معايير تقدير أجور الخبير العدل: في القانون والقضاء اليمني

معايير تقدير أجور الخبير العدل: في القانون والقضاء اليمني

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

https://t.me/AbdmomenShjaaAldeen

تقدير أجور الخبير يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي عينت الخبير العدل ، فهي المختصة بتقدير أجور الخبير العدل، فلا يجوز للخبير العدل الاتفاق مع الخصوم على تقدير اجره أو إستلام أجره من الخصوم مباشرة من غير توجيه من المحكمة ،كما ان هناك معايير تتبعها المحكمة في تقدير أجور الخبير العدل، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/3/2014م في الطعن رقم (53447)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن تقدير أتعاب الخبير العدل من سلطة القاضي المنظور أمامه النزاع ويتم تحديدها من الأمانة المودعة خزينة المحكمة على قدر الجهد المبذول من الخبير في إعداد تقريره، لذلك لا عبرة بأي إتفاق على قدر الإتعاب فيما بين أحد الخصوم والخبير على فرض وجود إتفاق بذلك، بل أنه تصرف غير جائز أصلاً، وحيث أن نتيجة الحكم الإستئنافي المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي موافقة للقانون فأنه يتعين رفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الاول: سلطة محكمة الموضوع في تقدير أجور الخبراء العدول:

الخبير عون القضاء في المسائل الفنية مع ان للقاضي ان يأخذ بالنتيجة التي يتوصل اليها الخبير او يرفضها كلها أو يأخذ ببعضها باعتبار القاضي خبير الخبراء، إلا أن القاضي في المسائل الفنية الدقيقة يركن الى تقرير الخبير، ولذلك ينبغي أن يكون الخبير عدلاً في مسلكه ومنهجه وان يكون عادلاً في تقديره ولذلك يطلق على الخبير (الخبير العدل)، كما أن المحكمة هي التي تندب الخبير لانجاز المهمة ويحلف اليمين امامها ويقدم اعماله اليها، ولذلك فان المحكمة ستكون هي الاقدر والاعرف بالاجور التي يستحقها الخبير المتناسبة مع الجهد الذي بذله الخبير في سبيل انجاز المهمة التي قام بها الخبير لحساب المحكمة وليس لحساب الخصوم، فالخبير تابع للمحكمة وليس للخصوم.

ولذلك فقد نصت المادة (167)  إثبات على أن (يكون تعيين الخبراء (العدول) من تلقاء نفس المحكمة أو بناء على طلب الخصوم ، وتعين المحكمة الخصم الذي يلزم بأداء الامانة (العدال) التي تقدرها لصرف أتعاب الخبراء منها ويجب على الخصم الذي عينته المحكمة أن يدفع الامانة في الميعاد الذي تحدده المحكمة فا ن لم يفعل سقط حقه في الاستشهاد بالخبراء (عدول) ما لم يقم خصمه بد فعها ويجوز للمحكمة أن تقسم الامانة بين الخصوم).

وفي هذا السياق نصت المادة (168) إثبات على أنه (يجوز للمحكمة أن تقدر جزء من الأمانة يصرف للخبير مقدما للأستعانة به في أداء المهمة التي كلف بها كما يجوز أن تصرفها له كلها مقدما مع تحقق المصلحة).

 وكذا نصت المادة (169) إثبات على أنه (بمجرد دفع الأمانة تستدعي المحكمة الخبير وتعرض عليه المهمة فإن قبلها تحلفه اليمين إن رأت ذلك بأن يؤديها بالذمة والأمانة والصدق وتقدر المبلغ الذي يصرف له مقدما إن لم تكن قدرته من قبل ويكون صرفه له في الحال وتصرح له بكل ما يلزم من انتقال وإطلاع وغيره لأداء المهمة المكلف بها).

ومن خلال سياق  النصوص السابقة يظهر أن محكمة الموضوع هي المختصة قانونا بتقدير مبلغ الأمانة الذي يقوم الخصوم بدفعه إلى صندوق المحكمة على ذمة اجور الخبير، كي تتولى المحكمة بعد ذلك دفع اجور الخبير من مبلغ الامانة .

كذلك الحال تتولى المحكمة تقدير اجور الخبير الذي تستعين به  المحكمة اثناء المعاينة ، وتصدر المحكمة  به امرا على عريضة نظرا  للطبيعة الخاصة والوقتية للخبير اثناء المعاينة ، وفي هذا المعنى نصت المادة (163) إثبات على: (ان يقدر اجر الخبير بناءً على طلبه بأمر على عريضة يصدر من المحكمة يكون نافذاً على الخصم وينفذ فوراً).

