جرح كاتب المحرر العرفي بعد موته
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
الجرح في الأشخاص إدعاء بعدم عدالتهم أي الادعاء بانهم فاسقون غير عدول ، في حين أن القاعدة أن المسلمون عدول وهذا هو الاصل ، فعلى من يجرح مسلما او يدعي أنه ليس عدلا إثبات ذلك.
ولاريب أن جرح كاتب المحرر العرفي بعد موته له إشكالياته الشرعية والقانونية والاخلاقية والواقعية سيما أن نظام تحرير المحررات بنظر الأمناء واقلام التوثيق نظام حديث في اليمن ، لان المحررات كان يتولى تحريرها حتى وقت قريب كل من يجيد الكتابة من القضاة والعلماء والفقهاء بل والاشخاص العاديين الذين كانوا يحسنوا الكتابة في زمن كان الذين يجيدوا الكتابة قلة قليلة.
وكاتب المحرر يكون في مركز الشاهد على التصرف الذي كتبه في المحرر، بيد ان جرح كاتب المحرر الذي مات له حساسيته وخصوصيته من الناحية الشرعية والقانونية والاخلاقية، لان الجرح في الكاتب الميت يعني الإدعاء أن الميت كان فاسقا عاصيا لله تعالى ، لان عكس العدل هو الفسق والمعصية، فالجرح يعني الفول: ان الميت كان فاسقا عاصيا ، إضافة إلى ان جرح الميت يعني إتهام للميت من غير دفاع منه ، ولذلك ينبغي على القاضي في هذه الحالة التحوط ، ولايتسنى ذلك إلا إذا احاط القاضي بالوضعية الخاصة للجرح في الميت ، وقد اشار الى هذه المسالة الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 20/12/2011م في الطعن رقم (43349) المسبوق بالحكم الإستئنافي الذي ورد ضمن اسبابه : (فقد تبين ان ماتطلبه المستائفة مطابق للشرع والقانون ، لان المستانف ضدهم لم يبرزوا اي دليل على إختصاصهم في الاموال المدعى بها ،كما انهم لم يبرزوا أي توكيل من المستانفة أو إختيار منها للقسام على إفتراض وقوع القسمة إضافة إلى جهالة الفصول التي يتمسك بها المستانف ضدهم، كما قدم وكيل المستانفة مايؤكد جرح عدالة القسام .... والشهود ....و...و...، المذكورين في الفصول، فقد قدم وكيل المستانفة عدة ادلة منها حكم محكمة...المؤرخ 1373ه، مما يجعل الإستئناف مقبولا وإلغاء الحكم الابتدائي )، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية الحكم الإستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين ان الحكم الإستئنافي جاء صحيحا لما ورد به واستند اليه ، بشان صحة طلب المطعون ضدها إجراء القسمة )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: الوضعية الشرعية والقانونية لجرح كاتب المحرر الميت:
الوظيفة الشرعية والقانونية لكاتب المحرر بصفة عامة هي التحقق قبل قيامه بتحرير المحرر من صفة وشخصية اطراف المحرر ومدى توفر اركان وشروط التصرف الذي يقوم بتحريره ، ثم يقوم الكاتب بكتابة أو تدوين الايجاب والقبول الصادرين من أطراف التصرف.
وعلى هذا الاساس فان كاتب المحرر يكون حاضرا وقت إبرام التصرف ،لانه سمع عبارة الايجاب والقبول من المتعاقدين وشاهدهما اثناء ذلك ، ولذلك فكاتب المحرر في الحقيقة شاهد على المحرر،بل أن قيام اطراف المحرر بتكليف الكاتب بكتابة المحرر دليل على ان اطراف المحرر قد ارتضوا ان يكون كاتب المحرر شاهدا على التصرف المذكور في المحرر الذي تولى كتابته حتى لو وردت في المحرر اسماء شهود التصرف.
واذا كان المحرر كاتب المحرر ميتا وشهود المحرر احياء فان المعتبر في الفقه والقانون عند الخلاف بصحة ماورد في المحرر هو شهادة شهود المحرر الاحياء، اما اذا كان كاتب المحرر وشهوده قد ماتوا ، فان نطاق البحث والدراسة عند الخلاف بشان صحة ماورد في المحرر هو مدى عدالة كاتب المحرر وما إذا كان معروفا بالعدالة في منطقته أو بين اهل بلدته.
