المساواة بين الورثة في الهبة
أ .د. عبد المومن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
هبة المورث لوارثه تكون صحيحة اذا كانت بمقابل قدمه الوارث لمورثه، ففي هذه الحالة لاتشترط مساواة المورث بين ورثته في الهبة ، أما اذا كانت الهبة تبرعية من غير مقابل قدمه الوارث لمورثه فيجب على المورث ان يساوي بين ورثته في الهبة وإلا كانت الهبة باطلة ، فقد نصت المادة (186) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على أن (الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكماً مع مراعاة أحكام المادة (183) )، في حين نصت المادة (183) على إنه (تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها بين الأولاد وبين الورثة بحسب الفريضة الشرعية) ، فيجب على المورث ان يساوي بين ورثته في الهبة التبرعية وإلا كانت الهبة باطلة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 6/1/2012م في الطعن رقم (43706)المسبوق بالحكم الابتدائي الذي قضى :( ببطلان التنازل الصادر من الوالد أثناء حياته لولده بالطابق العلوي من المنزل ،لان ذلك التنازل من قبيل الهبة وفقا للمادة (186)احوال شخصية، ) ،وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتاييد الحكم الابتدائي (لصحة الادلة التي استدل بها الحكم الابتدائي)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:(فقد تبين للدائرة ان الطعن غير مؤثر في الحكم الإستئنافي لخلو الطعن من الاسباب الواردة في المادة (292)مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: معنى التنازل:
التنازل مصطلح قانوني يعني تخلي الشخص الطوعي عن حق أو مصلحة أو مطالبة أو سلطة لشخص آخر سواء بمقابل أو بدون مقابل ، والتنازل تصرف قانوني ملزم إذا كان بمقابل.
وبحسب هذا المفهوم فان التنازل يرادف مصطلح الهبة في قانون الاحوال الشخصية اليمني ، لأن الهبة في هذا القانون قد تكون تبرعية اي من غير عوض كما قد تكون بمقابل.
ووفقا لهذا المفهوم فان تنازل المورث لاحد ورثته يكون حكمه حكم الهبة للوارث.
الوجه الثاني:معنى الهبة التبرعية في القانون اليمني:
عرفت الهبة المادة(168) من قانون الاحوال الشخصية اليمني التي نصت على أن (الهبة هي عقد تبرعي يملك به مال او تباح به منفعة حال الحياة).
والهبة في الفقه الاسلامي: عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعًا.
فالهبة: عقد بمقتضاه يملك شخص شخص آخر ملك دون عوض اي دون دفع مقابل العقار أو الشيء الموهوب.
والمال القابل لنقل ملكيته من شخص الى اخر يصح ان يكون محلا للهبة سواء أكان عقارا كطابق في البيت أو ارضية بناء أو أرض زراعية أو شقة أو فيلا أو كان منقولا كسيارة أو جنبية . أو نقود...الخ.
والهبة تصرف ممن يملك المال الموهوب حال حياته ، وهى كالعقد يشترط فيها الإيجاب والقبول ، ولها شروط معينة حتى تكون صحيحة منها ما يتصل بالواهب فلابد أن يكون عاقلا مميزا ، ومنها ما يتصل بالمال لموهوب مثل ان يكون مملوكا للواهب ، موجودا ، متقوما ، ليس مشاعا ، متميزا عن غيره ، وأن يقبضه الموهوب له.
الوجه الثالث: تنازل الوالد لولده عن طابق من طوابق المنزل من غير مقابل يعد هبة تبرعية من المورث لوارثه:
من المؤكد ان الولد سواء اكان ابنا أو ابنة من ورثة والده ، ومن المعلوم ان حكم الهبة للوارث كحكم الوصية للوارث، وفي هذا المعنى نصت المادة (186) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على أن (الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكماً مع مراعاة أحكام المادة (183) ، في حين نصت المادة (183) على إنه (تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها بين الأولاد وبين الورثة بحسب الفريضة الشرعية) .
ومن خلال استقراء النصين القانونيين السابقين نستنتج ما ياتي :
1- الهبة من الوالد لاولاده تصرف ناقل للملكية من الوالد لولده أثناء حياة الوالد ، ولذلك فان الهبة للولد وان كان حكمها كحكم الوصية للولد الا ان الهبة تختلف عن الوصية ، لأن الهبة تصرف أثناء حياة المورث والوصية تصرف لاينفذ الا بعد وفاة الوالد المورث.
2- هبة الوالد لاولاده جائزة شريطة المساواة بين الورثة بحسب الفريضة الشرعية أي بحسب قواعد الميراث المقررة في الشريعة الإسلامية ، ومعنى ذلك انه يجب على الوالد المساواة في الهبة بين ورثته جميعا على أساس للذكر مثل حظ الانثيين ، اما اذا افرد الوالد احد ورثته بهبة اثناء حياته دون بقية الورثة فانها تكون باطلة إلا اذا اجازها بقية الورثة بعد وفاة المورث.
ولما كان حكم هبة المورث لوارثه كحكم وصية المورث لوارثه لذلك فان بعض المورثين يستعملوا مصطلح التنازل أو مصطلح البيع الصوري لستر الهبة للوارث في حين ان حقيقة هذه التصرفات انها هبة تبرعية من المورث لوارثه، وفي أغلب الأحيان يكون الواهب أبا لإبنه، أو جدا لحفيده أو زوجا لزوجته أو العكس، ابن لأبيه أو حفيد لجده أو زوجة لزوجها.
