من المسائل الخلافية التي تثير الإشكاليات العملية مسألة إثبات سن المتهم بعلامات البلوغ لعدم اضطراد هذه العلامات واختلافها بإختلاف الأشخاص والمناطق ، ومن الأحكام التي أبانت موقف القضاء في اليمن الحكم محل تعليقنا، وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 2004/12/19م في الطعن الجزائي رقم (20573) لسنة 1425هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم أنه (من خلال المطالعة لملف القضية فقد وجدت الدائرة أنه قد ورد في حيثيات الحكم الإستئنافي أنه من خلال مطالعة الشعبة لهيئة المتهم فقد لاحظت الشعبة لحية المتهم الكثة الكبيرة المستديرة على كافة وجهه، مما يتضح أنه قد جاوز العشرين من عمره كما أن تقرير الطبيب الشرعي المؤرخ في 2000/9/25م قد اثبت أن عمر المتهم 18 سنة عند ارتكابه للفعل وهذا ما يؤكد أن المتهم قد بلغ سن المسائلة الجنائية التامة، وبناءً على ذلك فقد قضى الحكم الإستئنافي بتأييد الحكم الإبتدائي بإعدام المتهم قصاصاً، وقد لاحظت الدائرة أن محكمة الموضوع قد استندت في إثبات بلوغ المتهم سن العشرين حين مثوله أمامها إلى كثافة لحيته وإلى تقرير الطبيب الشرعي، ولا نعلم كيف تدل كثافة اللحية على بلوغ الشخص عشرين سنة وليس أقل من ذلك، وقد كان استنتاج محكمة الموضوع لذلك بتاريخ مثوله أمامها وليس بتاريخ ارتكاب المتهم للجريمة، أما تحديد سن المتهم عن طريق التقرير المؤرخ في 2000/9/25م فقد صدر هذا التقرير من طبيب واحد إضافة إلى أنه كان بناء على كشف سريري ظاهري، في حين أن هناك تقرير طبي آخر صادر عن طبيبين شرعيين بتاريخ 2001/10/7م تم إعداده اعتماداً على كشف سريري ظاهري وعلى نتيجة الأشعة التي أظهرت عدم التحام عظمتي الزند والكعبرة وأن ذلك يدل على أن المتهم لم يكمل الثامنة عشرة من عمره عند ارتكابه للجريمة، كما أن القانون يجعل من تقرير الخبير وجوبيا لبيان سن المتهم في حالة ما يكون ذلك مهما للقضية إذا لم توجد مستندات تثبت سن المتهم حسبما ورد في المادتين (208) و (266) إجراءات وأنه في حالة عدم موافقة القاضي على تقرير الخبير يجب ان يكون قرار عدم الموافقة مسبباً وليست كثافة اللحية سبباً مقنعاً لرفض تقرير اعتمد على الأشعة لتحديد السن بل إن قانون العقوبات في المادة (31) يقرر أن القاضي يحدد سن المتهم بالإستعانة بخبير عند عدم وجود مستندات تحدد ذلك، وحيث ان الحكم على المتهم بالإعدام قصاصاً فكان من الواجب حينئذ أن تتحقق المحكمة من سنه بأسانيد وأسباب صحيحة، لأنه لو كان سن المتهم دون الثامنة عشرة فإن الحكم بإعدامه سيكون مخالفة صريحة للقانون الذي يقرر أنه غير مسؤول مسؤلية جنائية تامة فلا يحكم عليه بالإعدام إلا عند إتمامه لسن الثامنة عشرة ، فالمسؤلية الجنائية يحددها القانون وليس غيره حتى لوكان المتهم نفسه، وحيث أن تقدير من المتهم أمر موضوعي يفصل فيه القاضي بناءً على المستندات الرسمية فإذا لم تتوفر المستندات توجب ا الإستعانة بالخبرة لتقدير السن، وإذا قامت المحكمة بتقدير السن على هذا النحو فعندئذ يتوجب على القاضي أن ينبه المتهم إلى هذا التقدير، لأن لهذا التقدير أثر في تعيين نوع العقوبة التي سيتم توقيعها على المتهم، وحيث أن محكمة الإستئناف استقلت بتقدير سن المتهم على غير الوجه الذي يتطلبه القانون ولم تبين