الوجه الثاني: وضعية المحررات االعرفية في اليمن:
المحررات العرفية :هي تلك المحررات الصادرة من الأفراد التي لم يتم توثيقها في أقلام التوثيق، ولذلك فان اغلب المحررات في اليمن عرفية بل ان غالبية الوثائق بصفة عامة في اليمن عرفية, ولذلك نظم قانون الاثبات هذه المحررات مبينا ماهيتها وانواعها وصحتها وكيفية التحقق من صحتها ؛ وعندما نظم قانون الاثبات اليمني كيفية التحقق من صحة هذه المحررات كان مستحضرا خصوصية الواقع وخصوصية هذه المحررات بالنسبة لليمن واليمنيين؛ لان اسلوب التحقق من هذه المحررات له وسائله وطرقه واجراءاته التي توارثها القضاء والفقه حيث يتم التعامل مع تلك المحررات بطريقة متوازنة تكفل عدم اهدار حجيتها وفي الوقت ذاته عدم التوسع في تقدير حجيتها, لان التوسع في اعتمادها كأدلة احادية له مخاطرة كما ان التعامل معها بمعزل عن القرائن المحيطة بكل قضية على حدة ايضا له مخاطره, والمحررات العرفية القديمة في اليمن يكثر الاستدلال بها ولها اشكالياتها , ومن هذه المحررات تلك التي مات كاتبها.
الوجه الثالث: معنى جرح الكاتب الميت للمحرر:
جرح كاتب المحرر بعد موته يختلف عن جرح الشاهد الحي الذي يشهد في قضية منظورة أمام القاضي ، فجرح الكاتب الميت يقتصرعلى بحث ما إذا كان معروفا بتزوير المحررات او إصطناعها .
في حين ان جرح الشاهد الحي في قضية منظورة أمام القضاء هو إثبات عدم توفر الشروط الشرعية والقانونية في الشاهد التي اتفق عليها الفقه الاسلامي والتي أخذ بها القانون اليمني ، وذلك في المادة (27) من قانون الإثبات اليمني التي حددت شروط الشاهد: وهي البلوغ والإختيار والعدالة ومعاينة الشاهد لما يشهد عليه وأن لا يكون الشاهد مجلودا في حد أو مجروحاً في عدالة مالم تظهر توبته وصلاح عدالته وأن لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً وأن لا يكون خصماً للمشهود عليه وأن لا يشهد الشاهد على فعل نفسه وأن يكون عالماً بما يشهد به، وفي هذا الشان نصت المادة في المادة (27) إثبات التي نصت على إنه (يشترط في الشاهد ما يلي: -أ- أن يكون بالغاً عاقلاً عدلاً –ب- أن يكون قد عاين المشهود به بنفسه إلا فيما يثبت بالسمع واللمس –ج- أن لا يكون مجلوداً في حد أو مجروحاً في عدالة مالم تظهر توبته وصلاح عدالته، والعدالة هي الصلاح الظاهر في الشاهد –د- أن لا يجر لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً –هـ- أن لا يكون خصماً للمشهود عليه –و- أن لا يشهد على فعل نفسه مع مضنة التهمة –ز- أن يكون عالماً بالمشهود به ذاكراً له وقت الأدلاء).
وجرح الشاهد عبارة عن دعوى يدعي بها الجارح تخلف شرط من شروط الشاهد المشار إليها التي يدعي المشهود عليه تخلفها في الشاهد المراد جرحه أو جرح شهادته ،مما يستلزم أن يقدم الخصم الجارح في الشاهد ما يدل على صحة إدعائه بجرح الشاهد، وهذا الامر يقتضي ان يكون الشاهد على قيد الحياة وان يكون قد ادلى بشهادته امام المحكمة وان تكون الخصومة مازالت منظورة أمام المحكمة لم يتم الفصل فيها حتى تستمع المحكمة إلى دفاع الشاهد ورده على اتهامه.