ولان الهبة لوارث في غالب الاحيان تنطوي على حيلة على بقية الورثة لذلك فقد اشترطت قوانين بعض الدول العربية تسجيل عقد الهبة حتى تتم الرقابة على عقود الهبة في حين اشترطت قوانين دول أخرى لصحة الهبة ان يتم إبرام عقد الهبة بحضور مايسمى (عدول الإشهاد) دون غيرهم .
وصفوة القول : في هذا الوجه ان هبة الوالد لاولاده طابقا من طوابق البيت جائز في حالتين :الحالة الاولى: المساواة بين كافة الورثة بحسب قواعد الميراث، والحالة الثانية: إجازة الورثة للهبة الصادرة من مورثهم على أن تكون الاجازة بعد وفاة المورث الواهب.
الوجه الرابع: معنى أن الهبة لوارث تأخذ حكم الوصية للوارث حسبما ورد في المادة (186) أحوال شخصية:
ذكرنا فيما سبق ان تنازل الوالد لولده إذا كان من غير مقابل فانه يكون من قبيل الهبة التبرعية أي بدون أي مقابل تقاضاه المورث من وارثه أو وارث وارثه،، وانه تسري على هذا التنازل احكام الوصية لوارث وفقا للمادة (186) أحوال شخصية التي نصت على إن: (الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكماً مع مراعاة أحكام المادة (183)).
ويظهر من هذا النص أنه قد صرح بأن الهبة لوارث أو وارث الوارث تأخذ حكم الوصية، ومؤدى ذلك أن أحكام الوصية لوارث تسري على الهبة لوارث، ومن أهم هذه الاحكام أن الهبة لوارث أو وارث الوارث غير جائزة إلا بإجازة الورثة عملاً بالمادة (224) أحوال شخصية التي نصت على إنه (لا تصح الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة) ، وإجازة الورثة لا تكون إلا بعد وفاة المورث الموصي ، حسبما هو مقرر في المادة (227) أحوال شخصية التي نصت على إنه (لا تصح إجازة الوصية إلا من بالغ عاقل مختار بعد وفاة الموصي).(الوجيز في شرح أحكام الأسرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد 2022م.،132).
الوجه الخامس: وجوب المساواة بين الورثة في الهبة التبرعية:
تكون الهبة التبرعية جائزة من المورث لورثته إذا قام المورث بالمساواة بحسب الانصبة المقررة في الميراث على اساس للذكر مثل حظ الانثيين ، فالهبات التبرعية المتساوية التي يهبها المورث أثناء حياته لورثته جميعاً بحسب انصبتهم الشرعية لا تحتاج إلى إجازة عملاً بالمادة (183) أحوال شخصية التي نصت على إنه (تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها بين الأولاد وبين الورثة بحسب الفريضة الشرعية).
فإذا كانت الهبة الصادرة من المورث لوارثه تبرعية أي بدون مقابل فأنه يجب على المورث أن يساوي بين أولاده وورثته في هذه الحالة بحسب انصبة الورثة المقررة احكام الميراث في الشريعة الاسلامية.
فإذا وهب المورث أو أعطى أحد أولاده أو ورثته سيارة أو قطعة أرض أو محل تجاري أو نقود فأنه يجب على المورث في هذه الحالة أن يهب أو يعطي أولاده الآخرين وورثته الآخرين مالا مساويا لما سبق له ان اعطاه أو وهبه للسابقين من ورثته، على ان تتم المساواة بين الورثة جميعا بحسب الفريضة الشرعية لكل وارث من الورثة، ويسري حكم المساواة بين الورثة في الهبة على التصرفات المشابهة للهبة كالهدية والنذر والعمرى والرقبى ، وفي هذا المعنى نصت المادة (183) احوال شخصية على أنه (تجب المساواة في الهبة والمشتبهات بها بين الأولاد وبين الورثة بحسب الفريضة الشرعية).
وكذا تجب المساواة في الصدقة التي يقدمها المورث إلى ورثته إذا كانت ظروفهم متساوية من حيث الاحتياج للصدقة اما إذا تفاوت إحتياج الورثة للصدقة فلاتشترط المساواة بينهم بل تكون الصدقة بقدر إحتياج كل واحد منهم، واذا كان احد الورثة غير محتاج للصدقة فلاتعطى له .
الوجه السادس: معنى مساواة المورث بين ورثته في الهبة التبرعية:
اشترط القانون صراحة ان يساوي المورث بين ورثته في الهبة التبرعية – ومعنى المساواة ان تكون الهبات متماثلة في الجنس والنوع والصفة والثمن ، بيد انه يتعذر التماثل على هذا النحو في غالب الحالات ولذلك فان المعتمد في الفقه الاسلامي هو التماثل في الثمن إذا تعذر في غير ذلك ، ومؤدى ذلك ان تكون هبات المورث لورثته متساوية في اثمانها ولو اختلفت في انواعها واجناسها، لان الثمن هو المقياس الأهم للاموال في الفقه الاسلامي .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الاول، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2022م، ص318).
الوجه السابع: إستهلاك الوارث للهبة التبرعية أثناء حياة المورث:
نصت المادة (186) أحوال شخصية على إنه: (الهبة للوارث ووارثه في حياته تأخذ حكم الوصية إلا فيما استهلكه الموهوب له في حياة الواهب حقيقة أو حكماً مع مراعاة أحكام المادة (183)).
ومعنى ذلك انه إذا وهب المورث أثناء حياته احد ورثته هبة دون غيره من الورثة الاخرين (أي من غير مساواة) واثناء حياة المورث قام الوارث الموهوب له باستهلاك المال الموهوب حقيقة او حكما اثناء حياة المورث فتكون هذه الهبة صحيحة ، ولايلزم الموهوب له إعادتها ، ولايحق للورثة الاخرين المطالبة بمساواتهم بالموهوب له في تلك الهبة طالما ان الموهوب له قد استهلك الهبة حقيقة أو حكما اثناء حياة مورثه الواهب .