الوجه الثاني: معايير تقدير أجور الخبراء العدول:

 اشار الحكم محل تعليقنا الى بعض المعايير المعتمدة في تقدير أجور الخبير العدل، ويمكن عرض هذه المعايير كما ياتي:

المعيار الأول: مدة عمل الخبير:

وتظهر هذه المدة من خلال التقرير الأولي الذي يقوم الخبير برفعه إلى المحكمة قبل شروعه في المهمة ،حيث يتضمن هذا التقرير المدة  المتوقع إنجاز الخبير للمهمة خلالها ،  وكذا بيان الاشياء التي ينبغي توفيرها اللازمة لقيام الخبير بالمهمة ، وكذا طريقة قيام الخبير بالمهمة، وفي ضوء ذلك يحدد الخبير في تقريره الاولي  الأجور التي يطلبها من الخصوم نظير قيامه بالمهمة.

ومن خلال مناقشة القاضي لما ورد في التقرير الاولي  والمدة اللازمة لإنجاز المهمة  التي يحددها الخبير في التقرير الاولي ، من خلال ذلك يقوم القاضي بتحديد أجور الخبير، فمدة عمل الخبير في المهمة من أهم المعايير التي يسترشد بها القاضي في تقدير أجور الخبير.

المعيار الثاني: الجهد المبذول من الخبير في سبيل قيامه بالمهمة :

 وقد اشار الحكم محل تعليقنا الى هذا المعيار ، فمن المعلوم أن الاجر يقابل العمل أي يقابل الجهد الذي يقوم به الخبير، ويقف القاضي على ملامح الجهد الذي سيبذله الخبير من خلال دراسة ما ورد في التقرير الاولي المرفوع من الخبير قبل شروعه في المهمة  الذي يبين الاعمال التي سيقوم بها الخبير ومراحل عمله وطريقة ذلك.

وبعض  القضاة يقوم بإلزام الخصوم او الخصم بتوريد مبلغ امانة في خزينة المحكمة على ذمة  اجور الخبير حتى يتم صرف اجور الخبير منها في ضوء الجهد الفعلي الذي بذله الخبير بالفعل، إذ لا يظهر الجهد الذي بذله الخبير بدقة إلا بعد إنجازه للعمل وليس قبل ذلك، وهذه الطريقة هي التي نص عليها قانون الاثبات ، وفي كل الأحوال فان القاضي يسترشد بما ورد في التقرير الاولى في تقدير مبلغ الامانة التي يودعها الخصوم او الخصم على ذمة اجور الخبير.

المعيار الثالث: نوع الخبرة الفنية المسندة للخبير:

فمجالات الخبرة تختلف من حيث أجورها، فمثلاً أجور الطبيب تختلف عن أجور المهندس...إلخ، واجور المحاسب  غير اجور خبير التروية الذي تستعين به المحكمة عند تطبيق البصائر ومستندات الملكية.

المعيار الرابع: طبيعة المهمة المسندة للخبير:

تختلف المهام المسندة للخبراء حتى في نوع الخبرة الواحدة، فمثلاً تختلف طبيعة المهمة المسندة للمحاسب بحسب مدى نظامية السجلات والحسابات وترتيبها وتوفر مستنداتها، فاتعاب الخبير المحاسب في حسابات نظامية غير أتعاب المحاسب في حسابات غير نظامية.

المعيار الخامس: مدى تعاون الخصوم وتجاوبهم مع الخبير:

فعدم تعاون الخصوم وتجاوبهم مع الخبير العدل يسبب في إجهاد الخبير وزيادة فترة عمله وإرهاقه في متابعته الخصوم وغيرهم لتوفير المتطلبات اللازمة لاداء مهمته كالسجلات والمستندات أو الإجابة على تساؤلات الخبير، وزيادة الجهد  الذي يبذله الخبير.

المعيار السادس: مدى توفير متطلبات عمل الخبير:

فإذا توفرت المتطلبات اللازمة التي يحتاجها الخبير لأداء مهمته في وقت مناسب  يقلل من الجهد الذي يبذله الخبير،  ومن الفترة التي يستغرقها في اداء مهمته، ولذلك تاثيره في سهولة قيام الخبير بعمله في فترة وجيزة، وتبعا لذلك  فان لهذا المعيار تاثير في تقدير أجور الخبير العدل.

