إعسار من تجب له الوصية الواجبة في القانون اليمني

إعسار من تجب له الوصية الواجبة في القانون اليمني

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

https://t.me/AbdmomenShjaaAldeen

اشترط قانون الأحوال الشخصية اليمني لإستحقاق  اولاد الابن الوصية الواجبة أن يكون أولاد الابن فقراء وأن يترك الجد (خيراً) أي تركة تزيد عن حاجة ورثته.

ومن المقرر في الفقه والقانون والقضاء ان اولاد الابن اذا كانت احوالهم المالية متفاوتة فيمابينهم من حيث الإيسار والإعسار أو الفقر والغني أي أن بعضهم فقراء وبعضهم الاخر غير فقراء ، فلايستحق الوصية الواجبة الا من كان فقيرا بالفعل وقت وفاة المورث، فالوصية الواجبة تكون مستحقة لمن تحققت فيه شروطها  وقت وفاة المورث الذي يعد وفقا للقانون موصيا بالوصية الواجبة حتى لو صار اولاد  الابن اغنياء بعد ذلك.

 ومن مظاهر فقر أولاد الابن أن يكونوا معسرين لا دخل لهم او لهم دخل دائم لكنه لا يكفيهم خلال  الفترة من الدخل الى الدخل أو من الحول الى الحول ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 4/7/2006م في الطعن رقم (29068)، فقد قضى الحكم الابتدائي: (بوجوب الوصية الواجبة للمدعي... من بعد جده....، لأن لدى المدعي من أموال لا تكفي لإعالته وأسرته من الدخل إلى الدخل ، مما يدل على فقره وإستحقاقه للوصية الواجبة من بعد جده...)، وقد قضت الشعبة الشخصية بتأييد الحكم الابتدائي ، (لأن المستأنف ضده قد اثبت حالة الفقر والعوز، ولذلك فإن ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه يتفق مع الأدلة والمادة (259) أحوال شخصية)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (وحيث أن الحكم الاستئنافي قد جاء موافقاً من حيث النتيجة لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء لما علل به واستند عليه في قضائه بتأييد الحكم الابتدائي)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى الإعسار والإيسار في قانون الأحوال الشخصية اليمني:

نصت المادة (166) أحوال شخصية على أنه: (في حكم النفقة يعتبر الشخص مؤسراً إذا كان يملك من المال زائداً على ما يكفيه هو ومن تلزمه نفقته ممن هو أخص من القريب المعسر إلى وقت الدخل الدائم الذي يدخل عليه من وظيفة أو غلة أو تجارة أو صناعة، وينفق على القريب المعسر من الزيادة، وإن لم يكن له دخل دائم فإلى الحول ينفق من الزيادة على كفاية الحول، ويعتبر الشخص معسراً إذا كان عكس ما سبق ولا يعطى إلا إذا لم يبق له قوت يوم وليلة).

ومعنى هذا النص أن أولاد الإبن يكونوا معسرين في الحالات الآتيتين :

الحالة الأولى: إذا لم يكن لهم دخل مطلقاً – أي ليس لديهم دخل دائم شهري أو سنوي أو ربع سنوي أو نصف سنوي، أي أنهم لا يحصلوا على راتب دائم من وظيفة أو ربح دائم من تجارة أو اجرة دائمة من مهنة او عقار أو غلات وثمار دائمة من أرض زراعية، فعدم وجود الدخل الدائم يجعل أولاد الابن معسرين يستحقوا الوصية الواجبة .

كذلك الحال يكون  اولاد الابن معسرين إذا كان لديهم  دخل غير منتظم أي متقطع يحصلوا  عليه باوقات غير منتظمة مثل الأجور غير المنتظمة او المساعدات وغيرها التي يحصلوا عليها بأوقات غير منتظمة.

الحالة الثانية: إذا كان لدى أولاد الابن دخل أو دخول دائمة لكنها لا تكفيهم خلال الفترة ما بين الدخل والدخل مثل وجود راتب شهري لا يكفيهم إلا لبعض الشهر اي لايكفيهم خلال الفترة مابين الراتب والراتب الذي يليه ، أو حصولهم على غلات أو عائدات منتظمة أو غير منتظمة ولكنها لا تكفيهم خلال الفترة ما بين الدخل والدخل أي مابين الغلة والغلة التي تليها، وقد كانت هذه الحالة هي التي اعتمدها الحكم محل تعليقنا في القضاء بان دخل أولاد الابن لا يكفيهم خلال الفترة ما بين الدخل والدخل إذ كان يكفيهم لبعض الفترة فقط.

