بيع الوارث لنصيبه الشائع في المبنى
من الإشكاليات العملية التي يتكرر وقوعها قيام أحد الورثة أو الشركاء ببيع نصيبه الشائع في البناء او المبنى قبل قسمته بين الشركاء او الورثة، مع أن الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني قد اجازا للوارث بيع نصيبه الشائع في المبنى، لأن المشتري للنصيب الشائع يحل محل الوارث أو الشريك البائع، فتؤول للمشتري كافة حقوق الوارث البائع في الحصة الشائعة في البناء ويحق عندئذٍ للورثة الآخرين أن يشفعوا المشتري لتحقق سبب الشفعة وهو الخلطة في المبيع لان الحصة الشائعة المبيعة مخالطة البناء كله.
ولا إشكالية في هذه المسألة وإنما تظهر الإشكاليات عندما يكون بيع النصيب الشائع لغير الشركاء او الورثة ولا يطلب أحد الورثة او الشركاء الشفعة من المشتري للنصيب الشائع في البناء، فعندئذ قد يتعذر على المشتري الإنتفاع بالحصة الشائعة التي اشتراها يتعذر عليه الانتفاع بها بسبب حالة الشيوع في البناء سيما إذا كان البناء بحوزة الورثة الآخرين غير البائع، وكذلك الحال إذا قام المشتري للنصيب الشائع قام بحيازة البناء فإشكالية الإنتفاع والتصرف تظل قائمة في الحالين، وقد تناول هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30/3/2011م في الطعن رقم (43787)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبإطلاع الدائرة على كافة الأوراق مشتملات الملف يتبين ان المطعون ضده الأول حالياً كان قد تقدم بدعوى اسماها دعوى إستحقاق ضد الطاعن والمطعون ضدهما الثاني والثالث وهم ملاك العقار موضوع الدعوى، وبالتمعن في فحوى تلك الدعوى نجد أنها في حقيقتها هي دعوى إثبات صحة البيع، إذ أن كل ما كانت ترمي إليه هو إثبات صحة شراء الطاعن لنصيب اثنين من الورثة في العقار محل الخلاف وإلى قانونية تصرفهما في بيع حصتهما في العقار للطاعن، ويتضح من ذلك أن الدعوى هي دعوى موضوعية تتعلق بملكية العقار وليست منازعة تنفيذ موضوعية ويكون الحكم فيها حكم موضوعي)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: جواز بيع الوارث لنصيبه الشائع في المبنى أو البناء:
نصت المادة (494) من القانون المدني اليمني على أنه: (يصح بيع حصة شائعة لشريك أو لغيره).
فهذا النص أجاز صراحة للشريك أو الوارث في العقار أو البناء أن يبيع حصته الشائعة في العقار لأحد الورثة أو الشركاء في العقار أو لغيرهم، ولاعيب في ذلك، لان الفقه الاسلامي متفق على جواز بيع الشخص لحصته الشائعة أو نصيبه الشائع لحاجة الشريك أو الوارث الملحة للمال مع خشية الوارث أو الشريك من إطالة اجراءات القسمة أو تصفية الشراكة التي تستغرق وقتا طويلا في غالب الأحوال سيما في اليمن، في الوقت الذي يكون فيه الوارت أو الشريك في مسيس الحاجة الى المال، فعندئذ يجوز له بيع نصيبه او حصته الشائعة إستثناء من الاصل، وهو انه يجب أن يكون المبيع معينا ومفرزا. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، ٢٠٢١م، صـ١٤٢).
الوجه الثاني: مفهوم الحصة الشائعة في المبنى أو البناء:
المقصود بالحصة الشائعة أنها شائعة في كل أنحاء البناء، فليست مفرزة أو معينة في جزء من العقار أو ناحية من نواحيه أو طابق أو شقة، وإنما شائعة في كل مكونات المبنى بدءاً من الأرض التي يقوم عليها البناء المشترك حتى علو المبنى.
فالحصة أو النصيب الشائع في البناء هي تلك الحصة التي تتحدد كنسبة معينة في البناء ككل كنصف البناء أو ربع البناء أو خمس البناء أو سدس البناء أو عُشر البناء وهكذا، فربع المبنى أو خمسه...الخ ليس مفرزاً أو معينا وإنما شائع في كل أرجاء البناء .
الوجه الثالث: آثار بيع الوارث أو الشريك لحصته في المبنى أو البناء:
سبق القول أن هذا البيع صحيح ونافذ وفقاً للمادة (494) مدني التي نصت على أنه: (يصح بيع حصة شائعة لشريك أو لغيره).
ولذلك فانه يترتب على عقد البيع إنتقال المبيع وهو الحصة الشائعة في المبنى إنتقالها من الوارث أو الشريك البائع الى المشتري، فتصير الحصة الشائعة في المبنى ملكاً المشتري لها، وبموجب ذلك يحل المشتري محل الوارث أو الشريك البائع في ملكية الحصة الشائعة في المبنى، فتؤول إلى المشتري كافة الحقوق والمزايا المقررة للوارث أو الشريك البائع في الحصة الشائعة، فيحق للمشتري الانتفاع بالحصة الشائعة أو التصرف فيها.
