الطعن في الحكم الذي تم تنفيذه معجلاً

الطعن في الحكم الذي تم تنفيذه معجلاً

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

صورة مقال: الطعن في الحكم الذي تم تنفيذه معجلاً

التنفيذ المعجل للحكم يتم بقوة القانون وليس بإرادة المنفذ ضده، وتبعاً لذلك فإن التنفيذ المعجل للحكم لا يحول دون قيام المحكوم عليه بالطعن في الحكم بعد تنفيذه معجلاً إذا لم يكن المحكوم عليه قد وافق على التنفيذ المعجل.

لأن التنفيذ الذي يسقط حق المحكوم عليه في الطعن هو التنفيذ الإختياري الذي يقوم به المحكوم عليه من تلقاء نفسه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24-12-2011م في الطعن رقم (46429)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد نعى الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون ، لأنه قبل إستئناف الحكم الابتدائي بعد أن تم تنفيذه تنفيذاً معجلاً، وهذا النعي غير مقبول، لأنه عملاً بالمادة (335) مرافعات تكون الأحكام وأوامر الأداء الصادرة في المسائل التجارية واجبة التنفيذ، وعليه فإن التنفيذ المعجل لا يعني حرمان المحكوم عليه من الطعن بالاستئناف في الحكم الابتدائي، والقول بغير ذلك يعني الجهالة بالقانون وقواعد العدالة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:


الوجه الأول: ماهية التنفيذ المعجل لبعض الأحكام القضائية:

التنفيذ المعجل هو: الآليةالقانونية التي تتيح تنفيذ الأحكام القضائية الابتدائية بطريقة سريعة وفاعلة دون حاجة لإنتظار صيرورة الحكم المطلوب تنفيذه نهائيًا أو باتًا.

والتنفيذ المعجل إستثناء من القاعدة العامة التي تقضي بعدم جواز تنفيذ الحكم أو الأمر مادام الطعن فيه بالإستئناف جائز ، وفي هذا المعنى نصت المادة (334) مرافعات على أن (التنفيذ المعجل هو: تنفيذ حكم أو أمر أداء استثناءً من القاعدة العامة التي تقضي بعدم جواز تنفيذ سند تنفيذي ما دام الطعن فيه بالاستئناف جائزاً) 

فالأصل أن الاحكام والأوامر الصادرة من المحاكم الابتدائية قابلة للاستئناف إعمالاً لمبدأ التقاضي على درجتين، غير أنه يستثنى من هذا الأصل بعض الأحكام والأوامر نظراً لطبيعة هذه الاحكام ، ولمقتضيات السرعة في تنفيذها كالأحكام والأوامر الصادرة في المسائل التجارية التي تقتضي ان يتم يتم تنفيذ الأحكام الصادرة فيها تنفيذا معجلا نظرا لمقتضيات التجارة والأعمال التجارية التي تقوم على السرعة والثقة والائتمان.

وكذا يتم التنفيذ المعجل بقوة القانون وبغير شرط الكفالة للأحكام الصادرة في الحضانة والولاية والنفقة والسكن ،لأنها تتعلق بضروريات واحتياجات المحكوم لهم أو من تقررت لمصلحتهم تلك الاحكام.

 وإضافة إلى الأحكام والأوامر السابقة التي صرح القانون بأنها واجبة التنفيذ المعجل بقوة القانون، فهناك أيضاً أحكام وأوامر يجوز للمحكمة أن تأمر بتنفيذها تنفيذاً معجلاً شريطة أن يقدم طالب التنفيذ الكفالة اللازمة.

الوجه الثاني: الأحكام الواجب تنفيذها معجلاً بقوة القانون بشرط تقديم الكفالة:

حددت المادة (335) مرافعات الأحكام التي يجب على قاضي التنفيذ بقوة القانون تنفيذها تنفيذاً معجلاً إذا طلب منه المحكوم له ذلك شريطة أن يقدم طالب التنفيذ الكفالة اللازمة، إذ نصت الفقرة (1) من المادة (335) مرافعات على أن: (تكون الأحكام والأوامر التالية واجبة التنفيذ المعجل فور صدورها وبقوة القانون: -1- الأحكام وأوامر الأداء الصادرة في المسائل التجارية بشرط الكفالة.)

الوجه الثالث: الأحكام الواجب تنفيذها معجلا بقوة القانون من غير تقديم الكفالة:

حددت الفقرة (2) من المادة (335) مرافعات الأحكام التي يجب على قاضي التنفيذ بقوة القانون تنفيذها تنفيذاً معجلاً إذا طلب منه المحكوم له ذلك من غير كفالة، إذ نصت الفقرة (2) من المادة (335) مرافعات على أن: (تكون الأحكام والأوامر التالية واجبة التنفيذ المعجل فور صدورها وبقوة القانون: -2- الأحكام الصادرة بالنفقة أو سكن المحكوم له بها أو بأجرة الحضانة أو الرضاعة أو تسليم الصغير لأمه أو وليه أو رؤية أياً منهما). 

