إذا لم يتم الإعتراض على الحكم فلا يجوز استئنافه
يتعمد المتهمون في جرائم جنائية عقوبتها الحبس عدم الحضور أمام المحكمة الإبتدائية خشية إيداعهم في اماكن الإحتجاز وتقييد حرياتهم ولعدم حضورهم تتم محاكمتهم بإعتبارهم فارين من وجه العدالة كما أن بعض المتهمين قد يحضروا بعض جلسات المحاكمة وبعد ذلك يتغيبون حتى صدور حكم المحكمة الإبتدائية في غيابهم، ولمواجهة هذه الظاهرة التي تطيل إجراءات التقاضي وتعطل إجراءات المحاكمة قضى الحكم محل تعليقنا بسقوط الإستئناف المقدم من المتهم في هذه الحالة، وهذا الحكم هو الحكم الصادر من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2006/9/9م في الطعن الجزائي رقم (26509) لسنة 1427هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم أنه (قد تبين للدائرة من خلال ما هو ثابت في الأوراق أن الطاعنين بالنقض قد صدر في حقهما حكم حضوري من محكمة أول درجة بعقوبة سالبة للحرية وذلك بالسجن لمدة ستة أشهر عقوبة تعزيرية، حيث ان الطاعن الأول حضر بعض جلسات المحاكمة وتخلف عن باقيها بدون عذر مقبول، والطاعن الثاني صدر عليه الحكم بالعقوبة ذاتها بإعتباره فاراً من وجه العدالة وفقاً لنص المادة (285) إجراءات، وبعد صدور الحكم الإبتدائي طعن المذكوران أمام محكمة الإستئناف وحينئذ كان يتوجب على محكمة الإستئناف ألا تنظر في استئنافهما وأن تأمر بسقوطه وفقاً لأحكام المادتين (425) و (293) إجراءات وذلك لصدور حكم ابتدائي في حقهما بعقوبة سالبة للحرية واجبة النفاذ، ولأنهما لم يتقدما إلى الجهة المختصة بالتنفيذ قبل اليوم المحدد لنظر استئنافهما ولم يكن مفرجاً عنهما وفقاً للمادة (293) إجراءات، وحيث والحال كذلك فإن عدم قيام الطاعنين بإتباع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في المادة (285) إجراءات وما بعدها وهو الإعتراض على الحكم الإبتدائي الصادر في حقهما حضورياً وطلب إعادته وتقديم ما يفيد إذا كان هناك عذر قهري منعهم من الحضور قبل الحكم ، حيث كانت محكمة أول درجة ستطلعهم على ما تم من إجراءات في غيابهم وتفصل محكمة أول درجة في هذا الإعتراض بحكم قابل للإستئناف، لذلك فإن الحكم الإبتدائي قد اصبح نهائياً في حقهما وبالتالي فلا مجال أمام المحكوم عليهما للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:
الوجه الأول: السند القانوني للحكم محل تعليقنا:
استند الحكم محل تعليقنا في تقريره عدم جواز استئناف الحكم بعقوبة سالبة للحرية إن لم يقم المتهم بتسليم نفسه أو الإعتراض على الحكم، استند إلى المادة (293) إجراءات التي نصت على أنه ( -١- يجوز للمحكمة اذا سلم المحكوم عليه الفار نفسه او قبض عليه ان تامر باطلاق سبيله بكفالة او بدون كفالة. فاذا قدم للمحكمة التي اصدرت الحكم ما يفيد قيام عذر قهري منعه من الحضور ولم يستطع تقديمه قبل الحكم توقفه المحكمة على ما تم من اجراءات في غيبته فان اعترض على اي منها وطلب اعادته تفصل المحكمة في هذا الاعتراض بحكم قابل للاستئناف فان قبلت المحكمة اعادة الاجراء ، وترتب على ذلك تغيير عقيدتها عدلت الحكم بغير اضرار بالمتهم والا ظل قائما ولا تسري احكام الفقرة السابقة في مرحلة الاستنئاف. -٢- اذا