ونخلص من هذا الوجه إلى القول ان الموسرهو الذي لديه دخل دائم يكفيه خلال الفترة مابين الدخل والدخل أو الحول والحول.

الوجه الثاني: شرط فقر أولاد الابن لإستحقاق الوصية الواجبة في القانون اليمني:

نصت المــادة(259) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على أنه( اذا توفى  اي من الجد أو الجدة عن ولده أو أولاده الوارثين وعن اولاد ابن أو أبناء الأبناء مانزلوا  وكانوا فقراء وغير وارثين لوفاة آبائهم في حياته وقد خلفوا خيرا من المال ولم يقعدهم  ، فيرضخ لهم مما خلفه بعد الدين كالتالي :-1—لبنات الأبن الواحدة أو أكثر مثل نصيب بنات الأبن الارثي مع بنت الصلب وهو السدس _2_ للذكور من اولاد الأبن الواحد اذا انفردوا أو مع اخواتهم بمثل نصيب ابيهم لو كان حيا بما لايزيد على الخمس. _3_ اذا تعدد  المتوفون من الابناء عن اولاد لهم بنين وبنات فلكل صنف منهم مثل نصيب ابيهم لو كان حيا بحيث لا يزيد مايرضخ لمجموع الأصناف على الثلث، وفي كل الحالات الثلاث يشترط ان لاتزيد حصة الذكر أو الأنثى الواحد من اولاد المتوفين على حصة الذكر الواحد أو البنت من اولاد الصلب والا ألغيت الزيادة  واقتصر لهم على مايتساوون به مع اولاد او بنات الصلب ، ويشترك المتعددون فيما تعين لهم  لكل بقدر أصله  ، وللذكر مثل حظ الانثيين، ويحجب كل اصل  فرعه، وتقدم الوصية الواجبة على غيرها من الوصايا التبرعية) .

ومن المعلوم أن الوصية الواجبة تكون مستحقة لمن تحققت فيه شروطها  وقت وفاة المورث الذي يعد وفقا للقانون موصيا بالوصية الواجبة ، ومؤدى ذلك انه يجب أن يكون المطالب بالوصية فقيرا وقت وفاة المورث الذي يعد الموصي بالوصية الواجبة حتى لو تغيرت حالة اولاد الابن المالية بعد ذلك من الفقر الى الغنى ، ولذلك يجب على المطالب بالوصية الواجبة ان يثبت انه كان فقيرا بالفعل وقت وفاة المورث.

الوجه الثالث: شرط فقر أولاد الابن لإستحقاق الوصية الواجبة وعلاقته بإعسار اولاد الابن:

لم يعرف قانون الأحوال الشخصية اليمني الفقير المستحق للوصية الواجبة، ولذلك فإن المرجع في ذلك كتب الفقه الإسلامي التي عرفت الفقر والفقير بصفة عامة

 فالفقيرفي اللغة هو المحتاج ، وهو ضدَّ الغِنَى، والفقير: مكسور فقار الظَّهر، وهو مشتقٌّ من انفقار الظَّهر، أي انكسار فقاره، فكأنَّ الفقير مكسور الظَّهر من شدَّة حاجته، والفقير هو الَّذي يجد ما يأكل، والمسكين مَنْ لَا شيء له.

والقول المناسب في العصر الحاضر هو القول : أنَّ حدَّ الفقر  : هو عدم ملك الإنسان لما يكفيه مـن مال مع تقييد هذا الحدِّ أيضًا بعدم القدرة على الكسب والعمل ، ليخرج بذلك المسكين الَّذي يأتيه مال لا يكفيه مع كونه يعمل، وبناء على ذلك فان ولد  الابن الفقير الذي يستحق الوصية الواجبة هو الذي ليس لديه مال دائم يكفيه لتلبية ضرورياته وإحتياجاته ، مع التاكيد على ان مفهوم فقر اولاد الابن نسبي يختلف بإختلاف الاحوال المالية والاقتصادية والاجتماعية لأولاد الابن حسبما سبق بيانه في تعليق سابق.