ولتعذر جرح الكاتب بعد موته كما هو الحال بالنسبة للشاهد الميت فقد اشترط قانون الإثبات اليمني في كاتب المحرر القديم ان يكون معروفا بالعدالة والأمانة وحسن السيرة، ولذلك فان جرح المحرر الميت لايتناول كاتب المحرر إلا بمناسبة الخلاف بشان المحرر الذي كتبه قبل موته ، فنطاق البحث عن عدالة الكاتب يقتصرعلى عدالته فيما يتعلق بتحرير وكتابة المحررات وما إذا كان مشهورا بتزوير المحررات او إصطناعها، فعلى الخصوم والقاضي عند الجرح في عدالة كاتب المحرر القديم الذي مات كاتبه يجب عليهم الاقتصار على بحث عدالة الكاتب من حيث مدى شهرته في تزوير المحررات او إصطناعها ، فلاينبغي التعرض للجوانب الاخرى لعدالة الكاتب الميت ، لانه قد افضى الى ربه.
الوجه الرابع: عدالة كاتب المحرر بعد موته وتوصيتنا للمقنن اليمني:
اشار قانون الإثبات اليمني إلى أنه يجوز للقاضي أن يأخذ بالمحرر العرفي إذا كان كاتبه معروفا بالعدالة والأمانة وحُسن السيرة، وفي هذا المعنى نصت المادة (106) من قانون الإثبات اليمني على أنه: (إذا كان المحرر العرفي مكتوباً بخط الغير وغير موقع من الخصم فيجب الإشهاد عليه للأخذ بما جاء فيه ، غير أنه إذا كان كاتب المحرر معروفاً بالعدالة والأمانة وحُسن السيرة وكان خطه معروفاً للقاضي لشهرته أو كان قد أقر أمامه أنه كاتب المحرر وشهد بصحة ما جاء فيه فأنه يجوز الأخذ بما جاء منه في المحرر كشاهد بصحته مع التتميم)، وهذا النص يتناول المحرر العرفي غير المشهود عليه الذي لايزال كاتبه على قيد الحياة، حيث جعل هذا النص كتابة الكاتب للمحرر العرفي وإقراره امام بكتابة المحرر بمثابة شهادة الشاهد الواحد التي ينبغي تتميمها بيمين الشخص المتمسك بالمحررالذي يحلف على ان ماورد في المحرر صحيح، اما المحرر العرفي المشهود عليه فانه حجة حسبما هو مقرر في الفقه الاسلامي.
والأمانة العلمية تقتضي القول أن نص المادة (106) اثبات السابق ذكرها لم تصرح بحجية المحرر العرفي المشهود عليه بشاهدين عدلين، وهذا الأمر خطير ، لان اغلب المحررات في اليمن هي محررات عرفية لم يتم توثيقها في أقلام التوثيق، ولذلك نوصي المقنن اليمني بإعادة صياغة المادة (106) لتضمينها عبارة تصرح بان المحررات العرفية سيما القديمة المشهودة عليها حجة على اطرافها .
اما إذا كان كاتب المحرر قد مات ومات شهوده وكان المحرر محل نزاع بين الخصوم من حيث صحته ومجردا من الحيازة ،فإن القاضي يلجأ إلى التعرف والتعريف بالخط الوارد في المحرر عن طريق شهود التعريف بالخط أو عن طريق الخبرة الفنية المتوفرة لدى الإدارة العامة للأدلة الجنائية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثاني ، أ. د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥، ص ٣٤١).
الوجه الخامس: إثبات جرح كاتب المحرر بعد موته:
في الاوجه السابقة ذكرنا أن نطاق البحث عن عدالة الكاتب وجرحه بعد موته يقتصرعلى عدالته فيما يتعلق بتحرير وكتابة المحررات ، فعلى الخصوم والقاضي عند الجرح في عدالة كاتب المحرر القديم الذي مات كاتبه يجب عليهم الاقتصار في بحث عدالة الكاتب على مدى شهرته في تزوير المحررات او إصطناعها وشهرته في هذا المجال ، فلاينبغي التعرض للجوانب الاخرى لعدالة الكاتب الميت لانه قد افضى الى ربه.
وبناء على ذلك فانه يجب على المدعي ان كاتب المحرر غير عدل ان يثبت ذلك اي يثبت ان الكاتب من المعروفين بتزوير المحررات او إصطناعها،لان الاصل في العقود والتصرفات والمحررات هو الصحة ، وانه يجب على المدعي بخلاف الاصل ان يثبت ذلك.