الوجه الرابع: إشكالية الإنتفاع المشترك بالبناء المشترك:
من الصعب جداً أن يتحقق الإنتفاع المشترك والمتساوي والعادل بين جميع الورثة أو الشركاء في البناء بقدر نصيب أو حصة كل شريك في البناء، إذ قد يستأثر بعض الورثة أو أحدهم في الإنتفاع بالمبنى المشترك، ولا يستثنى من ذلك إلا إذا كان البناء مؤجراً للغير ويتقاسم الورثة أو الشركاء مبلغ الإيجار بحسب نصيب أو حصة كل وارث في البناء، ولذلك فانه عندما يتعذر الإنتفاع المشترك العادل بالبناء يقوم الورثة بتاجيره وتقاسم مبلغ الإيجار بحسب نصيب كل وارث، كما قد يقوم الورثة ببيع المبنى المشترك وتقاسم قيمته بقدر نصيب كل وارث.
بيد انه في حالات كثيرة لايتفق الشركاء على تاجير أو بيع المبنى المشترك، فيترك الورثة او الشركاء المبنى المشترك حتى يندثر المبنى.
وليس خافياً أن من أهم أسباب إندثار الثروة العقارية في اليمن هو تعذر الإنتفاع المشترك في المباني أو تصفية الشراكة فيها، بل ان هذه الإشكالية هي سبب إندثار المباني والقرى والمدن اليمنية الأثرية.
الوجه الخامس: تصفية الشراكة في المبني عند تعذر إنتفاع الشركاء جميعاً أو إتفاقهم على بيعه أو تاجيره:
لاريب أن القانون المدني اليمني قد صرح بتصفية الشراكة في البناء إذا تعذرت قسمته بين الشركاء قسمة عينية حتى ينتفع كل شريك أو وارث بنصيبه مفرزاً.
وقد سلك القانون المدني اليمني ثلاثة مسالك في هذا الشأن:
المسلك الأول: أجاز القانون لمالك الحصة الشائعة في البناء سواءً كان وارثاً أو شريكا بيع حصته شائعة كما هي إلى أي وارث أو شريك آخر حسبما هو مقرر في المادة (494) السابق ذكرها التي اجازت بيع الوارث لحصته الشائعة.
إذ يستطيع مالك الحصة أو النصيب الشائع الذي لا ينتفع بحصته بيعها أو التصرف بها بأي تصرف كالهبة إلى وارث أو غيره، فعندما يقوم الشريك بالبيع إلى شريك آخر أو وارث آخر فإن ذلك يعد تصفية جزئية لحالة الشيوع في المبنى، إذ تسهم هذه الطريقة في تقليص عدد الملاك على الشيوع للبناء.
المسلك الثاني: تصفية الشيوع في المباني أثناء القسمة حتى يكون المبنى لوارث أو شريك واحد:
فعند قسمة المبنى الشائع بين الورثة أو الشركاء، فقد أرشد دليل إجراءات القسمة الصادر من مجلس القضاء في اليمن مؤخراً أرشد إلى أنه ينبغي عند قسمة المباني تصفية حالة الشيوع في المباني كلما أمكن ذلك حتى يكون المبنى خالصا لاحد الورثة او لعدد محدود منهم يمكنهم الانتفاع العادل به.
المسلك الثالث: بيع البناء الشائع وقسمة قيمته بين الشركاء أو الورثة بقدر نصيب كل وارث:
وفي هذا الشأن نصت المادة (1202) مدني على أنه: (إذا كان المال المشترك عيناً لا تقبل القسمة وكان في المهايأة فيها (الإنتفاع) ضرر فتباع ويقسم ثمنها على الشركاء فيها كلٍ بقدر حصته ويجبر المتمرد ويقدم الشريك في الشراء).
وقد ورد هذا النص ضمن الأحكام الخاصة للقسمة بصفة عامة وليس ضمن أحكام القسمة الجبرية بنظر القضاء، وقد صرح النص السابق أنه يجوز إجبار الوارث أو الشريك المتمرد على بيع حصته في البناء، وتكون الأقدمية في شراء المبنى المشترك وتصفية الشراكة فيه تكون الأقدمية للشريك أو الوارث، وإن لم يرغب أحد الورثة بالشراء فيتم بيع البناء للغير بسعر الزمان والمكان.
الوجه السادس: كيد الورثة أو الشركاء لبعضهم عند بيع الحصة الشائعة في المبنى:
من إشكاليات الشراكة في البناء أن بعض الورثة او الشركاء يمارس الكيد بالورثة او الشركاء الاخرين، فمثلاً يقوم احد الشركاء ببيع حصته أو نصيبه الشائع إلى الغير بسعر أعلى من سعر الزمان والمكان حتى يقوم الشركاء الآخرين أو أحدهم بالشفعة فيدفع ذلك الثمن الأعلى.
كذلك يمارس بعض الورثة إبتزاز الآخرين منهم عن طريق التهديد ببيع نصيبه الشائع في المبنى إلى الغير من الظلمة وأرباب الشر والفسوق، فيضطر الورثة الاخرون على شراء نصيب ذلك الوارث بسعر اعلى أو دفع مبالغ مالية للوارث المبتز حتى ينصرف عن رايه في بيع نصيبه الشائع للظلمة أو الفجرة، وقد وقعت بالفعل حالات الكيد والابتزاز المشار إليها بين ورثة وشركاء كثيرين.
ولذلك فقد تصدى القانون المدني لتصفية الشراكة في المبنى إذا تعذرت القسمة العينية له أو تعذر إنتفاع الشركاء جميعاً فيه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ359)، والله أعلم.
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.