المحكمة أسباب طرحها لتقرير الطبيبين الشرعيين اللذين قررا عند إجراء الفحص على المتهم بعد القبض عليه أنه لم يكمل الثامنة عشرة من عمره كما أن محكمة أول درجة ذكرت في أسباب حكمها أن المتهم حال ارتكاب الجريمة قبل سنة من تاريخ تقدير سنه بواسطة الطبيبين الشرعيين كان عمره ست عشرة سنة وذلك مما تطمئن إليه النفس كون التقدير صادر من طبيبين شرعيين وذلك يتوافق مع ما أبرزه المتهم من شهادات الميلاد والدراسة، وهذا ولما كانت المادة (31) عقوبات قد نصت على أنه إذا كان مرتكب الجريمة قد أتم الخامسة عشرة ولم يبلغ الثامنة عشرة حكم عليه بما لا يتجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانوناً ، وإذا كانت هذه العقوبة هي الإعدام حكم عليه بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد عن عشر سنوات حسبما ورد في اسباب الحكم الإ بتدائي ، ومع ذلك فقد حكمت المحكمة الإبتدائية بالإعدام قصاصاً ، ولما كان الحكم الإستئنافي ومن قبله الإبتدائي على هذا النحو فإنه من المتعين نقض الحكم والإعادة إلى محكمة الإستئناف لنظر الإستئناف بتشكيل جديد)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:
الوجه الأول: تقدير السن لا يكون إلا عند عدم وجود مستندات تحدد السن
أشار الحكم محل تعليقنا على انه لا ينبغي اللجوء إلى وسائل تقدير سن المتهم بما فيها الإحالة إلى الطبيب الشرعي أو اللجنة الطبية إلا عند عدم وجود محررات رسمية تدل على سن المتهم عملا بالمادة (108) إجراءات التي نصت على أنه (يكون طلب تقرير الخبير وجوبيا في الأحوال الآتية: -د- لبيان سن المتهم في حالة ما يكون ذلك مهما للقضية ولا توجد مستندات تثبت السن) فمفهوم هذا النص أن تقدير السن لا يكون إلا إذا لم تكن هناك محررات رسمية موثوق بها يستدل منها على سن المتهم، وهذه المحررات هي شهادة الميلاد وهي الوسيلة الأصلية المعدة قانونا لإثبات تاريخ ميلاد الشخص، وشهادة الميلاد من اسمها بمثابة شهادة، حيث تتضمن شهادة الأ شخاص الذين عاينوا أو شاهدوا واقعة الولادة فهي ليست محرراً رسمياً فقط بل شهادة حقيقية على واقعة الولادة حسبما ورد في قانون الاحوال المدنية فيما يتعلق بإثبات الولادة والإبلاغ عنها ، ولكن المشكلة العملية أن 20٪ فقط من اليمنيين هم من يمتلكون شهادات ميلاد في العصر الحاضر وبالإضافة إلى شهادة الميلاد هناك وثائق يمكن الإستدلال بها على سن المتهم وهي الوثائق الرسمية التي تتضمن تاريخ ميلاد الشخص مثل البطاقة الشخصية وجواز السفر والبطاقة العائلية والشهادات الدراسية التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا إلا أن حجية هذه الوثائق غير شهادة الميلاد فيما يتعلق بإثبات سن المتهم محل نظر لعدم عناية الجهات التي تصدرها بـ النسبة لتاريخ الميلاد حيث يقتصر اهتمام الجهات التي تصدرها على الغرض من الشهادة فمثلا المدرسة التي تصدر شهادة النجاح تعتني بـ الدرجات التي حصل عليها الطالب في المقررات الدراسية ولا تهتم بعمره وهكذا في بقية الوثائق ، وقد أشار الحكم محل تعليقنا إلى هذه المسألة وذكر أنه كان ينبغي على الحكم المنقوض الإستدلال على سن المتهم بـ المحررات التي ابرزها المتهم وهي شهادة الميلاد والشهادة المدرسية وفقا للقانون وليس اللجوء إلى تقدير السن عن طريق الوسائل الأخرى.