ومن خلال ماسبق في هذا الوجه يظهر أن الإعسار صورة من صور فقر أولاد الابن، لان  اولاد الابن المعسرين  هم الذين ليس لهم مال دائم أو ليس لديهم دخل دائم  يكفيهم من الدخل الى الدخل أو من الحول الى الحول حسبما سبق بيانه .

علما بان اولاد الابن اذا كانت احوالهم المالية متفاوتة فيمابينهم من حيث الإيسار والإعسار أو الفقر والغني أي أن بعضهم فقراء وبعضهم الاخر غير فقراء ، فلا يستحق الوصية الواجبة الا من كان فقيرا بالفعل وقت وفاة المورث . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، صـ282).

الوجه الرابع: تفاوت أولاد الابن من حيث الإيسار والإعسار بحسب مستواهم الاجتماعي والاقتصادي:

سبق القول: ان اولاد الابن اذا كانت احوالهم المالية متفاوتة فيمابينهم من حيث الإيسار والإعسار أو الفقر والغني أي أن بعضهم فقراء وبعضهم الاخر غير فقراء ، فلايستحق الوصية الواجبة الا من كان فقيرا بالفعل وقت وفاة المورث ، وقد بينت المادة (166) أحوال شخصية  متى يكون  الانسان موسرا ومتى يكون معسرا، فقد نصت هذه المادة على أنه: (في حكم النفقة يعتبر الشخص مؤسراً إذا كان يملك من المال زائداً على ما يكفيه هو ومن تلزمه نفقته ممن هو أخص من القريب المعسر إلى وقت الدخل الدائم الذي يدخل عليه من وظيفة أو غلة أو تجارة أو صناعة، وينفق على القريب المعسر من الزيادة، وإن لم يكن له دخل دائم فإلى الحول ينفق من الزيادة على كفاية الحول، ويعتبر الشخص معسراً إذا كان عكس ما سبق ولا يعطى إلا إذا لم يبق له قوت يوم وليلة).

فقد صرحت المادة  السابق ذكرها بأن المؤسر هو من لديه مال دائم يكفيه من الدخل الى الدخل أو من الحول الى الحول ، أما المعسر فهو الذي لا يجد مالا دائما يكفيه من الدخل  الى الدخل او من الحول إلى الحول .

 والمقصود بالكفاية في الفقه الإسلامي هو: تلبية الضروريات والاحتياجات أي أن نطاق الكفاية يشمل الضروريات والحاجيات، بل والكماليات بحسب المستوى الاجتماعي والإقتصادي  والمالي لأولاد الابن.

ولاريب أن طبيعة الضروريات والحاجيات والكماليات تختلف من شخص إلى آخر ومن وقت إلى آخر ومن زمان إلى آخر، وتبعاً لذلك فإن مفهوم الإعسار والإيسار يتفاوت من شخص الى اخر ومن وقت الى اخر ومن زمان الى اخر، وبناءً على ذلك فإن إعسار أولاد الابن غير مضطرد أي انه  نسبي.

الوجه الخامس: قيمة تركة الجد والمستوى المالي  والاجتماعي لورثته ولاولاد الابن هو المحدد الرئيسي لإيسار أو إعسار اولاد الابن ومدى إستحقاقهم أ للوصية الواجبة:

سبق القول أن المادة (١٥٩)ا اموال شخصية السابق ذكرها اشترطت لاستحقاق اولاد الابن الوصية الواجبة أن يترك الجد تركة  تتصف بانها (خيراً) أي المال الزائد .

 ومعنى ذلك أنه يتم النظر إلى المال الزائد الذي تركه الجد وكذا النظر إلى الحالة المالية لورثته من بعده- فإذا ترك الجد تركة وفيرة (خيراً) وترك ورثة أغنياء من غير التركة ، وفي الوقت  ذاته فانه يتم النظر الى الحالة المالية والاقتصادية والاجتماعية لأولاد الابن  بإعتبار ذلك من أهم محددات إستحقاق أولاد الابن للوصية الواجبة .(الوجيز في احكام الأسرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء 2016م، صـ221)، والله  اعلم.

تعليقات