نطاق الشركة العرفية بالنسبة للشركاء فيها

نطاق الشركة العرفية بالنسبة للشركاء فيها

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء

نطاق الشركة العرفية بالنسبة للشركاء فيها

الشركة العرفية هي: شراكة لا تتخذ الشكل القانوني للشركات النظامية المقررة في قانون الشركات اليمني وليس لها شخصية اعتبارية أو ذمة مالية مستقلة عن الشركاء فيه.

وتنشا الشركة العرفية بين شخصين أو أكثر، وتهدف إلى تحقيق الربح من عمل تجاري معين، وتعتمد على إتفاق مكتوب أو غير مكتوب بين الشركاء، ولكن لا يتم تسجيلها كشركة نظامية لدى الجهة المختصة.

مع مراعاة أن الشركة الفعلية أو شركة الواقع تنشاء من غير اتفاق محتمل أو غير مكتوب وانما تنشاء بحكم الواقع أو الفعل كالتركة الشائعة أو للمؤسسة الفردية التي تنتقل الى الورثة بعد وفاة مالكها.

 وقد عرّف القانون المدني اليمني الشركة العرفية (شركة الواقع) في المادة (661) بأنها: (الشركة العرفية هي الخلطة في الأموال والتكافؤ في الأعمال على أن يعمل شخصان أو أكثر كلٍ بحسب ما يحسنه فيكفي كل منهم الآخر ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم أحدهم يكون عليهم جميعاً).

فهذا النص يصرح بان كل شريك في هذه الشركة اصيل عن نفسه وكيل عن غيره من الشركاء ، ويصرح النص القانوني السابق بأن أموال واعمال الشركاء في الشركة العرفية تكون مختلطة ببعضها وأن الشركاء جميعا يعملوا بصفة مشتركة في إدارة الاموال والأعمال بهدف تحقيق الربح وإكتساب اموال إضافية من عائدات الأموال الاصلية وعمل الشركاء في الشركة ، وتقاسم الربح بحسب حصة كل شريك في الأموال الاصلية المخلوطة (الكرمة)، وبحسب النماء أو الزيادة التي تحققت نتيجة عمل كل شريك على حدة في الشركة العرفية.

ومعنى ذلك أن الشراكة في الشركة العرفية قاصرة على الأموال والاعمال المخلوطة في الشركة العرفية، وبناء على ذلك إذا ثبت ان هناك مالا آخر للشريك أو عملا اخر للشريك ليس مخلوطا في الشركة العرفية فان هذا المال وعائداته أو العمل وعائداته يكون حق خاص وخالص لصاحبه، فلايندرج ضمن اموال واعمال الشركة العرفية ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 20-3-2010م في الطعن رقم (39259)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ولما كان الحكم المطعون فيه قد قضى بتأييد الحكم الابتدائي، فالنعي الذي أورد الطاعن ليس في محله ، لأن الحكم صدر في الأساس لصالحه عندما اخرج الحكم العقارين الواردين في منطوق قرار محكمة التنفيذ تأسيساً على انهما مما كسبه الطاعن قبل قيام الشراكة بينه وبين اخوته ، وقد توصلت محكمة التنفيذ إلى ذلك بعد تكليف خبير قام بالنزول إلى المواقع ومعه البصائر وحدد العقارات المشتراة قبل قيام الشراكة بين الخصوم وبعد الشراكة، فبعد قيام الشركة يتعذر تحديد ما يخص كل شريك، لأن الخلطة في الأموال كانت طيلة مرحلة الشراكة بين الاخوة الشركاء ولمدة طويلة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم خلط الشركاء لأموالهم واعمالهم في الشركة العرفية:

 يتاسس مفهوم الشركة العرفية على أساس ان الشركاء في هذه الشركة يقوموا بخلط اموالهم واعمالهم محل الشراكة في الشركة العرفية بهدف العمل المشترك من الشركاء لتحقيق الربح وإكتساب اموال إضافية من ارباح أو عائدات تشغيل الاموال والعمل المشترك في الشركة العرفية.

وفي هذا المعنى نصت المادة (661) مدني على أن: (الشركة العرفية هي الخلطة في الاموال والتكافؤ في الأعمال، على ان يعمل شخصان أو أكثر بحسب ما يحسنه فيكفي كل منهم الآخر ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم احدهم يكون عليهم جميعاً).