كما أنه لاتلزم إجازة الورثة للهبة الصادرة من المورث أثناء حياته لأحد الورثة من غير مساواة بغيره إذا كان الوارث الموهوب له قد استهلك الهبةحقيقة أو حكما اثناء حياة المورث الواهب ، فالإجازة لا تشترط في هذه الحالة إلا إذا كانت الهبة لازالت موجودة بعينها بعد وفاة الواهب، أما إذا استهلكها الموهوب له أثناء حياة الواهب فان النص القانوني السابق قد صرح بأن الوارث الموهوب له إذا قبض هبة المورث له واستهلكها حقيقة أو حكماً أثناء حياة المورث الواهب فلا تشترط المساواة بين الورثة في هذه الحالة ولاتشترط الإجازة.
كما لو أعطى المورث وارثه أثناء حياة المورث أعطاه سيارة فأستعملها حتى عطلت أو أعطاه جنبية فضاعت، ففي هذه الاحوال لاتشترط المساواة أو الاجازة، لأن المال الموهوب لم يعد موجودا ، فلايجوز لبقية الورثة أن يطالبوا بالمساواة.
وهناك فريق من الفقه الإسلامي يتوسع في مفهوم استهلاك الوارث للهبة أثناء حياة المورث، فيذهب هذا الفريق إلى القول بأن: الإستهلاك الحقيقي للهبة: هو ذهاب أصلها كإستهلاك الوارث للنقود بأن أنفقها، والإستهلاك الحكمي: أن يتعلق بالمال الموهوب حق للغير كأن يهب الوالد لولده قطعة أرض فيجعلها الولد مهراً لزوجته فقد تعلق بالهبة حق للغير، أو يهب المورث لوارثه قطعة أرض فيبيعها إلى الغير فقد تعلق بها حق المشتري. .(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الاحوال الشخصية الجزء الثالث، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص129).
الوجه الثامن: الهبة بمقابل(غير التبرعية) من المورث لوارثه التي لاتشترط فيها المساواة بين الورثة:
عرّف قانون الأحوال الشخصية الهبة في المادة (168) التي نصت على أن (الهبة هي عقد تبرعي يملك به مال أو تباح به منفعة حال الحياة).
ومن خلال مطالعة هذا النص يظهر أن الأصل في الهبة انها تكون من قبيل التبرعات أي من غير عوض أو من غير مقابل، إلا أن قانون الأحوال الشخصية قد اجاز أن يكون للهبة مقابل، إذ نصت المادة (181) على أنه (تصح الهبة بعوض ولو من غير الموهوب له مالاً أو منفعة أو غرضاً (مصلحة) ظاهراً أو من تدل عليه قرائن الحال للواهب أو لغيره).
ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر أنه قد اجاز الهبة بمقابل، واجاز أن يكون المقابل للهبة منفعة أو خدمة يقدمها الموهوب له للواهب، واجاز النص السابق أن يكون المقابل للهبة نفقة يقدمها الموهوب له للواهب، لأن النفقة مال كالغذاء والسكن والدواء.
فالمقابل قد يكون مالاً أم منفعة قام بها الوارث لحساب المورث مثل : الخدمة غير العادية للمورث قبل موته كأن يكون المورث عاجزاً عن الحركة طريح الفراش لمدة طويلة فتلازمه زوجته أو إحدى بناته أو زوجه إبنه...إلخ للقيام بامره والعناية به، فتكون الهبة في هذه الحالة كاجرة لمن قام بالخدمة ، اما إذا كانت الخدمة التي قام بها الوارث لحساب مورثه عادية أو معتادة كصنع الطعام وتنظيف الملابس والفراش والقيام بالاعمال المنزلية المعتادة فلا تصلح هذه الخدمة مقابلا للهبة من الوارث.
كما قد يكون مقابل الهبة قيام أحد الورثة بالإنفاق على مورثه أو علاجه ، فيقوم المورث بهبة الوارث مالا نظير المبالغ التي دفعها الوارث في سبيل الإنفاق على المورث أو علاجه ، فتكون هبة المورث لوارثه في هذه الحالة عبارة عن قيام المورث بقضاء الدين الذي بذمته للوارث.
مع التاكيد على أن الخدمة العادية التي تقوم بها الزوجه لزوجها أو غيرها كصنع طعام أو تنظيف الدار أو فراشه لاتصلح مقابلا للهبة، لكن إذا كانت هذه الخدمة خاصة كان يكون الزوج طريح الفراش عاجزا عن القيام وطالت مدة عجزه، ففي هذه الحالة تستحق الزوجة أو من يقوم بهذه الخدمة يستحق اجرا أو هبة مقابل تلك الخدمة، ولذلك فقد أدخل الفقهاء والقانون العاجز ضمن أحكام الحضانة، لان العاجز يحتاج إلى من يلازمه بصفة مستمرة ويقوم بامره ويحافظ عليه.
فخدمة المورث تعني القيام بأمر المورث العاجز من طعام وتنظيف ومساعدته اثناء انتقاله داخل المنزل للطعام اوقضاء الحاجة بالاضافة الى غسل ملابسه وتقديم الطعام وربما اطعام المورث بوضع الطعام في فمه ان كان عاجزا على القيام بذلك بنفسه, والقيام بخدمة المورث العاجز او الوالد العاجز اشق واصعب من القيام بأمر الصغير الذي يحتاج الى حضانة؛ ولذلك امر الله سبحانه وتعالى بعدم التبرم من خدمة الوالدين الكبيرين العاجزين فقال (اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما)، وتشمل الخدمة ملازمة المورث في المنزل او في المستشفى عند تلقيه العلاج أو المعاينة.