الوجه السادس: التعرف على خط كاتب المحررات العرفية أثناء حياة الكاتب وبعد موته:
المحرر العرفي هو المحرر الذي لم يتم توثيقه لدى قلم التوثيق ، والمحرر العرفي إذا كان مكتوبا بخط الشخص نفسه وتوقيعه فانه يكون حجة عليه وعلى خلفه وفقا للمادة (104)إثبات، كما يكون المحرر العرفي حجة على الشخص إذا ناقش محتواه حسبما هو مقرر في المادة (105)إثبات.
وفي غير الحالتين السابقتين نصت المادة (106) اثبات على انه (اذا كان المحرر العرفي مكتوبا بخط الغير وغير موقع من الخصم فيجب الاشهاد عليه للأخذ بما جاء فيه غير انه اذا كان كاتب المحرر معروفا بالعدالة والامانة وحسن السيرة وكان خطه معروفا للقاضي لشهرته او كان قد اقر امامه انه كاتب المحرر وشهد بصحة ما جاء فيه فانه يجوز الاخذ بما جاء في المحرر مالم يثبت الخصم غير ذلك ببينة قانونية).
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر أن النص قد تضمن معايير التعرف على المحررات العرفية عندما تكون مكتوبة بخط الغير، ونشير إلى هذه المعايير بايجاز على النحو الاتي :
اولا : المحرر العرفي المكتوب بخط الغير الموقع عليه من قبل الشخص حجة على الشخص سواء كان كاتبه ميتا أو حيا :
يفهم من نص المادة (106)السابق ذكرها ان المحرر العرفي المكتوب بخط الغير الموقع عليه من قبل الخصم أو الشخص يكون حجة على هذا الشخص.
ثانيا: المحرر العرفي المكتوب بخط الغير المشهود عليه حجة على الخصم سواء كان كاتبه ميتا أو حيا :
يفهم من نص المادة (106)السابق ذكرها ان المحرر العرفي المكتوب بخط الغير المشهود عليه يكون حجة على الشخص أو الخصم.
ثالثا :المحرر العرفي غير المشهود عليه الذي لايزال كاتبه على قيد الحياة:
يفهم من سياق نص المادة (106)السابق ذكرها ان المحرر العرفي المكتوب بخط الغير الذي لم يتم الاشهاد عليه يكون حجة ناقصة على الشخص أو الخصم إذا حضر الكاتب الحي امام المحكمة واقر أن المحرر مكتوب بخطه ،فالمحرر العرفي، فان كتابة الكاتب للمحرر العرفي وإقراره بذلك في هذه الحالة تكون بمثابة شهادة الشاهد الواحد التي ينبغي تتميمها بيمين الشخص المتمسك بالمحررالذي يحلف على ان ماورد في المحرر صحيح.
رابعا: المحررات العرفية غير المكتوبة بخط اصحابها أي المكتوبة بخط الغير التي لم يتم التوقيع عليها من قبل اصحابها أو التي لم يتم الاشهاد عليها (المحررات العرفية القديمة):
فالكاتب لهذه المحررات القديمة هو الغير وهو كاتب قد مات, ومع ذلك فهناك شواهد ومظاهر يستدل بها على صحة هذه المحررات ، حسبما ورد في نص المادة (106)إثبات السابق ذكرها ، ومن هذه الدلائل ماياتي :
1-عدالة كاتب الوثيقة القديمة:
المقصود بعدالة الكاتب الحي ان يكون محافظا على الشعائر الاسلامية الظاهرة كالصلاة و الصيام والحج وعدم اتيان الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر؛ لان الكاتب عندما يكون ملتزما بتلك الشعائر فإنه في الغالب يستحضر في كتابته للوثائق الحلال والحرام فلا يكتب الا بالعدل اي بالحق.
وقد اشرنا فيما سبق إلى ان البحث عن عدالة كاتب المحرر القديم يقتصرعلى البحث في عدم شهرته في البلدة في تزوير المحررات او إصطناعها .
وبحسب هذا المفهوم فانه يتم الاستدلال على عدالة الكاتب القديم للوثيقة القديمة عن طريق الوثائق الاخرى التي يبرزها الخصم المعترض على الاستدلال على صحة هذه المحررات القديمة؛ فبالإمكان التثبت من عدالة الكاتب حتى بعد مضي عشرات السنين, فاذا لم يتم تقديم ما يقدح بعدالة الكاتب القديم للوثيقة فإنها تكون حجة ، لان الاصل في الشان صحة العقود والتصرفات وعدالة المسلمين, وعنصر عدالة الكاتب مذكور في المادة (106) اثبات وكذا في قوله تعالى (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) .
