الحكم بإعتبار حكم التحكيم كأن لم يكن

الحكم بإعتبار حكم التحكيم كأن لم يكن

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

صورة مقال قانوني يتحدث عن الحكم بإعتبار حكم التحكيم كأن لم يكن

محكمة الإستئناف عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم تكون محكمة قانون يقتصر دورها على التحقق من مدى تحقق حالات بطلان حكم التحكيم المدعى بها المحددة في المادة (53) من قانون التحكيم.

وقد حدد قانون التحكيم الوسيلة التي يتوسل بها الخصم في مواجهة حكم التحكيم وهي دعوى البطلان، ومن ضمن حالات البطلان حالة عدم وجود إتفاق تحكيم مكتوب، وهذه الحالة هي الحالة المتعلقة بولاية المحكم أو عدم ولايته وهي الحالة التي تجسد حالة إنعدام حكم التحكيم، ومعنى ذلك ان حالة إنعدام حكم التحكيم تندرج ضمن حالات البطلان فليست مستقلة عنها، بيد ان دعوى بطلان حكم التحكيم لها ميعاد محدد في القانون، فلاتقبل شكلا إذا انقضى ذلك الميعاد، في حين أن الحكم المنعدم لايتحصن بمضي المدة، لأن القانون لايعترف بوجوده وأن كان موجودا بالفعل، ومؤدى ذلك انه يجوز رفع دعوى إنعدام حكم التحكيم مهما مضت من مدة على صدوره.

 ولما كانت محكمة الإستئناف محكمة قانون عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم فان حكمها في دعوى البطلان يقتصر على قبول دعوى البطلان أو رفضها فاذا قبلت دعوى البطلان حكمت ايضا ببطلان حكم التحكيم واذا حكمت برفض دعوى البطلان فان معنى ذلك صحة حكم التحكيم دون ان تحكم بتاييد حكم التحكيم، فيجب على محكمة الإستئناف عند الحكم في دعوى البطلان ان تستعمل في منطوق حكمها المصطلحات القانونية المناسبة.

ومن هذا المنطلق فان مصطلح: (كأن لم يكن) مصطلح قانوني منصوص عليه في قانون المرافعات اليمني في سياق ترك المدعى لدعواه وترك المستانف لإستئنافه، ولذلك لايحق لمحكمة الإستئناف ان تذكر هذه العبارة في منطوق حكمها حينما يوالي المدعي بالببطلان دعواه امام محكمة الإستئناف، تحكم ببطلان حتى حجزها والفصل فيها من قبل محكمة الاستئناف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 31/12/2013م، في الطعن رقم (53693)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار اليه: (فأنه كان يجب على الشعبة ان تكتفي بقضائها المزبور في الفقرتين (أولا وثانيا) من منطوق حكمها دونما حاجة الى عبارة: وإعتبار حكم التحكيم كأن لم يكن)،وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: المعنى اللغوى لعبارة:كأن لم يكن:

تعني هذه العبارة في اللغة ان الشئ لاوجود له من وجهة نظر المتكلم أو الحاكم أو القانون، مع أن هذا الشئ موجود بالفعل أو سبق ان كان موجودا بالفعل، فهذه العبارة تعني عدم وجود الشئ حكماً أي عدم الوجود الحكمي للشئ مع كونه موجودا بالفعل، وبحسب هذا المعنى اللغوي يظهر ان مصطلح إستعمال عبارة (كأن لم يكن) يدل أيضا على إنعدام الحكم من الناحية اللغوية، لان الانعدام يعني عدم وجود الحكم في حكم القانون مع ان الحكم المنعدم موجود وجودإ فعليا، وبناء على ذلك يستعمل البعض عبارة (كأن لم يكن) للحكم بإنعدام الحكم المدعى بإنعدامه على أساس المعنى اللغوي مع ان المعنى القانوني للمصطلحين مختلف تماما.

الوجه الثاني: معنى كأن لم يكن في قانون المرافعات اليمني:

استعمل قانون المرافعات اليمني مصطلح (كأن لم يكن) للدلالة على شطب الدعوى إذا اهملها المدعي لمدة معينة، فقد نصت المادة (112) مرافعات في نهايتها.. على انه: (واذا بقيت الدعوى مستبعدة ستين يوما ولم يطلب احد الخصوم السير فيها شطبت واعتبرت كأن لم تكن).