وفي هذا الشأن نصت المادة (181) أحوال شخصية على أنه (تصح الهبة بعوض ولو من غير الموهوب له مالاً أو منفعة أو غرضاً (مصلحة).
ومن خلال استقراء هذا النص يظهر أنه قد اجاز الهبة بمقابل ،واجاز أيضا أن يكون المقابل منفعة أو خدمة يقدمها الوارث لمؤرثه، وبناء على ذلك تجوز الهبة للوارث مقابل الخدمة التي يقدمها الوارث لمورثه، كما ان هذا النص قد اجاز ان يكون مقابل الهبة نفقة يقدمها الوارث لمورثه كقيام المورث بشراء الطعام اوالكسوة اوالفراش او الدواء اودفع إيجار سكن مورثه .
ومثلما تجوز الهبة للوارث اذا قام بخدمة مورثه فإنها جائزة ايضا لمن يقوم من الورثة بأمر العاجز او المحتاج ممن يجب على المورث الانفاق عليه او القيام بأمره مثل ان يهب الاب لاحد ابنائه او بناته مقابل خدمتها لأبيه أي جدها او يهب الاب هبة مقابل قيام احدى بناته بحضانة ورعاية اخيها الصغير الذي ماتت عنه امه وهكذا .
الوجه التاسع : الحكمة من جواز الهبة لوارث مقابل الخدمة وعدم إشتراط المساواة فيها:
ذكرنا فيما سبق ان الهبة لوارث مقابل الخدمة جائزة على سبيل الاستثناء من قاعدة (لا وصية لوارث)، لان القانون صرح بأن الهبة يكون حكمها حكم الوصية حسبما سبق بيانه، ولا شك ان هناك مبررات شرعية وقانونية لهذا الاستثناء اهمها ما يأتي :
1-القيام بخدمة المورث العاجز او المحتاج للخدمة تستدعي ممن يقوم بالخدمة وقتا وجهدا ومشقة وعنتا وصبرا, ولذلك فهو يستحق اجرا نظير ذلك، لان الاب او الجد له مال مازال في ملكه وتحت تصرفه ، والمورث في هذه الحالة اولى بالتصرف بماله لمن يقوم بخدمته, والوارث الذي يخدم مورثه احق بتقاضي اجرته عن الخدمة التي قام بها .
2-القيام بخدمة المورث واجب على جميع ورثته, فاذا تفرغ لها او قام بها احد الورثة فانه يستحق اجرا نظير ذلك, لان الورثة الاخرين يقومون بأعمالهم المعتادة التي تدر عليهم عائدا نظير الاعمال التي يقومون بها لحساب الغير, فلذلك فان من يقوم بخدمة مورثه احق بتقاضي اجرا نظير خدمته .
3-جواز الهبة للوارث الذي يقوم بخدمة مورثه يشجع الورثة على خدمة مورثيهم العاجزين والمحتاجين للخدمة سيما أن الواقع يشهد بان غالبية الورثة ينفرون من خدمة ورعاية مورثيهم العاجزين لمشقة ذلك على النحو السابق بيانه .
4-خدمة المورث العاجز او المحتاج واجبة شرعا وقانونا على جميع ورثته , لان عدم القيام بها سيؤدي حتما الى هلاك المورث العاجز او تلف اعضائه, وحفظ النفس في الشريعة مقدم على حفظ المال وهو التركة ؛ولذلك يجوز التضحية ببعض مال التركة حفظا لنفس المورث .
الوجه العاشر : مدى جواز تقاضي مقابل الخدمة من المورث طالما ان الخدمة واجبة على الوارث :
من المقرر شرعا وقانونا انه يجب على الورثة جميعا خدمة مورثهم العاجز، لأنه يترتب على عدم القيام بهذا الواجب هلاك المورث او تلف اعضائه, فحفظ النفس في الشريعة واجب وما يؤدي الى الواجب فهو واجب؛ وهذا الوجوب يقع على عاتق جميع الورثة، فان لم يقوموا به جميعا فانهم آثمون, ولكن اذا قام به احدهم فقط سقط التكليف عن البقية وتحقق المقصود بقيام احدهم بهذا الواجب, وهذه المسألة تثير مسألة اخرى وهي مدى جواز تقاضي من يقوم بواجب الخدمة والرعاية والمحافظة على مورثه تقاضيه مقابل تلك الخدمة , وبمعنى اخر هل يجوز لمن يفعل الواجب ان يتقاضى اجرا في الحياة الدنيا؟ لا ريب ان الاجابة الشرعية على هذا التساؤل تختلف باختلاف حالتين هما:
الحالة الاولى : قيام الورثة بالتناوب في القيام بخدمة المورث حيث يقوم الورثة بذلك جميعا، وهذا يحدث في اليمن كثيرا, ففي هذه الحالة لا يجوز لأي من الورثة تقاضي اجرا مقابل قيامه بواجب خدمة مورثه او المطالبة باجر ذلك، لان ما قام به هو واجب شرعي.
الحالة الثانية : اذا انفرد احد الورثة او بعضهم للقيام بهذا الواجب اصالة عن نفسه ونيابة عن بقية الورثة فانه لا يستحق اجرا عن الواجب الاصلي المناط به هو نفسه, ولكنه يستحق اجرا يخصم عن نيابته للورثة الباقين، فهو قد قام بالواجب المترتب عليهم ، ولذلك فهو يستحق اجرا يخصم من حقهم في الميراث عن طريق الهبة لوارث مقابل الخدمة, وهذا هو التأصيل الشرعي الصحيح للهبة لوارث مقابل خدمة المورث .