2-معيار امانة كاتب البصيرة او الوثيقة القديمة :
امانة الكاتب هي قيام الكاتب بكتابة الوثيقة بحسب ما يقتضيه التصرف شرعا وقانونا وبحسب ما يتفق عليه اطراف التصرف، فيقوم الكاتب بكتابة الوثيقة بحسب ما تراضى عليه اطراف الوثيقة من دون زيادة او نقصان ؛ ولذلك يقول الله تبارك وتعالى في اية المداينة (وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) وعنصر الامانة مقترن بعنصر العدالة السابق ذكره في الفقرة السابقة ، ولذلك يطلق على كاتب البصائر او الوثائق الامين او المأمون, وعنصر امانة الكاتب مذكور ضمن المادة (106) اثبات السابق ذكرها, ويتم التحقق من أمانة الكاتب القديم عن طريق الوثائق القديمة التي يحتفظ بها الاشخاص من العصر الذي عاش فيه الكاتب والتي تتضمن جوانب من عمله وما اذا كان امينا ام لا .
3-عنصر حسن سيرة كاتب المحرر :
وقد ورد هذا العنصر ايضا في المادة (106) والمقصود بها ان يكون سلوك الكاتب القديم حسنا ؛ بمعنى انه كان في سلوكه في عصره يراعي اتيان المأمورات والانتهاء عن المنهيات أو المحظورات ، وان الكاتب كان مستقيما وانه لم يكن من ارباب السوابق في تزوير او تغيير أو إصطناع المحررات, وهذا العنصر قريب في بعض جوانبه من عنصر العدالة .
4-معرفة خط الكاتب القديم:
ورد هذا العنصر في المادة (106) اثبات: (وكان خطه معروفا للقاضي لشهرته) والمقصود بمعرفة القاضي لخط الكاتب القديم ان تكون هناك وثائق اخرى مماثلة للوثيقة محل الاستدلال او الاحتجاج وكلها بخط الكاتب للوثيقة القديمة ؛ ولكثرة الوثائق المنسوبة لذلك الكاتب فان القاضي او غيره يستطيع التعرف على الخط الوارد في تلك الوثائق وان يحدد الكاتب لذلك الخط؛ حيث يكون خط هذا الكاتب معروفا في منطقة أو قرية معينة .
5- شهرة خط الكاتب للوثيقة القديمة :
شهرة خط الكاتب اوسع من معرفة خطه, لان الشهرة تعني الانتشار والذيوع في المنطقة أو البلدة ، إذ يتعرف على الخط كثرة من الاهالي في المنطقة ، حيث يكون خط الكاتب في هذه الحالة مشهورا يستطيع المحتج بالوثيقة ان يقدم نظائر لها او وثائق مماثلة لها على نطاق واسع .
6- ان تكون الوثائق القديمة مقرونة بالحيازة والثبوت :
لان الوثائق القديمة تدل ان الحائز للارض قد وضع يده على المال بطريقة شرعية صحيحة عن طريق التصرف الذي تحكيه الوثائق القديمة منذ مدة طويلة ،وانه لم يقم بالغصب او الاستيلاء على المال وانما وضع يده عليه بطريقة شرعية, والحيازة بموجب هذه الوثائق تعني ان التصرف الوارد في الوثيقة قد تم تنفيذه والعمل بموجبه وانتقلت الحيازة الى الحائز انتقالا صحيحا, وان لم يكن الامر كذلك فان الوثيقة تكون من (الوجائد) التي استقر القضاء في اليمن على عدم اعتمادها اذا كانت مجردة عن الحيازة الفعلية, والمقصود بالحيازة المعززة للوثيقة القديمة ان يكون صاحب الوثيقة حائزا للعين الواردة في الوثيقة لمدة لا تقل عن ثلاثين سنة متصلة .