كذلك استعمل قانون المرافعات مصطلح (كأن لم يكن) في مواجهة المستانف المهمل، إذا لم يحضر المستانف الجلسة الثانية بعد إعلانه إعلانين صحيحين، ففي هذا الشان نصت المادة (289) في منتصفها على انه: (وتعلن المستانف بالموعد الجديد وفقا لقواعد الاعلان فإذا لم يحضر في الجلسة التالية اعتبر إستئنافه كأن لم يكن...).

وعلى اساس ماتقدم في النصين السابقين فان مصطلح (كأن لم يكن/ أو كأن لم تكن)مصطلح خاص ينبغي إستعماله عند الحكم أو القرار بشطب الدعوى وإعتبارها كأن لم تكن او عند شطب الاسئناف وإعتباره كأن لم يكن.

الوجه الثالث: معنى الإنعدام في اللغة:

الانعدام في اللغة مستفاد من عدم الشئ حقيقة وليس حكما أي أن الشئ غير موجود في الحقيقة، فالمنعدم في اللغة غير موجود حقيقة في الواقع أي لاوجود للشئ حقيقة، فهو غير موجود في الواقع أو بالفعل .

وفي هذه المسألة يختلف الانعدام في اللغة عن الانعدام في الفقه والقانون، فالانعدام في اللغة يعني عدم وجود التصرف في الفعل والحقيقة، في حين أن الانعدام في الفقه والقانون يعني ان التصرف موجود بالفعل بيد انه غير موجود في حكم الفقه والقانون .

 فالانعدام في اللغة مستفاد من العدم وهو: ضد الوجود والمعدوم: خلاف الموجود فالمنعدم: ما يساوي صفرا، أعدمت الشيء من باب طرب على غير قياس أي فقدته، والعدم أيضا الفقر، واعدم الرجل افتقر فهو معدم (مختار الصحاح في اللغة والعلوم، تجديد صحاح الجوهري، المجلد الأول، دار الحضارة العربية، بيروت، ص 97).

الوجه الرابع: معنى الإنعدام في الفقه الاسلامي:

 الفقه الاسلامي بحق هو أول من وضع مداميك نظرية الانعدام، فقد كانت نظرية الانعدام ثمرة يانعة من ثمار تفرقة فقهاء الحنفية بين الركن والشرط في الافعال والتصرفات، فالفعل أو التصرف لاوجود له إذا تخلف ركنه، لأن الركن بشكل ماهية الشئ، اما الشرط فان الفعل اوالتصرف يكون موجودا ولو تخلف الشرط، فيكون وجود الفعل أو التصرف وجودا معيبا إذا تخلف الشرط.

 وعلى هذا الاساس المتين السليم فرق فقهاء الحنفية بين التصرف الباطل لتخلف ركنه، وبين التصرف الفاسد لتخلف شرطه، فالتصرف الباطل عند الحنفية هو التصرف المنعدم في مصطلح رجال القانون والتصرف الفاسد هو الباطل في مصطلح رجال القانون.

وقد اخذ القانون الفرنسي نظرية الانعدام من الفقه الاسلامي كما هي مثلما ذكر الفقيه الفرنسي العميد (ديجيه)، ونحن المسلمون آخذنا نظرية الانعدام من القانون الفرنسي دون ان ننسب الفضل لأهله وهو الفقه الاسلامي العظيم. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، 67).

 الوجه الخامس: معنى الإنعدام في الفقه القانوني:

 عرف قانون المرافعات اليمني الإنعدام في نطاق العمل القضائي، وذلك في المادة (55) التي نصت على ان (الإنعدام وصف قانوني يلحق العمل القضائي فيجعله مجردا من جميع اثاره الشرعية والقانونية، ولايحكم به إلا في الاحوال المنصوص عليها في هذا القانون).

ولذلك فان فكرة الانعدام في قانون المرافعات أضيق نطاقا منها في الفقه الاسلامي الذي طبقها في كل الافعال والتصرفات تقريباً، وليس هذا القصر عيبا في قانون المرافعات اليمني، فهو قانون النظام القضائي الذي يختص بتنظيم العمل القضائي، وبناء على ذلك فقد اقتصر إهتمامه على الإنعدام في العمل القضائي. وتبعا لذلك فقد اقتصر إهتمام الفقه القانوني الوضعي على الإنعدام في العمل القضائي.