وكذلك الحال بالنسبة للنفقة التي يقدمها الوارث إلى مورثه فإنها تكون في حكم الدين على التركة اذا قام احد الورثة بتقديمها إلى مورثه نيابة عن بقية الورثة القادرين على الإنفاق، لأن الوارث لايلزم بالانفاق من ماله على مورثه الا اذا لم يكن هناك مال للمورث، اما إذا كان للمورث مال فإن الوارث يستحق مقابل الإنفاق، ويتم تقدير ما انفقه الوارث عن طريق الخبراء العدول، ويشترط ان تكون الهبة المقدمة من المورث مساوية لمقدار النفقة التي قدمها الوارث لمورثه .
الوجه الحادي عشر: التناسب بين خدمة المورث ومقابل الخدمة :
يجب أن يكون هناك تناسب فيما بين أجرة الخدمة ومقدار الهبة المقابلة لها، حتى لا تكون الهبة لوارث مقابل الخدمة وليجة للحيلة على بقية الورثة، لذلك ينبغي المقابلة بين النفقة والخدمة التي قام بها الوارث وبين قيمة او قدر المال الموهوب للوارث مقابل النفقة أو الخدمة، فاذا كان هناك تناسب تقريبي بينهما فالهبة في هذه الحالة جائزة، اما اذا لم يكن هناك تناسب بين الخدمة وقيمة المال الموهوب فان الهبة في هذه الحالة تكون حيلة على الورثة فيحق للورثة الاخرين المطالبة بإبطالها، وبموجب ذلك يحق للقاضي ان يحكم بإبطال الهبة في هذه الحالة , وهناك معايير ومقاييس يتم استعمالها لمعرفة التناسب بين الخدمة ومقابلها, ومن ذلك وقت الخدمة أي المدة التي امضاها الوارث في خدمة مورثه أو الإنفاق عليه وكذا نوع الخدمة مثل الاطعام والملازمة الدائمة للعاجز ونوع العجز الذي كان يعانيه المورث المخدوم ونوع المرض الذي كان يعاني منه المورث وقيمة العلاج ومدة إستعماله للعلاج ومدة الإنفاق وأنواع النفقات التي كان الوارث يقدمها لمورثه ....وغير ذلك .
الوجه الثاني عشر: موقف القانون اليمني من الهبة لوارث مقابل الخدمة وتوصيتنا للمقنن اليمني :
من خلال عرض النصوص القانونية السابقة نجد أن قانون الاحوال الشخصية اليمني اشار إلى هذه المسألة المهمة مجرد إشارة في المادة (181) التي نصت على أنه (تصح الهبة بعوض ولو من غير الموهوب له مالاً أو منفعة أو غرضاً (مصلحة) ).
فهذا النص عام في الهبة مطلقا سواء أكانت لوارث أو غيره، ولذلك فإن هذا النص لايحقق المقصود، سيما ان هذه المسألة لها اهميتها وكثرة الاحتياج لها في التطبيق العملي , ولذلك فإننا نوصي المقنن اليمني بتنظيم هذه المسألة في قانون الاحوال الشخصية بنص قانوني يبين ماهية الخدمة والنفقة الضرورية للمورث واحوال استحقاق الوارث لمقابلها , وان يسترشد المقنن اليمني بالاحكام المشار اليها في هذا التعليق عند تنظيمه لهذه المسألة.
الوجه الثالث عشر : لاتلزم إجازة الورثة للهبة لوارث اذا كانت بمقابل ولاتشترط المساواة بين الورثة:
لان الهبة مقابل الخدمة تكون بمثابة أجرة يقدمها المورث لمن خدمه، أو تكون بمثابة قضاء دين من المورث لمن أنفق عليه ، ولذلك لاتشترط المساواة بين الورثة في هذه الهبة.
الوجه الرابع عشر: توثيق التنازل وتسجيله وأثر ذلك على التصرف:
التوثيق والتسجيل للتنازل إجراءات لاحقة للتصرف تهدف أساساً للتعرف على رضا المتنازل واختياره والتأكد من شخصيته وهويته، فإجراءات التسجيل ليست ركناً أو شرطاً في التصرف، والدليل على ذلك أن كل تصرف يكون صحيحاً قبل توثيقه أو تسجيله، ولذلك قضى الحكم الابتدائي ببطلان التنازل مع أنه كان موثقاً ومسجلاً بالسجل العقاري لأن التنازل باطل في أصله حيث أنه يتضمن الهبة للوارث من غير مقابل وأنه قد أفرد الزوجة وحدها بهبة دون بقية الورثة وذلك مخالف لمقتضى المادتين (183 و186) أحوال شخصية التي سبقت الإشارة إليهما، ولكن من الملاحظ أن الحكم الاستئنافي قد اهتم اهتماماً بالغاً بتسجيل التنازل واستند إلى التسجيل في الحكم بصحة التنازل لأن التسجيل دليل على عدم صورية التنازل إضافة إلى أن التسجيل يكون بمثابة قبض الهبة عند من يشترط صحة الهبة بالقبض مع عدم اعتراض الورثة الأخرين على ذلك، ولكن التسجيل للتنازل لا يكون استهلاكاً للهبة في أثناء حياة الواهب إلا إذا لحق بالتسجيل تصرف أخر من الموهوب له يخرج المال الموهوب من ملكية وحوزة الموهوب له الى الغير، لأن العقار المسجل الموهوب من غير أن يلحقه تصرف ناقل للملكية يظل في ملكية وحيازة الموهوب له، ولذلك وجدنا أن حكم المحكمة العليا قد قضى بنقض الحكم الإستئنافي.
