاستماع إلى أقوال اطرافها أو شهودها أو كتبتها لانهم قد ماتوا منذ مدة سابقة على الاستدلال بتلك المحررات.
ولحداثة نظام التوثيق والسجل العقاري باليمن فان اغلب محررات الملكية عرفية لم يتم توثيقها او تسجيلها أو شهرها بالسجل العقاري، ولذلك فان الوسيلة المتبعة في التأكد من صحة تلك المحررات عند النزاع هو التعريف بخطوط كتبتها وعدالتهم أو الخبرة اذا كانت هناك محررات أخرى صحيحة النسبة للكاتب حيث تتم المضاهاة أو المقارنة فيما بينها.
الوجه الخامس: ماهية تعريف الشهود بالخط في المحرر:
تعريف الشهود بخط المحرر يعني حضور الشهود العارفين بالخط أمام المحكمة وحلفهم اليمين على قول الحق ومطالعتهم للمحررات محل الخلاف ثم شهادتهم بان تلك المحررات بخط الكاتب المنسوب له المحرر أو ليس الخط خطه ، فيشهد الشهود بانهم قد طالعوا محررات عدة للكاتب الذي حرر المحرر محل الخلاف وان ذلك الخط معروف لدى الشهود وان ذلك هو خطه أو ليس خطه.
لان لكل كاتب خطه المتميز عن غيره، سيما انه في القديم كان من يجيد القراءة والكتابة قلة قليلة من الناس ، وانه لم يكن هناك امناء متخصصون بتحرير المحررات ، وان الذين يجيدوا القراءة والكتابة ويقوموا بكتابة المحررات كانوا قلة قليلة في كل منطقة ،ولذلك فقد كانت خطوطهم معروفة ومشهورة ومتداولة والوثائق المكتوبة بخطوطهم محفوظة لدى غالبية أهل المنطقة، وقد كان من شأن اليمنيين في المناطق المختلفة الاحتفاظ بالوثائق والمستندات بصرف النظر عن قيمتها أو حجيتها الثبوتية وذلك للاستدلال بها عند التعريف بخطوط كتبتها، حيث يتم التعريف بالخط، لان لكل كاتب طريقة معينة في كتابة الحروف والنقاط على الحروف فضلاً عن تميز حركة الخط واستقامة الاسطر واختلافها فيما بين كاتب واخر...إلخ، ولذلك يسهل التعرف على الخط بواسطة العين المجردة التي تدرك نوع الخط ومسافاته وقياس الحروف – وبعض القضاة زيادة في الاحتياط يسألوا الشهود عن كيفية تعرف الشاهد على أن الخط في المحرر لشخص معين حيث يتم ابراز المحرر أمام الشهود المعرفين بالخط، وطريقة التعريف بالخط على هذا النحو شائعة في اليمن بكثرة حيث يتم اللجوء إليها اكثر من اللجوء الى المعمل الجنائي الذي يقتصر عمله على بيان الراي بشان كاتب الخط دون التقرير بعدالة الكاتب، فضلا عن أن حجية الشهادة أقوى من حجية تقرير المعمل الجنائي حسبما سبق بيانه..
الوجه السادس: التعرف على خط كاتب المحرر عن طريق المضاهاة بين الخطوط والمحررات:
من طرق التعرف على الخطوط في المحررات القديمة المضاهاة بين الخطوط في أكثر من محرر، والمضاهاة هي :عبارة عن مقارنة بالعين المجردة بين الخطوط في أكثر من محرر حيث يستطيع الشخص عن طريق المقارنة بين المحررات ان يتأكد مما إذا كان المحرر القديم بخط شخص معين، فهذه الطريقة من الطرق المتبعة للتعرف على الخط في المحررات القديمة ولا تقل دلالتها عن الطريقة السابقة.
الوجه السابع: الطريقة الفنية للتعرف على الخط في المحررات القديمة:
حيث يتم التعرف على الخط في هذه الحالة عن طريق استعمال أجهزة التكبير والقياس للحروف لدى المعمل الجنائي الذي يستعمل اجهزة لتكبير الخطوط ومقارنتها وقياس اطوال الحروف وحجم الخط بين أكثر من محرر منسوب للكاتب، ومن خلال ذلك يتم التعرف على كاتب الخط، وبواسطة هذه الطريقة الفنية يتم التعرف على عمر الخط، وهذه الطريقة قريبة من طريقة المضاهاة بالعين المجردة السابق ذكرها إلا أن المضاهاة بالطريقة الفنية تستعمل فيها الاجهزة الفنية.
الوجه الثامن: الشهادة على عدالة كاتب المحررات القديمة:
الأصل عدالة كاتب المحرر سواء القديم أم الحديث ، فالمسلمون عدول غير ان هناك كتبة في كل منطقة مشهورون بالتزوير قديما وحديثا ، والمقصود بعدالة كاتب المحرر القديم هو عدم إشتهاره في المنطقة بتزوير المحررات واصطناعها.
ومن الغريب ان الكتبة المشهورون بالتزوير تستفيض شهرتهم وتنتشر عن طريق المحررات التي كتبوها، فمثلما هناك كتبة مشهورون بالتزوير في العصر الحاضر فهناك كتبة مشهورون بالتزوير منذ أكثر من ثلاثمائة سنة.
ولذلك فقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى أن محكمة الموضوع قد تأكدت من عدالة كاتب المحرر عن طريق الشهود الذين شهدوا بخط الكاتب وعدالته وانهم لم يقفوا أو يسمعوا بانه قد قام بتزوير محررات.
الوجه التاسع: الاثار المترتبة على الحكم بصحة او بطلان المحرر يعني الحكم بصحة او بطلان التصرف المذكور في المحرر:
المحررات التي يتمسك بها الخصوم امام المحكمة هي عبارة عن وسيلة إثبات كتابية للتصرفات والعقود الواردة فيها.، فقد تتضمن هذه المحررات بيعاً او قسمة او نذر او إجارة او هبة او عمرى او رقبى، فالواقع أن هذه المحررات تثبت العقود والتصرفات الواردة فيها، ولذلك فأن حكم القاضي بصحتها او بطلانها يترتب عليه صحة أو بطلان التصرف المذكور في المحرر، بيد ان الحكم بصحة المحرر وصحة التصرف الوارد فيه يقتضي أن يكون هناك طلب من الخصم لذلك،.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني ، أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص141). والله اعلم.