ولما كان القانون يرتب أثاراً معينة على عمل معين مما يفترض وجودهذا العمل، لذلك لابد من معرفة العناصر اللازمة لوجود العمل وتلك العناصر اللازمة لصحة العمل، وبمعنى أدق متى يكون العمل منعدما ؟

وفي هذا الشان لم يكن هناك اتفاق بين فقهاء قانون المرافعات الذين يأخذون بفكرة الانعدام، فقد اختلفوا في هذا الشان إلى اتجاهين، الأول: يأخذ بفكرة الانعدام المادي بينما يأخذ الاتجاه الأخر بفكرة الانعدام القانوني، وبيان ذلك كماياتي:

الاتجاه الأول: فكرة الانعدام المادي:

 يطلق البعض ممن يأخذون بالانعدام في الفقه الإجرائي، على هذه الفكرة، بفكرة الانعدام المادي(materille) أو الفعلي (de fait)، وذلك لأنه في حالة الانعدام لا توجد مادية العمل، وان العمل القانوني يعتبر منعدما أذا تخلف احد عناصره التي بغيرها لا يتصور وجوده من الناحية المنطقية ومن ثم من الناحية المادية، فيرجع في تحديد عناصر الوجود إلى المنطق وليس إلى النصوص القانونية، وتظهر هذه الفكرة في تعريف بعض هذه الاتجاه للعمل المنعدمفقد عرفوه: بأنه العمل الذي لا يشتمل على عناصر واقعية تفرضها طبيعته وموضوعه وبغيرها من المستحيل منطقيا تصور وجوده)) ومن الأمثلة التي تساق للانعدام المادي - حكم لا يشتمل على قرار- إعلان صحيفة بيضاء بغير أي بيان – حكم يصدر من شخص لم يكن قاضيا - عدم أمضاء القاضي على الحكم .

ويميز الفقه والقضاء بين أركان الحكم ومقومات وجوده وبين مقتضيات صحته ويعتبرون إن أركان الحكم هي أساس وجوده وبدونها يتجرد الحكم من العناصر الجوهرية اللازمة لتكوينه ويفقد صفته كحكم وهو ما يعني انعدامه، أما مقتضيات صحة الحكم، فهي الشروط التي يستلزم توافرها في هذه الأركان، ويبدو لنا إن هذا الاتجاه، وان كان يأخذ بفكرة الانعدام إلا انه قد ابتعد في تصوره عن الصحة، فالحكم المنعدم غير موجود قانونا، فهو كعمل إجرائي يمر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى يوجد فيها بتوافر أركان نشوئه، ثم تليها مرحلة الصحة حيث تتوافر شروط صحته، ومن ثم مرحلة ترتيب الآثار القانونية، وحتى يوصف بالصحة والبطلان لابد أن يوجد أولا من الناحية القانونية، فإذا لم يوجد فهو منعدم قانونا، ولا تأثير بعد ذلك لوجوده المادي من عدمه، كما انه ليس من الصحة في شي أن يقال بانعدام وجوده المادي مع انه قد وجد بالفعل.

الإتجاه الثاني: فكرة الانعدام القانوني:

وفقا لهذه الفكرة يتم البحث لتحديد العناصر اللازمة لوجود العمل من الناحية القانونية، فالقانون هو الذي يحدد عناصر الوجود التي إذا تخلف احدها يعتبر العمل منعدما، فثمة عيوب أذا شابت الحكم أفقدته كل قيمة في نظر القانون أي جردته من مدلول الحكم، فيوصف بأنه منعدم.

ولما كانت النصوص القانونية يتم الرجوع إليها في تحديد عناصر الوجود كما يتم الرجوع إليها في تحديد عناصر الصحة، وهي لم تحدد تحديدا دقيقا في تلك النصوص لذا اختلف أنصار هذه الفكرة بهذا الشأن، فذهب بعضهم إلى إن ((الحكم يعتبر منعدما من الناحية القانونية أذا خالف قاعدة من القواعد المتعلقة بالنظام (العام)) وقد أخذت محكمة النقض المصرية بهذا الاتجاه فذهبت إلى ان عدم انعقاد الخصومة أصلا بين طرفيها يجرد الحكم من احد أركانه مما يجوز معه التمسك بانعدامه))

ولاشك هذا الرأي شديد الحماس لهذه الفكرة مما دعاه إلى المغالاة والتوسع فيها إلى درجة شمول الانعدام إلى كل الأحوال التي تتعلق بمخالفة القواعد التي تعد من النظام العام، ومما لا يخفى إن تلك القواعد ((يكاد يكون الاتفاق معدوما على تبني ضابط مستقر لها، وكذلك خلت نصوص القوانين في أكثر الدول من تعريف جامع مانع يحدد المقصود بفكرة النظام العام)) .