الوجه السابع: متى تتم احالة المحررات العرفية القديمة للفحص الفني التقني :
اشار الحكم محل تعليقنا بان المحررات العرفية القديمة لا ينبغي احالتها للفحص الفني التقني لدى الجهة المختصة (المعمل الجنائي) الا اذا ادعى احد الاطراف بانها مزورة ودلت القرائن على انها مزورة ولا يلجأ القاضي الى الفحص الفني الا اذا اخفق في التعرف على صحة الوثائق بحسب المعايير والوسائل السابق ذكرها في الوجه السابق, لان المادة (106) اثبات قد حددت وسائل التأكد من صحة الوثائق العرفية القديمة ، فلا ينبغي العدول عن النص والاجتهاد على خلافه ، حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا, لان الفحص التقني في هذه الحالة يخالف مقتضيات المادة (106) اثبات . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص 273).
الوجه الثامن: جرح كاتب المحرر العرفي في الفقه الاسلامي :
العدالة شرط في المسلمين جميعا عملا بقاعدة :المسلمون عدول التي اساسها كتاب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى ابي موسى الاشعري التي جاء فيها:المسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو في قرابة.
ولاهمية عمل كاتب المحررات وخطورة عمله فقد اشترط الله تعالى على هذا الكاتب ان يكون كاتبا بالعدل وان يكتب بالعدل ، قال تعالى ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل) .
وقد سبق ان ذكرنا ان كاتب المحررات يكون حاضرا وقت إبرام التصرف ،لانه سمع عبارة الايجاب والقبول من المتعاقدين وشاهدهما اثناء ذلك ، ولذلك فكاتب المحرر في الحقيقة شاهد على المحرر،بل أن اطراف المحرر قد ارتضوا ان يكون كاتب المحرر شاهدا على التصرف المذكور في المحرر الذي تولى كتابته حتى لو وردت في المحرر اسماء شهود التصرف، ولذلك تطبق بشانه عدالة الشاهد إذا كان الكاتب لازال على قيد الحياة ، اما اذا كان قد مات فيتم تطبيق احكام عدالة الشاهد عليه بما يلائم وضعية الكاتب الميت بحسب ماسبق بيانه.
ومن هذا المنطلق نعرض بعض احكام عدالة الشهود وجَرحهم في الفقه الاسلامي ومن ذلك ما إذا كان الأصل في الشهود العدالة حتى يأتي من يجرحهم أم العكس، وهل طلب تزكيتهم حق للخصم أم يطلبها القاضي، ولو لم يطلبها الخصم، وأيهما المقدم: بينة الجرح أم بينة التعديل؟
ويقرر الفقه الاسلامي انه لابد في البينة من العدالة، كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} وقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} ، ومن ذلك يتضح أن شهادة الفاسق لا تقبل على مثله، ولا غيره، وأن العدالة في الدين معتبرة كما تقدم، وليس المراد به عدالة الصدق فقط، بل لابد من اجتماع شروط العدالة فيهما؛ لأن الفاسق مظنة الكذب؛ إذ من اجترأ على الله سبحانه وتعالى، واستهان بأمره حري بأن يستهين بغيره من باب أولى وأحرى.
ولذلك لابد في البينة من العدالة ظاهراً وباطناً، كما هو المقدم في مذهب الشافعي، وبه قال أحمد وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لقول الله سبحانه: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، فلا نعلم أنه مرضي حتى نعرفه، أو نخبر عنه، كما رُوي أن عمر رضي الله عنه أُتي بشاهدين. فقال لهما: لست أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيا برجل، فقال: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي يتبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا، قال: عاملتهما بالدنانير والدراهم التي تقطع فيهما الرحم؟ قال: لا. قال: كنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال: يا ابن أخي، لست تعرفهما، جيئا بمن يعرفكما ).
أما قول من يقول: الأصل في الإنسان العدالة فان له وجهة اخرى ، فالأصل في الخصومات الجهل والظلم؛ قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} وقال صاحب (البدائع): إذا شك في الشاهد هل هو عدل أم لا لم يحكم بشهادته؛ إذ الغالب في الناس عدم العدالة.أ.هـ.
وصرح كثير من الفقهاء: أن القاضي إذا عرف عدالة الشهود قال للمشهود عليه: قد شهدوا عليك، فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهما فثبته عندي، فإن لم يقدح فيهما حكم عليه.
