المخالطة بين المدعي وحالف اليمين

المخالطة بين المدعي وحالف اليمين

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

صورة مقال: المخالطة بين المدعي وحالف اليمين

يشترط الفقه الاسلامي في المدعي ان يكون مخالطا للشخص الذي يطلب منه حلف اليمين مما يكون من المحتمل وجود الواقعة أو التصرف المطلوب من الحالف الحلف عليه، وقد اخذ قانون الاثبات اليمني بهذا الشرط ، فقد نصت المادة (134) من قانون الإثبات على أنه: (يشترط في المدعي أن تكون بينه وبين الحالف مخالطة تقرب إلى الذهن صدق الواقعة المراد الحلف عليها).

 ومعنى ذلك أن تكون هناك بين المدعي والحالف علاقة أو صلة تجعل من المحتمل وجود الواقعة المتعلقة بشخص الحالف التي يطلب منه المدعي الحلف عليها أي على وقوعها أو عدم وقوعها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 10-12-2011م في الطعن رقم (46209)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وتقرر الدائرة أن نعي الطاعن في هذا السبب في غير محله، لأنه بالرجوع إلى قانون الإثبات فإن المادة (2) قد نصت على أنه يجب على الدائن إثبات الحق وعلى المدين إثبات التخلص منه ، وتكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وحددت المادة (13) إثبات طرق الإثبات؛ ومنها: اليمين وردها والنكول عنها، وعرّفت المادة (129) إثبات اليمين بأنها (حلف لإثبات الواقعة المتنازع عليها أو لنفيها تؤدى من الخصم الذي وجهت إليه بالصيغة التي تقرها المحكمة)، ووفقاً للمادة (134) إثبات فأنه: (يشترط في المدعي أن تكون بينه وبين الحالف مخالطة تقرب إلى الذهن صدق الواقعة المراد الحلف عليها) ، فالمطعون ضده طلب توجيه اليمين بموجب هذا النص)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى المخالطة بين المدعي والحالف:

تعني المخالطة بين المدعي والحالف وجود صلة أو علاقة بين المدعي والحالف تبرر إحتمال وجود الواقعة المتصلة بشخص الحالف التي يطلب المدعي من الحالف أن يحلف اليمين عليها.

 فالخلطة هنا قد تكون كما يقول الفقهاء : قد تكون في الأبدان أو في الأموال أو في الاعمال، فالخلطة في الابدان كالزمالة في العمل أو الصداقة أو الجوار ، والخلطة في الاموال كالشراكة والمعاملات المالية ، والخلطة في الاعمال ان يكون بين المدعي والحالف عمل مشترك .

 حتى يكون من المتصور في العقل ان تنجم بين الطرفين عن هذه الخلطات وقائع وتصرفات مثل البيع والشراء والإيجار والقرض والهبة والضرب والإعتداء والقتل والسب والتهديد والقذف...إلخ.

فمن خلال هذه الخلطة يتصور عقل الإنسان إحتمال وقوع التصرف أو الواقعة المطلوب من الحالف أن يحلف عليها، فينبغي ان يكون من المتصور عقلا إحتمال وجود أو وقوع الواقعة أو التصرف ، ولذلك يقال عند إنتفاء الصلة أو العلاقة بين المدعي والمدعى عليه: دعوى يكذبها الواقع. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ123).

الوجه الثاني: إتصال الواقعة بشخص الحالف:

من مظاهر الخلطة بين المدعي طالب اليمين والحالف المطلوب منه حلف اليمين إحتمال إتصال الواقعة بشخص الحالف، فيجب أن تكون الواقعة المطلوب من الحالف ان يحلف عليها أن يكون من المحتمل إتصالها بشخص الحالف أي ان يكون للحالف صلة بها صلة شخصية، كأن تكون الواقعة أو التصرف قد صدر من الحالف شخصياً كبيع أو هبة أو تنازل او إعتداء أو سب أو قذف...إلخ.

الوجه الثالث: إتصال الواقعة بشخص الحالف وإتصال الواقعة بعلم الشاهد:

في الوجه السابق ذكرنا أنه: من مظاهر الخلطة بين المدعي والحالف أن تكون الواقعة المطلوب من الحالف أن يحلف عليها ان تكون متصلة بشخص الحالف وليس بعلمه، أي ان تكون الواقعة المطلوب من الحالف الحلف عليها متعلقة به شخصياً، في حين أن من شروط الشاهد أن يكون عالماً بالواقعة التي يشهد عليها عن طريق مشاهدته للواقعة أو سماعه للقول.

فلايجوز للشاهد أن يشهد على واقعة متعلقة به ، فلو تعلقت الشهادة بشخص الشاهد لما جازت شهادته، لأنه لا يجوز للشخص أن يشهد على فعل نفسه، وهنا يظهر الفرق بين الحالف والشاهد.

فالمدعي حينما يطلب من المدعى عليه ان يحلف اليمين يريد حسم النزاع بشأن الواقعة المدعى بها المتعلقة بشخص الحالف، بخلاف يمين الشاهد التي تكون على قول الحق في شهادته. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، صـ247).

الوجه الرابع: حدود المخالطة بين المدعي والحالف:

نصت المادة (134) من قانون الإثبات اليمني على أنه: (يشترط في المدعي أن تكون بينه وبين الحالف مخالطة تقرب إلى الذهن صدق الواقعة المراد الحلف عليها).

 فقد وضح هذا النص حدود المخالطة بين المدعي والشاهد ، وهي أن تؤدي هذه المخالطة إلى ان يكون من المحتمل أو من المتصور في الذهن إتصال الواقعة أو التصرف المدعى به بالشخص المطلوب حلفه اليمين عليها.

 ونص قانون الإثبات اليمني السابق ذكره يماثله نص في مجلة الأحكام العدلية العثمانية المستفادة من الفقه الإسلامي وتحديداً من الفقه الحنفي.

وقد ساق الفقه الإسلامي امثلة وشواهد كثيرة لعدم إمكانية التصور الذهني للمخالطة التي لايحتمل معها وقوع التصرف أو الواقعة وإتصالها بالشخص المطلوب منه حلف اليمين ، فمثلاً لا تتصور المخالطة بين شخص وشخص لا يتعارفا أو تعارفا بصورة عابرة أو تدل ظروف الحال على عدم إمكانية الخلطة بينهما، فلا يقبل طلب اليمين من شخص ثبت أنه كان موجوداً في مكان آخر في الوقت الذي أدعى فيه المدعي بان الواقعة أو التصرف قد وقع في مكان آخر، أو إذا أدعى المدعي بان المحرر منسوب لشخص أمي أو اقطع، فإذا دلت القرائن على عدم إتصال الواقعة أو التصرف بالشخص المطلوب منه حلف اليمين فلا يقبل طلب اليمين لعدم المخالطة بين المدعي والحالف. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2025م، ص١٢٥)، والله أعلم.

تعليقات