وفي الاتجاه ذاته عرف اخرون الحكم المنعدم بانه ((الحكم الذي افتقد منذ الأساس سببا جوهريا من أسباب تكوينه وهو بذلك لم يتكون ولم يوجد)) وعلى ما نرى إن هذا التعريف معيب كسابقه من حيث عدم توخي الدقة في الصياغة الفنية والقانونية، فانه إذا كان المقصود بالسبب الجوهري الذي أورده التعريف احد العناصر الجوهرية التي تمتد إلى كيان الحكم، فهو دون شك يختلف عن ركن الحكم الذي ينعقد به وان كان تخلف أي منهما يؤدي إلى انعدام الحكم، لذا فأنه يكون قد اغفل حالة انعدام الحكم بفقدان احد أركانه مع إنها اشد الحالات إمعانا بالانعدام ولا يمكن أن يكون العكس، فهذا الأمر لا يستقيم، من إن ركن الشيء جزء من حقيقته وماهيته وان ما ذكر من كونه من العناصر أو الأسباب الجوهرية (كما جاء بالتعريف) يدل دلالة واضحة على عدم التمييز بينهما وهذا ما يعكسه التعريف من تصور خاطئ وقصور في البيان لا يحمد عليه.

وهناك رأي يقول ((إن الحكم المعدوم هو الحكم الذي يولد ميتا بسبب العيب الخطير الذي لحقه وامتد إلى كيانه وهبط به إلى درك الانعدام وأزاله)) .

وما يلاحظ على هذا التعرف التناقض وعدم الدقة، فهو بعد أن ذهب إلى إن الحكم يكون معدوماً بسبب العيب الخطير الذي لحقه، وهو ما قصد به المؤثر الخارجي الذي اعدم الحكم عاد وذهب إلى القول إن هذا العيب هبط بالحكم إلى درك الانعدام في حين إن الانعدام ينشأ عن العيب الذاتي الذي يعتري الحكم كما وانه أوسع في المعنى من الحكم المعدوم، إضافة إلى إن هذا الرأي لم يبين ماهية العيب الخطير الذي يفقد الحكم صفته، فهو وان اخذ بفكرة الانعدام إلا انه لم يصب كبد الحقيقة المتوخاة منها.

ومع اختلاف التعريفات التي سيقت فأن أصحاب هذا الاتجاه من الفقهاء يوردون العديد من الأمثلة لحالات الحكم المنعدم ويذكرون منها:

ا- إذا صدر الحكم من شخص لا يعتبر قاضيا.

ب- إذا صدر الحكم من قاض دون إن يحلف اليمين القانونية.

ج - إذا صدر الحكم من قاض لا يمتلك ولاية القضاء.

د - إذا صدر الحكم من محكمة غير مختصة.

هــ إذا صدر الحكم من قاضي حجر عليه.

و- إذا صدر الحكم شفاها دون أن يتم تحريره

ي - إذا صدر الحكم من قاض مسحوب اليد.

ز- إذا صدر الحكم من قاضيين بدلا من ثلاثة وكان النصاب القانوني لتشكيل المحكمة ثلاث قضاة.

ح-اذا صدر الحكم من القاضي بعد نقله أو عزله.

ومن خلال الموازنة بين الاتجاهين السابقين فان فكرة الانعدام المادي التي قال بها الاتجاه الأول هي فكرة غير موفقة في تحديد انعدام الحكم القضائي، فهذه الفكرة قد استندت إلى حجج تدل على عدم وضوح مفهوم الانعدام للعمل الإجرائي لدى اصحاب هذا الاتجاه، وذلك لاعتماده على المنطق في تحديد عناصر وجود العمل الإجرائي، في حين يقصد بالانعدام لهذا النوع من العمل عدم وجود الإجراء من الناحية القانونية، فالإجراء حتى وان كان موجودا من الوجهة المادية، فأنه يعتبر هو والعدم سواء من الناحية القانونية، فالانعدام جزاء يترتب على واقعة لها وجود مادي، لان القانون لا يعتد بذلك الوجود طالما إن الأثر القانوني لها لم يعد له وجود ((فالعمل الإجرائي هو العمل القانوني الذي يترتب عليه مباشرة أثرا إجرائيا ويكون جزءا من خصومة))، ومن ثم فأن البداية التي انطلق منها هذا الاتجاه كانت غير صحيحة والمقدمات غير الصحيحة تقود إلى نتائج غير صحيحة، وهذا ما كان في موقف هذا الاتجاه وهو ما لم يذهب إليه

اما الاتجاه الثاني الذي اخذ بفكرة الانعدام القانوني برغم الاضطراب الذي أوردته التعريفات التي قال بها أنصاره إلا انه أوفر نصيبا بالتأييد والقبول .