 فهذه الاحكام تكون واجبة التنفيذ المعجل بحكم القانون، من غير حاجة الى تقديم كفالة، لأن النص القانوني السابق صرح بأنها واجبة التنفيذ تنفيذاً معجلاً من غير أن يشترط الكفالة بخلاف الأحكام والأوامر الصادرة في المسائل التجارية التي اشترط النص تقديم الكفالة حسبما سبق بيانه.)

الوجه الرابع: الأحكام التي يجوز للمحكمة أن تأمر بتنفيذها معجلاً (التنفيذ المعجل الجوازي) شريطة تقديم الكفالة:

وهي الأحكام التي يجوز للمحكمة أن تأمر بتنفيذها تنفيذاً معجلاً شريطة أن يقوم طالب التنفيذ بتقديم الكفالة اللازمة، فالتنفيذ المعجل في هذه الحالات لا يقع بحكم القانون وانما بأمر المحكمة ، وقد حددت المادة (336) مرافعات الأحكام التي يجوز للمحكمة أن تأمر بتنفيذها تنفيذا معجلا شريطة تقديم الكفالة من طالب التنفيذ ، إذ نصت المادة (336) مرافعات على أنه (يجوز للمحكمة أن تأمر بتنفيذ الأحكام الصادرة في المسائل الآتية معجلاً وبشرط الكفالة: -1- إذا كان المحكوم عليه قد أقر بنشأة الإلتزام أو جزء منه. -2- إذا كان الحكم قد صدر بناءً على سند رسمي لم يطعن بتزويره أو سند عرفي لم تقم بشأنه منازعة -3- إذا كان الحكم صادراً في مرتب أو معاش أو أجر أو تعويض -4- إذا كان يترتب على تأخير تنفيذ الحكم ضرر جسيم.)

الوجه الخامس: حالات سقوط الطعن في الحكم:

نصت المادة (273) من قانون المرافعات اليمني على أنه: (لا يجوز أن يطعن في الأحكام إلا المحكوم عليهم ولا يجوز أن يطعن فيها من قبل الحكم صراحة في محضر الجلسة أو في جلسة لاحقة أو ممن قام بتنفيذ الحكم من تلقاء نفسه خلال مدة الطعن، ولا ممن حكم له بكل طلباته.)

ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق يظهر أنه قد حدد حالات سقوط حق المحكوم عليه في الطعن في الحكم، وذلك كما يأتي:

  • 1- قبول الخصم بالحكم: 

    عن طريق قيام الخصم بإعلان قبوله بالحكم أو تشريفه للحكم أو التزامه بتنفيذ الحكم أو إحترامه لما قضى به الحكم، وقد يكون هذا القبول باللفظ أو شفاهة بحضور شهود على ذلك ، وقد يكون القبول كتابة في محضر جلسة النطق بالحكم، أو في ورقة مستقلة.

وقد يصدر قبول المحكوم عليه بالحكم وقت النطق بالحكم أو عند صدور الحكم وإستلامه لنسخة من الحكم ، وقد يصدر القبول حين تنفيذ الحكم.
بيد أنه لا يجوز القبول المسبق بالحكم ،كما يحدث عند قيام الخصوم بتحكيم المحكم، وذلك عندما يكتب الخصوم في إتفاق التحكيم قبولهم المسبق بحكم المحكم عند صدوره وأنه ليس لهم حق الطعن أو الإعتراض أو المنهى، فالقبول المسبق بالحكم لا يكون معتبرا، لأن القبول بالحكم بمثابة تنازل عن حق الطعن فيه، ولا يجوز التنازل عن الحق إلا عند وجوده، فحق الطعن في الحكم أو الادعاء ببطلانه لا يتقرر إلا بعد النطق بالحكم.
  • 2- التنفيذ الإختياري للحكم من قبل المحكوم عليه:

    ويفهم ذلك من عبارة (أو ممن قام بتنفيذ الحكم من تلقاء نفسه) الواردة في النص القانوني السابق، فالمحكوم عليه حينما يقوم من تلقاء نفسه إختياراً بتنفيذ الحكم فإن ذلك يدل على رضاه الضمني وإقتناعه بما قضى به الحكم، وتنازله عن الطعن في الحكم.

  • 3- الحكم للخصم بكل طلباته:

    إذا قضى الحكم للخصم بكل طلباته الأصلية والعارضة، فلا يحق له الطعن في الحكم.

الوجه السادس: جواز الطعن في الحكم بعد تنفيذه معجلا:

إذا تم تنفيذ الحكم تنفيذاً معجلاً من غير رضاء وموافقة المحكوم عليه ، فإن ذلك يعني أن التنفيذ قد تم جبراً عن المحكوم عليه، ومؤدى ذلك أن التنفيذ في هذه الحالة لم يتم من تلقاء نفس المحكوم عليه.

وعلى ذلك فان التنفيذ المعجل إذا تم من غير رضاء وموافقة المحكوم عليه فان ذلك لايسقط حق المحكوم عليه في الطعن في الحكم الذي تم تنفيذه معجلاً. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التنفيذ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ151)، والله اعلم.

تعليقات