 ومن خلال سياق هذا النص يظهر ان الشركة العرفية تقع نتيجة خلطة مال أو أعمال شخصين أو أكثر وقيامهم بتشغيل هذا المال والجهود المشتركة وتنمية الجهود والاموال محل الشراكة وإستغلال عائداته في كسب أموال جديدة واضافتها إلى أموال الشركة العرفية، ولهذه الغاية يكون كل شريك في الشركة العرفية اصيلا عن نفسه وكيلا عن غيره من الشركاء في الشركة العرفية.

وتحدث خلطة الأموال والاعمال في الشركة العرفية(شركة الواقع) نتيجة موت المورث وإنتقال تركته إلى ورثته وعدم قسمتها وبقائها شائعة بين الورثة لمدة من الزمن وإستغلال الورثة لعائدات التركة الشائعة في شراء أموال جديدة.

  كما تقع خلطة الأموال والاعمال في الشركة العرفية نتيجة قيام كل شريك بدفع مبلغ من المال وإنشاء مشروع مشترك وبينهم كبقالة أو بناء عمارة...إلخ وبذل جهودهم وإستغلال عائدات هذا المشروع المشترك في إستفادة أموال جديدة، فلاتكون اموال واعمال كل شريك مفرزة وانما مخلوطة بغيرها من أموال واعمال الشركاء الاخرين في الشركة العرفية.

 وقد تكون حصة كل شريك في المال المخلوط معلومة كحصة شائعة في اموال الشركة العرفية المخلوطة كما في حالة الخلطة بسبب الإرث، فعندئذٍ يكون نصيب كل وارث من الاموال الاصلية(الكرمة ) معلوما كحصة شائعة في أموال الشركة العرفية المخلوطة ،وعلى اساس النصيب الشرعي لكل وارث يتم إحتساب نصيب كل وارث من الأموال المستفادة من المال المخلوط ، وكذلك الحال في الحالات الاخرى غير خلطة التركة فانه يتم إحتساب نصيب كل شريك في الشركة العرفية بحسب نصيبه في أصل المال المخلوط (الكرمة) وبحسب النماء أو الزيادة التي تحققت نتيجة العمل الذي قام به الشريك.

فإذا كان نصيب الوارث أو الشريك هو النصف من المال المخلوط فان نصيبه من الأرباح يكون النصف ، واذا كان الشريك قام قد بعمل أو اعمال نتج عنها زيادة أو نماء في اموال شركة الواقع فانه يستحق مقابل ذلك بحسب التي حققها عمله.

وكذلك الحال بالنسبة لصور الشركة العرفية الاخرى غير التركة الشائعة بين الورثة ، حسبما نصت عليه المادة (663) مدني.

 وإذا كان نصيب كل شريك في الاموال المخلوطة معلوما اي إذا كان مقدار ما يخص كل شريك معلوما في (الكرمة) أو رأس المال ، فالخلطة في هذه الحالة لا تثير إشكاليات.

كما لاتثير خلطة الأموال بين غير الورثة اية إشكاليات إذا كان موضوع الشركة العرفية الاموال الاصلية (الكرمة) اموال نقدية أو عينية معلومة ومحددة قدمها الشركاء فاذا كانت حصة كل شريك في الكرمة معلومة فتبعا لذلك تكون حصته من الأرباح والأموال المستفادة من الكرمة .

فضلا عن ان تكافوء أعمال الشركاء او خلطة الأعمال او إختلاط أعمال الشركاء ببعضها في الشركة العرفية، فهذا الاختلاط لاتثير ايضا اية إشكالية ، لان إحتساب عائد عمل كل شريك في الشركة العرفية يتم إحتسابه على اساس العائد أو النماء الذي تحقق نتيجة عمل الشريك أو سعيه، فعند الخلاف يجب على الشريك ان يثبت ذلك العائد أو النماء الذي تحقق من عمله. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١١٧).

الوجه الثاني: نطاق محل الشراكة في الشركة العرفية من حيث الأموال والاعمال المختلطة المشتركة بين للشركاء:

من المسميات الاخرى للشركة العرفية مثل شركة الواقع الشركة الفعلية مع مراعاة ان هذا المصطلح خاص بالشراكة عندما تقع بحكم الواقع أو الفعل كالمؤسسة الفردية أو التركة التي تنتقل الى الورثة بعد وفاة مورثهم، ومعنى ذلك ان شركة الواقع أو الشركة العرفية في هذه الحالة تقع من غير اتفاق شراكة بين مثل الشركة العرفية في المؤسسة الفردية أو التركة الشائعة التي تنتقل للورثة نتيجة موت المورث، ففي هذه الحالة تتحدد الأموال المخلوطة في الشركة بحسب أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية اما ناتج اعمال الشركاء المختلطة في هذه الشركة فان إثباته يحتاج إلى إثبات فعائدات هذه الاعمال تتحدد بحسب النماء أو الزيادة التي تحققت نتيجة عمل الشريك في الشركة العرفية.