ومن خلال ما تقدم يمكن تعريف الحكم المنعدم: ((الحكم الذي اعتراه عيب ذاتي أصاب انعقاده أو كيانه وافقده أحد أركانه أو مقوماته كحكم قضائي وجعله مجرداً من جميع الآثار القانونية والذي يكفي التمسك بإنكاره أو الحكم بانعدامه في كل الأحوال التي يثبت فيها ذلك .(فكرة الحكم المنعدم في قانون المرافعات، د. علي عبد الحسين منصور، ص12).

الوجه السادس: الحكم في دعوى البطلان:

إذا قام المدعي بالبطلان بموالاة ومتابعة دعوى البطلان أمام محكمة الإستئناف وحضر جلسات الشعبة هو أو وكيله، فعندئذ تكون محكمة الإستئناف عند نظرها لدعوى بطلان حكم التحكيم تكون محكمة قانون يقتصر دورها على التحقق من مدى توفر حالات بطلان حكم التحكيم المدعى بها المحددة في المادة (53) من قانون التحكيم، فإذا ثبت لمحكمة الإستئناف وجود إحدى حالات البطلان فانها تحكم بقبول دعوى البطلان ومن ثم بطلان الحكم المدعى ببطلانه وأن لم يثبت لها وجود حالة من حالات البطلان حكمت برفض دعوى البطلان، ويترتب على ذلك صحة حكم التحكيم.

وقد حدد قانون التحكيم الوسيلة التي يتوسل بها الخصم في مواجهة حكم التحكيم وهي دعوى البطلان إذا ثبت وجود حالة من حالات البطلان، ومن ضمن حالات البطلان حالة عدم وجود إتفاق تحكيم مكتوب، فهذه الحالة هي الحالة المتعلقة بولاية المحكم أو عدم ولايته وهي الحالة التي تجسد حالة إنعدام حكم التحكيم، ومعنى ذلك ان حالة إنعدام حكم التحكيم تندرج ضمن حالات البطلان فليست مستقلة عنها، بيد ان دعوى بطلان حكم التحكيم لها ميعاد محدد في القانون، فلاتقبل شكلا إذا انقضى ذلك الميعاد، في حين أن الحكم المنعدم لايتحصن بمضي المدة، لأن القانون لايعترف بوجوده وأن كان موجودا بالفعل، ومؤدى ذلك انه يجوز رفع دعوى إنعدام حكم التحكيم مهما مضت من مدة على صدوره.

بيد ان محكمة الاستئناف عند حكمها في دعوى البطلان ملزمة قانونا بإستعمال المصطلحات القانونية المناسبة المقررة في القانون، وهي الحكم بقبول دعوى البطلان ومن ثم بطلان حكم التحكيم فليس لها أن تستعمل في حكمها مصطلح إعتبار حكم التحكيم كأئن لم يكن .

واذا ثبت لمحكمة الإستئناف عدم وجود حالة من حالات بطلان حكم التحكيم فأنها تحكم برفض دعوى بطلان حكم التحكيم ومن ثم صحة حكم التحكيم، فليس للشعبة ان تستعمل مصطلح تاييد حكم التحكيم أو تستعمل هذا المصطلح عند الحكم برفض دعوى البطلان.

الوجه السابع: قرار محكمة الاستئناف بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن إذا لم يقم المدعي بموالاة اجراءات الدعوى:

 في الوجه السابق ذكرنا المصطلحات القانونية التي تستعملها محكمة الإستئناف عند فصلها في دعوى بطلان حكم التحكيم إذا قام المدعي بالببطلان بموالاة ومتابعة دعوى البطلان أمام محكمة الإستئناف حتى تم الفصل فيها.

اما إذا لم يقم المدعي بالببطلان بموالاة ومتابعة دعوى البطلان فان محكمة الإستئناف تستعمل في مواجهته اجراءات إعتبار دعوى البطلان كأئن لم تكن وتحكم عليه باعتبار دعواه كأئن لم تكن مثلما تستعملها المحكمة في مواجهة المستانف المهمل.