حضر المتهم الفار او قبض عليه قبل صدور الحكم توقفه المحكمة على ما تم من اجراءات في غيبته فان اعترض على اي منها وطلب اعادته تفصل المحكمة في هذا الاعتراض وتستكمل نظر الدعوى طبقا للاجراءات المعتادة ويجوز للمحكمة في هذه الحالة ان تامر بحبس المتهم احتياطيا.) كما أن الحكم محل تعليقنا قد قرر أن الإستئناف يسقط إذا لم يتقدم المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية إلى الجهة المختصة بالتنفيذ قبل يوم من استئنافه وسند الحكم في ذلك المادة (425) إجراءات التي نصت على أن (يسقط الإستئناف المرفوع من المتهم بعقوبة سالبة للحرية واجبة النفاذ إذا لم يتقدم المستأنف للجهة المختصة بالتنفيذ قبل اليوم المحدد لنظر استئنافه وذلك مالم يكن مفرجاً عنه واستناداً إلى هذين النصين فإن المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية إذا كان قد حال دون حضوره أمام محكمة أول درجة عذر قهري فعندئذ ينبغي عليه أن يقوم بالإعتراض على الحكم الإبتدائي أمام محكمة أول درجة أو استئناف الحكم شريطة أن يقوم بتسليم نفسه إلى الجهة المختصة بالتنفيذ قبل اليوم المحدد لنظر الإستئناف، وحيث أن المحكوم عليهما في الحكم محل تعليقنا لم يقوما بالإعتراض على الحكم الإبتدائي أمام المحكمة الإبتدائية أو تسليم نفسيهما قبل الميعاد المحدد لنظر استئناف الحكم فلا مجال أمامها لإستئناف الحكم وإذا تقدما بإستئناف الحكم فإن الإستئناف يسقط، وعلى هذا الأساس فإن الحكم قد جاء موافقاً للنصوص القانونية السابق ذكرها.
الوجه الثاني: متى تكون معارضة الحكم ومتى يكون استئنافه؟:
عند المقارنة بين المادتين (293) إجراءات التي تناولت معارضة الحكم والمادة (425) التي تناولت استئناف الحكم السابق ذكرهما في الوجه الأول نجد أن ظاهرهما تخيير المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية بين طريق معارضة الحكم الإبتدائي أمام المحكمة الإبتدائية التي أصدرت الحكم شريطة أن يثبت قيام عذر قهري منعه من حضور المحاكمة قبل صدور الحكم الذي يعترض عليه، وإذا لم يقدم المحكوم عليه ما يفيد قيام العذر فقد أتاح له القانون استئناف الحكم شريطة أن يسلم نفسه لتنفيذ الحكم قبل اليوم المحدد لنظر الإستئناف.
الوجه الثالث: هل سلوك المحكوم لطريق الإستئناف يسقط حقه في المعارضة؟:
قد يكون هناك عذر حال دون حضور المحكوم عليه إجراءات المحاكمة ومع ذلك يختار طريق الإستئناف فيقوم بتسليم نفسه قبل ميعاد نظر الإستئناف فهل يقبل الإستئناف في هذه الحالة ؟
هناك خلاف كبير في أوساط الفقه والقضاء في اليمن وغيرها حيث هناك اتجاهان الإتجاه الأول يذهب إلى أن الإستئناف لا يقبل في هذه الحالة لان المحكوم عليه لم يمثل امام محكمة أول درجة ولم تصدر حكمها في مواجهته ولم يباشر حقه في الدفاع المكفول شرعاً وقانوناً إضافة إلى أن قبول الإستئناف في هذه المرحلة يخل بمبدأ التقاضي على درجتين ونحن نميل إلى اختيار هذا الإتجاه، وهناك اتجاه ثان يذهب إلى أن الإستئناف يقبل في هذه الحالة لأن القانون قد صرح بذلك وأجازه، كما أن المحكوم عليه قد اختار بنفسه طريق الإستئناف فلا مجال عندئذ للحديث عن المساس بحقوقه في الدفاع، والله أعلم.