الوجه الثاني: إثبات سن المتهم بعلامات البلوغ غير مضطرد
علامات البلوغ مثل إنبات الشعر وغلظ الصوت وانفلاق ارنبة الأنف والإحتلا م وغيرها، هذه العلامات مصدرها الفقه الإسلامي الذي جعلها علامات بلوغ من ظهرت عليه هذه العلامات ، وهذه العلامات غير مضطردة أي غير مستقرة وعامة في الأشخاص جميعهم فهي تختلف بالنسبة للذكر والأنثى كما تختلف بحسب اختلاف المناطق من حيث البرودة والحرارة كما أن هذه العلامات تتفاوت بحسب نمط ونوع الأغذية إضافة إلى أنها تختلف باختلا ف الجماعات البشرية كما أن هذه العلامات ظنية لا تفيد اليقين حسبما يقرر المختصون في هذا المجال، ولأن هذه العلامات متفاوتة ومختلفة على هذا النحو فإن الركون عليها في الأحكام القضائية سيجعل هذه الأحكام متناقضة ومختلفة وهذا مضر بالعدالة لان هذه العلامات تفيد الظن وليس اليقين، ولذلك فإن قانون الجرائم والعقوبات لم يأخذ بعلامات البلوغ في إثبات سن المتهم وهذا ما قرره الحكم محل تعليقنا حينما نص على أن الحكم المنقوض معيب لأنه قد اعتمد في تقدير سن المتهم وجزم بأن المتهم بالغ لوجود لحية مستديرة تحيط بوجهه وإنبات شعر اللحية على هذا النحو يدل على أنه قد بلغ عشرين عاماً عند مثوله امام محكمة الإ ستئناف التي اصدرت الحكم المنقوض.
الوجه الثالث: الترجيح بين التقارير الطبية المتناقضة بشأن سن المتهم
من خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد انه قد اشار إلى أن الحكم المنقوض معيب لأنه اعتمد على تقرير طبي صادر من طبيب واحد كما أن تقرير الطبيب الواحد كان بناء على كشف ظاهري ، وفي الوقت ذاته أشار الحكم محل تعليقنا إلى أن الحكم المنقوض لم يأخذ بالتقرير الطبي الصادر من طبيبين شرعيين قاما بإجراء الكشف الظاهري للمتهم وقاما أيضاً بـ الكشف بالأشعة على ساعد المتهم ومن خلال ذلك توصل التقرير إلى أن المتهم لم يبلغ الثامنة عشرة ، ومن خلال تسبيب الحكم محل تعليقنا نجد انه قرر ان تقرير الخبيرين راجح على تقرير الخبير الواحد كشهادة الواحد التي لا يؤخذ بها كدليل يقيني، كما أن الحكم محل تعليقنا قد رجح التقرير المتضمن الكشف الظاهري للمتهم بالإضافة إلى الكشف الباطني عن طريق الأ شعة على التقرير الذي تضمن الكشف الظاهري فقط، وهذا الترجيح سديد لأ ن اجتماع الكشف الظاهري والباطني يوفر الإطمئنان اكثر من الكشف الباطني فقط، علما بأن الكشف الطبي لتحديد السن في الدول الأخرى تقوم به لجنة طبية مكونة من طبيب اسنان وطبيب عظام وطبيب أعضاء تناسلية، حيث تقوم هذه اللجنة بإجراء الكشف كلا فيما يخصه كما يتم الفحص عن طريق الأشعة لأسنان المتهم وعظام يديه ورجليه وليس عظام اليد الواحدة كما هو الحال في اليمن، وفي سياق ترجيح الحكم محل تعليقنا لأدلة إثبات السن نجد أنه قد رجح التقرير الطبي على علامات البلوغ وهي إنبات شعر وجه المتهم.
الوجه الرابع: عدم الأخذ بالتقرير يوجب على القاضي تسبيب ذلك
صرح الحكم محل تعليقنا بأن الحكم المنقوض كان معيباً عندما أضرب عن العمل بما جاء في التقرير الطبي الصادر عن الطبيبين الشرعيين ولم يبين سبب عدم أخذه بالتقرير سوى القول بأن المتهم قد بلغ سن المسؤلية الجنائية لأن اللحية الكثة قد أحاطت بوجه المتهم، وذلك يعد قصوراً في التسبيب، لأن علامات البلوغ غير مضطردة ولا تكفي وحدها لإثبات البلوغ أو نفيه إضافة إلى أن البلوغ لا يعني تحقق من المسؤلية الجنائية (18 سنة) لأن البلوغ يكون في الغالب قبل هذا السن، إضافة إلى أن التسبيب يجب أن يكون كافياً ولا يكون كذلك إلا إذا كانت هناك قرائن أخرى تتساند في توليد القناعة لدى القاضي بأن هذه القرائن أرجح مما ورد في التقرير الطبي الذي لم يعمل به القاضي، والله أعلم.