وسوف نعرض احكام إعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن على النحو الاتي:

اولا: تعريف قرار محكمة الإستئناف بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن:

هو قرار تصدره الشعبة الاستئنافية التي تنظر دعوى بطلان حكم التحكيم كجزاء ينص عليه قانون المرافعات في حالة عدم تحريك المدعي ببطلان حكم التحكيم لدعواه فترة من الزمن، وبمقتضى القرار باعتبار الدعوى كأن لم تكن تنتهي الخصومة في دعوى البطلان امام محكمة الاستئناف من غير أن تفصل المحكمة في موضوع دعوى البطلان، فالقرار باعتبار دعوى بطلان حكم التحكيم كأن لم تكن عبارة عن جزاء إجرائي قانوني قد يتحقق بقوة القانون وقد تحكم به من تلقاء ذاتها (نظرية الدفوع، استاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور احمد ابو الوفاء، صـ631).

ثانيا: الغرض من القرار بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن والاثار المترتبة عليه:

الغرض من هذا القرار هو حث الخصوم على موالاة ومتابعة إجراءات نظر دعوى البطلان واسراعهم في طلب الحماية القانونية لحقوقهم عن طريق الفصل في الدعاوى، ويترتب على الحكم بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن سقوط دعوى البطلان فتزول الخصومة بشأنها ويتحصن حكم التحكيم فلا تجوز إعادة رفع دعوى البطلان مرة أخرى، ومؤدى ذلك ان يصير حكم التحكيم نهائياً قابلاً للتنفيذ (قانون المرافعات، د. احمد هندي، صـ447).

ثالثا: حالات إعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن:

تحكم محكمة الاستئناف بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن في حالة إستمرار إستبعاد الخصومة، فإذا قررت المحكمة إستبعاد الدعوى ستين يوماً دون ان يطلب احد الخصوم السير فيها خلال هذه المدة بسبب تخلف المدعي بالبطلان او لتخلف جميع الخصوم عن الحضور، فان المحكمة تقرر بعدئذ إعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن حسبما ورد في المادة (112) مرافعات، كما أن بعض قوانين المرافعات تجيز للمحكمة الحكم بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن اذا لم يتم تكليف المدعى عليه بالبطلان بالحضور خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تقديم عريضة الدعوى ويتم صدور هذا القرار بناءً على طلب المدعى عليه، إلا أن قانون المرافعات اليمني لم ينص على ذلك، وقد كان من الأولى الأخذ به (دعوى بطلان حكم المحكمين، إشراق الاشعري، صـ385).

رابعا: إستبعاد دعوى البطلان قبل الحكم باعتبارها كأن لم تكن:

من خلال إستقراء المادة (112) مرافعات نجد انها تجعل قرار إستبعاد دعوى البطلان مدخلاً للحكم لاحقاً بإعتبار الدعوى كأن لم تكن، وهذا من التدرج الإجرائي، لان المدعي بالبطلان حينما يعلم بقرار المحكمة إستبعاد الدعوى سوف يبادر إلى طلب تحريكها إن كان جاداً في دعواه وان لم يبادر فان ذلك قرينة على عدم جديته وإهماله مما يبرر الحكم لاحقاً بإعتبار دعواه كأن لم تكن.

خامسا: وجوب إعلان المدعي بالبطلان وإثبات تمام الإعلان قبل الحكم باعتبار دعواه كأن لم تكن:

من خلال ما تقدم ظهر لنا الاثر الخطير للحكم بإعتبار دعوى البطلان كأن لم تكن من حيث مساس هذا الحكم بأصل حق المدعي، ولذلك فان المادة (42) مرافعات قد اشترطت تمام الإعلان للمدعي بالبطلان بإستبعاد دعواه وكذا إعلانه بالجلسات التي تعقدها المحكمة حتى يكون المدعي بالبطلان على بينة من امره، فلا يفاجا بالحكم بإعتبار دعواه كأن لم تكن من غير أن يعلم بإستبعاد دعواه أو مواعيد جلسات نظرها، ولذلك فقدزيجب إثبات تمام الإعلان إلى المدعي بالبطلان، وان تتضمن أوراق القضية ما يفيد تمام هذا الإعلان وإستلام المدعى له او بلوغه إلى علمه بحسب الإجراءات المحددة في المادة (42) مرافعات، وينبغي على القضاء التشدد في هذه المسألة لشيوع ظاهرة التلاعب في الإعلانات، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم. الجزء الثالث، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص208)، والله اعلم.

تعليقات