ولذلك فالتزكية حق للشرع يطلبها الحاكم، وإن سكت عنها الخصم، كما هو الصحيح عند كثير من الفقهاء. وأيضاً فالجرح مقدم على التعديل، فلو عدله اثنان، وجرحه اثنان، فالجرح مقدم، فتكون تلك الشهادة ساقطة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي
" وإن جرح الخصمُ الشهودَ كلف البينة به " إن جرح الخصم الشهود جرحهم أي وصفهم بما ترد به شهادتهم بأن قال هذا يشرب الخمر هذا يسرق هذا يزني وما أشبه ذلك مما ترد به الشهادة كلف البينة به أي ألزم بإقامة البينة ألزم بإقامة البينة لسببين السبب الأول حماية لأعراض الناس حتى لا يستطيل أحد على أحد بالجرح والسبب الثاني من أجل رفع الحكم أو من أجل منع الحكم بشهادة هؤلاء الشهود، فيقال للخصم إذا قال: أنا أجرح شهادة هولاء الشهود ، فييقول له القاضي أقم البينة أقم البينة على أنهم مجروحون بما تقول ، أي لابد من شهود يشهدوا بانهم شاهدوا ما يجرح الشهود بأن يقول الشاهد أشهد أني رأيته يفعل كذا وكذا أو يقول كذا وكذا فلاتكفي الاستفاضة ، فيجب أن يشهد الجارح عن رؤية أو سماع أو مباشرة، فإذا أتى بشهود الجرح قبلت شهادة شهود الجرح ولم يحكم بشهادة شهود في الدعوة التي ادعاها الخصم لماذا لانتفاء العدالة لانتفاء العدالة في حقهم لأنه لما ثبت جرحهم انتفت عدالتهم ،فإذا قال المدعي عليه وهو الخصم أنا أجرح هؤلاء بأنهم فسقة يشربون الخمر يسرقون يزنون وما أشبه ذلك يطالب بالبينة ويمهل ثلاثة أيام إن طلبها إن طلب الإنظار وإن لم يطلب الإنظار فإننا نطالبه بإحضارهم فورا وإن طلب أكثر من ثلاثة أيام فلا يقبل طلبه ، لما في ذلك من الإضرار بخصمه إلا إذا رضي خصمه ، وللمدعي ملازمة الخصم الذي جرح الشهود أي يبقى معه لا ينفك عنه يتابعه لئلا يهرب لأنه يمكن أن يدعي جرح الشهود ويقول هؤلاء مجروحون بكذا وكذا من الفسق ثم ينظر ثلاثة أيام وإذا خرج من المحكمة اختفى.
الوجه التاسع: الحكم الشرعي لجرح كاتب المحرر الميت:
ذكرنا فيما سبق ان لجرح الكاتب الميت خصوصية ، وان يكون في حدود التحقق من صحة المحرر محل النزاع الذي كتبه الكاتب الميت ،وانه لايجوز شرعا التوسع في جرح كاتب المحرر الذى افضى الى ربه.
فالتعرض لمساوئ كاتب المحرر في غير ما ذكر منهي عنه ، لما ورد في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه انه قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ. وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ. قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي، وَأُمِّي: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.
ولذلك فالمندوب هو الثناء على الميت عند ذكره، أو مرور جنازته، أو للتعريف به بذكر أعماله الجليلة، ونحو ذلك مما يشبه رثاء بعض الصحابة لقتلى أحد وغيرهم، فذكر محاسن الميت مندوب ؛ اما حديث: اذكروا محاسن موتاكم، فهو حديث ضعيف ، فقد رواه الترمذي وفي سنده عمران المكي، وقد قال فيه الترمذي.: سمعت محمداً- يعني البخاري- يقول عمران بن أنس منكر الحديث، وقد ضعفه الألباني.
والخلاصة أن من توفي على الإسلام إنما يشرع في حقه الترحم عليه والاستغفارله، وعدم ذكر أخطائه فإنه أفضى إلى ما قدم، ولا ندري لعل الله تجاوز عن سيئاته، ففي حديث البخاري: لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا. ويضاف لهذا أن الكلام بالسوء على الأموات يؤذي الأحياء، وأذاهم منهي عنه، ولذا جاء في الحديث: لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأحياء. رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل االشهادة الجزء الثاني ، أ. د.عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024، ص 45)، والله اعلم.