المعيار  السابع: قيمة الحق أو الشئ الذي يفحصه الخبير ويبين الراي الفني بشانه:

من أهم المعايير المعتمدة في تقدير أجور الخبراء هو قيمة الحق أو الشئ الذي يقوم الخبير بدراسته وفحصه وبيان الراي الفني بشانه. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الاول، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص ١١٦) .

الوجه الثالث: تصاعد الشكاوى من المبالغة في تقدير اجور الخبير:

 نتيجة المجازفة في تقدير اجور الخبير العدل تتصاعد الشكاوى بين الفينة والأخرى من المبالغة الشديدة في أتعاب الخبراء ،لأن قانون الإثبات اليمني قد نظم (الخبرة والخبراء) في عشرة نصوص (من المادة 165 حتى نهاية المادة 175)، وقد أشار نص المادة (167) إلى مبلغ الأمانة الذي يتم إلزام الخصوم على دفعه على ذمة اجور الخبير،  حتى يتم صرف أجور الخبير من ذلك المبلغ، وقد أشار إلى مبلغ الأمانة نص المادة (169) في بدايتها ، إذ أشار القانون إلى أجور الخبراء في ثلاث جمل عامة.

في حين أن الدول المختلفة نظمت (الخبرة والخبراء) في قوانين مستقلة، كما أصدرت جامعة الدول العربية القانون العربي الإسترشادي للخبرة، وقد كان كاتب هذه السطور من ضمن فريق المشاركين في إعداد ذلك القانون، وقد أقر وزراء العدل العرب هذا القانون حتى يتم الإسترشاد به في صياغة قوانين الخبرة في الدول العربية وحتى يتم تطبيقه في الدول العربية التي لا يوجد فيها قانون للخبرة، إلا أن هذا القانون لا يتم الأخذ به في اليمن.

الوجه الرابع: عدم جواز إتفاق الخبير مع الخصم أو الخصوم على أتعاب المهمة المسندة للخبيرالعدل:

الخبير العدل يتم تعيينه من قبل المحكمة حتى لو تم ترشيحه من قبل الخصوم، فالخبير عدل مثله مثل القاضي يجب عليه أن يقوم بمهمته وفقاً للقوانين ذات العلاقة وبحسب أصول وقواعد المهنة والخبرة التي يقوم بها، ولذلك يطلق على الخبير (العدل) وكذلك يرد الخبير بما يرد به القاضي.

ومن هذا المنطلق فإن الخبير العدل يتبع المحكمة ولا يتبع الخصوم، فلا يجوز للخبير الاتفاق مع الخصوم على تقدير أتعابه ، لأن ذلك من إختصاص المحكمة التي تتولى تقديرها وفقاً للمعايير السابق ذكرها، والأهم من هذا وذاك أن قانون الإثبات قد صرح بأن أجور الخبير عبارة عن مبلغ أمانة يقوم الخصم أو الخصوم بإيداعها في خزينة المحكمة حتى تقوم المحكمة ذاتها بدفع أجور الخبير منها بحسب المعايير المشار إليها.

الوجه الخامس: طريقة سداد اتعاب الخبير:

تقوم المحكمة بتحديد مبلغ معين في ضوء التقرير الأولى الذي يقدمه الخبير وملاحظات الخصوم عليه، ويكون هذا المبلغ امانة أو عهدة في خزينة المحكمة حيث يكون قرار القاضي بأن المبلغ يكون عهدة أو أمانة حتى لا يفهم من ذلك ان المبلغ قد صار حقاً مستحقاً للخبير الذي قد يقوم باداء المهمة وقد لا يقوم بذلك وقد لا ينفذ المهمة على النحو المحدد كما ينبغي ان يتضمن قرار القاضي بإيداع مبلغ العهدة المشار اليه يتضمن عبارة (ولا يصرف هذا المبلغ إلا على تنفيذ اعمال الخبرة بحسب قرار المحكمة) حتى يكون القاضي بعيداً عن (اللمز والغمز والشكوك) التي يثيرها الخصوم وغيرهم بان القضاة يبالغون في تحديد اتعاب الخبراء حتى يقاسم القضاة الخبراء اتعابهم، علاوة على أنه ينبغي أن لايقوم الخصوم مباشرة بسداد اتعاب الخبراء الى الخبراء يداً بيد اتقاءً للشبهات وتنزيها لاعمال الخبراء وحيادية ومهنية اعمالهم . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص ٢٥٤)، والله أعلم. 

تعليقات