الوجه الخامس عشر : الفروق بين هبة المورث لوارثه وغيرها :.
هناك تصرفات كثيرة مشابهة للهبة للوارث كالوصية للوارث والعطية للوارث والهدية للوارث ونفقة المورث على وارثه والصدقة على الوارث والوقف على الوارث وغيرها من التصرفات المشابهة للهبة للوارث ، ولذلك فقد نص قانون الأحوال الشخصية اليمني على أنه يجب على الوارث ان يساوي بين أولاده في الهبة ومشتبهاتها، فالجامع المشترك بين هذه التصرفات المشابهة للهبة انها جميعها من التبرعات، ومعناها دفع الشخص ماله للغير من غيرمقابل أو عوض، فهذه التصرفات جميعها عبارة عن بذل مالٍ بغير عوضٍ، ولذلك تنبغي التفرقة بين هذه التصرفات وبين الهبة للوارث، ونلخص هذه الفروق كما يأتي :
اولا : الفرق بين الهبة للوارث والصدقة على الوارث :
الهبة: تمليك مال بلا عوض في حال حياة المالك، وإذا شُرط في الهبة عوض معلوم صارت بيعاً تسري عليها أحكامه ، وقد سبق القول بأن قانون الأحوال الشخصية اليمني صرح بأن الهبة للوارث حكمها حكم الوصية للوارث، فلا تجوز الهبة للوارث الا اذا اجازها بقية الورثة بعد وفاة مورثهم، أو اذا لم يقبض الوارث المال الموهوب ولم يستهلكه حقيقة أو حكما اثناء حياة المورث الواهب .
اما الصدقة فهي : بذل المال للغير بغير عوض ابتغاء وجه الله تعالى، وقد نصت المادة(206 ) أحوال شخصية على أن( الصدقة كالهبة إلا أنها لاتقتضي العوض ويقوم فيها القبض مقام القبول ويمتنع فيها الرجوع بعد القبول أو القبض )، فالصدقة مندوبة حثت عليها الشريعة الإسلامية في نصوص عدة وهي قربة لله تعالى، وعند جمهور الفقهاء تجوز الصدقة على الوارث الفقير الثابت فقره، اذا كان الوارث قد انفرد بفقره دون بقية الورثة الاغنياء، اما إذا كان جميع الورثة فقراء، فيجب على الوارث ان يتصدق على ورثته بقدر فقر كل واحد منهم، كما يجب أن لايزيد مقدار الصدقة عن قدر الضروريات والحاجيات التي يحتاجها الوارث القريب الذي تدفع اليه الصدقة ، ويذهب جمهور الفقهاءإلى ان الصدقة على القريب ومن ضمنهم القريب الوارث أولى وأفضل من الصدقة على البعيد عملا بقاعدة (الأقربون أولى بالمعروف ).
ثانيا :الفرق بين الهبة للوارث وبين الوقف على الوارث :
سبق تعريف الهبة بأنها: تمليك مال بلا عوض في حال حياة المالك، وكذا سبق القول بأن الهبة لاتصح للوارث مثلها في ذلك مثل الوصية الا إذا اجازها الورثة أو استهلكها الوارث اثناء حياة المورث .
اما بالنسبة للوقف فقد عرف الوقف قانون الوقف اليمني في المادة(3 ) التي نصت على أن(الوقف هو حبس مال والتصدق بمنفعته أو ثمرته على سبيل القربة تابيدا، وهو نوعان وقف اهلي ووقف خيري )، فالوقف : بذل المال للغير بغير عوض، ابتغاء وجه الله تعالى بصورة مخصوصة، وهو حبس المال عن التصرفات الناقلة لملكيته، على ان تنفق ثماره أو عائدات المال الموقوف مسبلة على الجهة الموقوف عليها التي يعينها الواقف ، وتكون ملكية رقبة المال الموقوف لله سبحانه وتعالى ، ويثبت الوقف في الحال، والوقف على الذرية أو الورثة محل خلاف بين الفقهاء، حيث يذهب جمهور الفقهاء إلى جواز ذلك، لان أصل مال الوقف أو رقبته تكون لله تعالى في حين يقتصر حق الورثة على غلة الوقف أو منفعتها ،لان ذرية الواقف أولى من غيرهم بالإحسان إليهم والإنتفاع بمال مورثهم الواقف ، بيد أن قانون الوقف اليمني النافذ قد منع الوقف على الذرية أو الورثة منذ صدوره في مارس 1992م حسبما هو منصوص عليه في المادة(33 ) من قانون الوقف التي صرحت بمنع الوقف على النفس أو الوقف على وارث أو الورثة.
وتختلف الهبة للوارث في القانون اليمني تختلف عن الوقف على الوارث، فالهبة للوارث بمقابل جائزة مطلقا لاتحتاج إلى إجازة الورثة واذا كانت الهبة للوارث من غير مقابل ولم يستهلكها الموهوب له الوارث اثناء حياة مورثه فلاتكون جائزة الا اذا اجارها بقية الورثة بعد وفاة المورث حسبما سبق بيانه، اما الوقف على الوارث فلايجوز وفقا للقانون اليمني حتى لو اجاز الورثة ذلك، كما ان رقبة المال الموقوف تبقى حبيسة لله سبحانه وتعالى، في حين أن ملكية رقبة المال الموهوب تكون للموهوب له اذا استهلكها الوارث الموهوب له حقيقة أو حكما اثناء حياة المورث اما إذا لم يستهلكها فلاتكون صحيحة الا اذا أجازها بقية الورثة بعد وفاة مورثهم، إضافة إلى المال الموهوب للوارث يكون مملوكاً للوارث اذا اجازها الورثة .