وفي غير شركة الواقع بين الورثة فان الشراكة في الشركة العرفية تتحدد بحدود الأموال والاعمال التي تم الإتفاق عليها عند انشاء الشركة العرفية سواء أكان الاتفاق مكتوبا أو غير مكتوب ، وعند عدم وجود إتفاق فان أموال واعمال الشركة العرفية تتحدد بحدود الأموال الفعلية التي سلمه‍ا الشركاء للشركة والاعمال الفعلية التي قام بها الشركاء لحساب الشركة العرفية.

وفي كل الأحوال فان الشراكة في الشركة العرفية لاتمتد الى أموال واعمال الشركاء الأخرى التي لم تدخل ضمن نشاط الشركة العرفية ، فتكون تلك الأموال والاعمال الاخرى وعائداتها ملك خاص وخالص لاصحابها.

واذا ادعى احد من الشركاء أن أموال واعمال شريكه الاخرى تدخل ضمن الشركة العرفية فانه يجب عليه إثبات ذلك ،لان الأصل عدم الشراكة فعلى المدعي خلاف الأصل ان يثبت ذلك.

الوجه الثالث: تاثير قرينة الشراكة في الشركة العرفية على الاموال التي يكتسبها الشريك اثناء فترة قيام الشركة العرفية:

 اشار الحكم محل تعليقنا إلى ان الاموال التي يكتسبها الشريك قبل دخوله في الشراكة في الشركة العرفية تكون هذه الأموال خاصة وخالصة للشريك صاحبها، ومفهوم ذلك يدل أيضا على أن الأموال التي يكتسبها الشريك بعد ان تنتهي الشراكة تكون ايضا خاصة به وخالصة له دون غيره .

وقضاء الحكم محل تعليقنا على هذا النحو يدل على أن الشراكة في الشركة العرفية طوال مدة قيام الشركة العرفية تكون قرينة على أن الاموال التي اكتسبها الشركاء خلال فترة قيام الشراكة قد تم إكتسابها من عائدات الشركة العرفية .

بيد ان هذه القرينة قابلة لإثبات العكس ، إذ يستطيع الشريك المكتسب ان يثبت ان الاموال التي اكتسبها اثناء فترة قيام الشركة العرفية هي من عائدات امواله واعماله الخاصة التي لم تدخل ضمن نطاق أموال واعمال الشركة العرفية.

الوجه الرابع: الأموال المشتراة باسم الشريك اثناء فترة قيام الشركة العرفية:

ذكرنا فيما سبق ان الشركة العرفية تقوم على اختلاط أعمال وأموال الشركاء ؤمؤدى ذلك ان الاموال المتحصلة اثناء قيام الشركة العرفية هي نتاج الأموال والاعمال المشتركة للشركاء في الشركة العرفية ، وحاصل ذلك ان الشريك في أثناء قيام الشركة العرفية يتصرف كاصيل عن نفسه ووكيل عن الشركاء الاخرين ، ويترتب على ذلك أن الأموال التي يكتسبها الشريك اثناء قيام الشركة العرفية تكون لحساب الشركة العرفية بإعتبار الشريك وكيلا عن بقية الشركاء ولو كانت هذه الأموال مكتوبة باسم الشريك، وفي هذا المعنى نصت المادة (661) مدني على أن: (الشركة العرفية هي الخلطة في الاموال والتكافؤ في الأعمال، على ان يعمل شخصان أو أكثر بحسب ما يحسنه فيكفي كل منهم الآخر ويكون المستفاد مشتركاً بينهم جميعاً وما يلزم احدهم يكون عليهم جميعاً).

بيد أن بالاكتساب في هذا النص هو الاكتساب في نطاق الأعمال والاموال الداخلة ضمن نطاق أو محل الشركة العرفية التي يقوم الشريك بها تنفيذا لمهامه في الشركة كشريك في الشركة العرفية ، فلاتدخل ضمنها التصرفات التي يقوم بها الشريك بمعزل عن أعمال وأموال الشركة العرفية، غير انه يجب على الشريك في هذه الحالة ان يثبت ان إكتسابه للمال في هذه الحالة قد تم خارج نطاق أعمال الشركة العرفية ، وان المال الذي دفعه الشريك ثمنا لتلك الأموال المكتسبة قد تم دفعه من ماله الخاص وليس من أموال الشركة العرفية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركة العرفية، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦ م، ص١٤١). والله أعلم.