ثالثا : الفرق بين الهبة للوارث والوصية للوارث :
سبق تعريف الهبة بأنها: تمليك مال بلا عوض في حال حياة المورث ، وكذا سبق القول بأنها لاثصح للوارث مثلها في ذلك مثل الوصية.
اما الوصية فقد عرفها قانون الأحوال الشخصية في المادة( 227) أحوال شخصية بأنها(الوصية تصرف مضاف إلى مابعد الموت )، فالوصية : بذل المال للغير بغير عوض؛ ابتغاء وجه الله تعالى، لكن لا تنفذ إلا بموت المُوصِي، ويحصل بها انتقال الملك في المُوصَى به للمُوصَى له، ويجوز الرجوع فيها من المُوصِي، لأن نفؤذها مؤخرٌ لما بعد موته، فإن رجع فيها في حياته صح، وفي القانون اليمني لاتجوز الوصية لوارث الا اذا اجاز بقية الورثة ذلك بعد وفاة المورث على النحو السابق بيانه، وعلى هذا الأساس فإن الهبة لوارث اكثر شبها بالوصية إلا أن الهبة تصرف اثناء الوارث وتكون صحيحة اذا استهلكها الموهوب له حقيقة أو حكما اثناء حياة المورث فإذا لم يستهلكها فلاتصح إلا إذا أجازها بقية الورثة بعد وفاة مورثهم ، في حين أن الوصية تصرف مضاف إلى مابعد موت المورث، فلا تثبت الا بعد الموت فإذا كانت الوصية لوارث فلاتصح الا اذا أجازها بقية الورثة بعد وفاة المورث.
اما بالنسبة لوارث الوارث فقد تقدم القول بأن قانون الأحوال الشخصية اجاز الوصية لوارث الوارث اذا كان فقيرا عاجزا عن الكسب لمرض أو عاهة دائمة ، وتأخذ الهبة لوارث الوارث حكم الوصية لوارث الوارث ، لان القانون اليمني الحق الهبة للوارث ووارث الوارث بالوصية لوارث من حيث حكمها حسبما سبق بيانه.
ومن المفيد عرض اقوال الفقهاء بشأن الوصية للوارث لان حكمها واحد مع حكم الوصية ، وفي هذا الشأن فقد اختلف الفقهاء بشأن هذه المسألة، حيث ذهب الشافعية والزيدية والأحناف والحنابلة إلى أن الوصية للوارث تكون موقوفة على إجازة بقية الورثة ؛ فالوصية صحيحة لكنها موقوفة على إجازة باقي الورثة بعد الموت، فإن أجازوا فلا رجوع لهم ولو قبل القبض ولا عبرة بإجازتهم قبل الموت إذ لا استحقاق لهم قبل موته، وهو القول الذي اخذ به القانون اليمني.
في حين ذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز الوصية لوارث مطلقا، واستدلوا بالحديث الذي أخرجه الترمذي عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب على ناقته، فسمعته يقول : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث ."، ومعنى الحديث كما جاء في شرح عون المعبود وغيره أن الله تعالى بين نصيب كل ذي حق في آية المواريث، وكانت الوصية واجبة للأقربين، بقوله تعالى: ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ) . وقال هولاء الفقهاء بأن أية الوصية للوارث قد نسختها أية المواريث، وهي قوله تعالى( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيبن.. )، وتبطل الوصية للوارث من أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت، كما إذا أجازوا الزيادة في الوصية على الثلث للأجنبي جاز.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الوصية للوارث لا تجوز وإن أجازها سائر الورثة لأن المنع إنما هو لحق الشرع،والمختار ما ذهب إليه الجمهور من أن الوصية لا تجوز للوارث، ولا في ما زاد على الثلث إلا إذا أجاز ذلك الورثة فتكون جائزة بشرط أن يكون الورثة المجيزون لها بالغين عقلاء، قال المرداوي في الإنصاف : ولا يجوز لمن له وارث الوصية بزيادة على الثلث لأجنبي، ولا لوارثه بشيء إلا بإجازة الورثة .
ويجوز عند الفقهاء للوالد تخصيص بعض أبنائه بالهبة دون الآخرين إذا وجد السبب الشرعي لذلك، ولم يقصد به حرمان باقي الأبناء من الميراث، ومن الأسباب الشرعية حاجة الابن الموهوب له وفقره دون إخوانه، أو ضعفه وعدم اعتماده على نفسه، أو اشتغاله بطلب العلم ونحو ذلك، فالمكروه هو منح أحد الأبناء دون الآخرين لغير حاجة ولا سبب ظاهر.
يقول الخطيب الشربيني رحمه الله: "محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلا فلا كراهة، وعلى ذلك يُحمل تفضيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم لبعض أولادهم -فالصديق رضي الله تعالى عنه فضَّل عائشة رضي الله عنها على غيرها من أولاده، وفضل عمر رضي الله تعالى عنه ابنه عاصمًا بشيء، وفضَّل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بعض ولده على بعض- ويُستثنى العاق والفاسق إذا عُلم أنه يصرفه في المعاصي، فلا يكره حرمانه" انتهى من [مغني المحتاج 3/ 567].
رابعا : الفرق بين الهبة لوارث والهدية لوارث :
سبق تعريف الهبة بأنها: تمليك مال بلا عوض في حال حياة المالك، وكذا سبق القول بأنها لاثصح للوارث مثلها في ذلك مثل الوصية الا اذا استهلكها الوارث اثناء حياة المورث، اما اذا لم يستهلكها فلاتصح الا اذا اجازها بقية الورثة بعد وفاة مورثهم .
اما الهدية فهي : بذل المال للغير بغير عوض، للتودد والتقرب، وتكون من الأعلى للأدنى والعكس، وقد نصت المادة( 202) من قانون الأحوال الشخصية على أن(الهدية هبة فيما ينقل، تتم بالقبض، ويكفي ان يحملها إلى المهدي اليه مميز )، وبما أن الهدية بمنقول هبة حسبما ورد في النص السابق فيكون حكمها حكم الهبة للوارث ولوارثه السابق بيانه.
فالهبة كالهدية تماما، لكن تفترق عنها في أن الهبة تكون غالبا من الأعلى للأدنى، لا العكس، وفرَّق بعضهم بينهما بالنقل، فالهدية فيها حمل ونقل من موضع لآخر وتكلف، والهبة لايوجد فيها ذلك المعنى .
خامسا :الفرق بين الهبة لوارث والعطية للوارث :
سبق تعريف الهبة بأنها: تمليك مال بلا عوض في حال حياة المالك، وكذا سبق القول بأنها لاثصح للوارث مثلها في ذلك مثل الوصية إلا إذا استهلكها اثناء الحياة أو أجازها الورثة بعد الوفاة .
اما العطية: فتطلق على ما يعطيه الوالد أو الأم اثناء حياتهما لاولادهما خاصة، ويطلق عليها بعض الفقهاء( النحلة)، ويجب على الوالد أو الوالدة المساواة في العطية بين اولادهما ذكورا وإناثا، وهو قول جمهور الفقهاء عملا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم( اتقوا الله وساووا بين أولادكم في العطية )، ولم يستعمل قانون الأحوال الشخصية اليمني مصطلح العطية وإنما استعمل عوضا عنه مصطلح الهبة ، وتختلف العطية عن الهبة عند الفقهاء في أن العطية أو النحلة تكون للأولاد خاصة، في حين أن الهبة تكون لغير الاولاد، وبناءً على ذلك فإن العطية جائزة للأولاد اثناء حياة الوالد شريطة المساواة بينهم في العطية، في حين أن الهبة أيضا جائزة من المورث مطلقا شريطة المساواة بين الورثة في الهبة، وقد نص القانون اليمني على ذلك صراحة حسبما تقدم بيانه.
سادساً : الفرق بين الهبة لوارث والشقية أو السعاية :
الشقية أو السعاية هي أجور أو اتعاب الابن أو الأخ أو الاب الذي يعمل مع غيره من غير أن يتقاضى اجرا ثابتا راتبا منتظا، وتقدر الشقية أو السعاية على قدر تأثير السعي في نماء المال، عملا بقوله تعالى(وان ليس للإنسان الا ماسعى وان سعيه سوف يرى )، والشقية واجبة لأنها نظير جهد مثمر في نماء مال التركة أو الشراكة، فهي بمثابة أجرة الساعي بخلاف الهبة للوارث التي تكون من غير مقابل، ولذلك لاتجوز الهبة لوارث الا اذا كانت مقابل الخدمة أو الإنفاق أو استهلكها الموهوب له اثناء حياة الواهب، واذا لم يستهلكها فلاتكون صحيحة الا اذا اجازها الورثة الآخرون بعد وفاة مورثهم .(تفسير آيات وأحاديث الأحكام، ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص318).
سابعا: الفرق بين الهبة لوارث والنفقة على الوارث :
الهبة لوارث سبق تعريفها مرارا اما النفقة على الوارث فهي قيام المورث اثناء حياته بتوفير الغذاء والمسكن والكسوة العلاج والتعليم لمن تلزمه النفقة عليهم، والفرق الجوهري بين النفقة على الوارث والهبة للوارث ان النفقة واجبة على الوارث المحتاج أو غير القادر ، في حين ان الاصل في الهبة على الوارث انها ممنوعة إلا في الاحوال السابق ذكرها.
وهناك نقاش بين المعاصرين من فقهاء اليمن بشان كماليات كسوة الورثة سيما حلي البنات وجنابي الاولاد واسلحتهم الشخصية، حيث يتساهل الورثة في عدم احتسابها ضمن تركة المورث، بيد ان نصاب حلي البنات قرطان وعقد واسوارتان وحزام وخاتمان وخلخالان ، لأن الله سبحانه وتعالى قد ذكر ان المرأة قد جبلت على حب الحلي، وذلك في قوله تعالى: (او من ينشا في الحلي وهو في الخصام غير مبين )
ثامنا: الفرق بين الهبة لوارث وقيام الوارث بدفع ديات اروش جنايات الوارث على غيره:
سبق تعريف الهبة وسبق بيان حكمها ، اما ديات واروش جنايات الوارث وتعويض االمجني عليه فانها تكون واجبة على المورث إذا كان مسئولا عن حفظ الوارث القاصر، اما اذا لم يكن الوارث كذلك فان مايدفعه المورث يكون في حكم الهبة لوارث وتسري على ذلك احكام الهبة لوارث السابق بيانها.
تاسعا: الفرق بين الهبة لوارث والجعالة لوارث(الجائزة):
الجعالة هي الوعد بجائزة فاذا جعل جائزة لمن يحفظ القران من ورثته أو يحصل على الدكتوراه أو يكون من اوائل الجمهورية أو الجامعة فلاتكون هذه الجعالة أو الجائزة من قبيل الهبة، ولاتسري عليها أحكام الهبة، وانما تسري عليها احكام الجعالة المقررة في الفقه الاسلامي سيما لزوم الجعالة اذا قام الوارث بالعمل الذي جعلت له الجائزة.(فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ،مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، ص319)، والله اعلم.
