عقد الإيجار في الشريعة الإسلامية وقانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين من عقود المعاوضة، فعقد الإيجار هو تمليك منفعة العين لمدة معلومة مقابل عوض وهو الإيجار الذي يدفعه المستأجر إلى المؤجر، وعلى هذا الأساس إذا لم يتمكن المستأجر من الإنتفاع بالعين المؤجرة بسبب يرجع إلى المؤجر أو لسبب أجنبي لا يرجع إلى المستأجر نفسه فان المستأجر لايكون ملزما بدفع الإيجار إلى المؤجر ،لان الإيجار مقابل الإنتفاع، فالإيجار والانتفاع متلازمان، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 1-12-2009م في الطعن رقم (37884)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (والدائرة: تجد أن هذا السبب من أسباب الطعن له ما يبرره ، حيث نصت المادة (682) مدني على أن الإيجار عقد بين مؤجر ومستأجر يقع على منفعة معلومة بعوض لمدة محددة أو مطلقة، وكذا نصت المادة (693) مدني على أنه تجب الأجرة في الإيجار الصحيح بإستيفاء المستأجر المنفعة وتمكينه من ذلك ولو لم ينتفع، وكذا نصت المادة (697) مدني على أنه إذا تعذر الإنتفاع بالعين المؤجرة لغصب طارئ أو نحوه سقطت الأجرة مالم يكن سبب الغصب يرجع للأجير، كما نصت المادة (629) مدني على أنه للمؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحوّل دون إنتفاع المستأجر بالعين المؤجرة...إلخ، فهذه النصوص صريحة وواضحة بأن الأجرة مقابل المنفعة، فإذا تعذر حصول المستأجر على المنفعة لسبب لا يعود إلى المستأجر للعين المؤجرة عدمت الأجرة، والثابت في هذه القضية أن المستأجر لم ينتفع بالعين المؤجرة بسبب لا يعود إلى المنتفع المستأجر)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: التلازم بين الإيجار ومنفعة العين المؤجرة في قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر اليمني
نصت المادة (9) من القانون المشار إليه على أن عقد الإيجار: (عقد يلتزم بمقتضاه المؤجر بتمكين المستأجر من الإنتفاع بعين مؤجرة لمدة معينة نظير إيجار معلوم أو منفعة مشروعة متفق عليها)، فهذا النص يصرح بأن الإيجار مقابل منفعة العين المؤجرة وأن هناك تلازم بين المنفعة والأجرة، ومفاد ذلك أنه إذا تخلفت المنفعة تخلف الإيجار تبعاً لذلك.
وفي السياق ذاته نصت المادة (26) من القانون المشار إليه على أنه (إذا لم يصح عقد الإيجار لأي سبب من الأسباب يلتزم المستأجر بدفع الأجرة عن المدة التي انتفع فيها بالعين المؤجرة، أما إذا تعذر الإنتفاع بالعين المؤجرة بسبب يرجع إلى المؤجر فتسقط الأجرة، ويجوز للمستأجر الرجوع على المؤجر بالتعويض إذا كان لذلك مقتضى، وتقدر المحكمة التعويض المستحق)، فهذا النص يقرر عدم أحقية المؤجر في أجرة العين إذا لم ينتفع بها المستأجر بسبب يرجع إلى المؤجر مثل قيام المؤجر بإعلاق العين ومنع المستأجر من الإنتفاع بها أو قيام المؤجر بقطع الخدمات الأساسية عن العين المؤجرة كالماء والمجاري.
وكذا نصت المادة (32) من القانون المشار إليه على أنه (إذا لم يتم تمكين المستأجر من الإنتفاع بالعين في الغرض الذي أجرت لأجله أو إذا انقص هذا الإنتفاع نقصاً كبيراً جاز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة مع التعويض...إلخ)، وهذا النص يدل على عدم إستحقاق المؤجر للأجرة إذا لم ينتفع بها المستأجر وكذا إنقاص أجرة العين بقدر النقص في منفعتها.
كما نصت المادة (37) من القانون ذاته على أنه: (لا يضمن المؤجر للمستأجر الغصب والتعدي من الغير ، ويضمن الغاصب والمتعدي كل خسارة لحقت بالمستأجر أو المؤجر مع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات، ولا يلزم المستأجر بالأجرة في مدة الغصب مالم يكن متواطئاً أو متسبباً ، ويكون للمؤجر الرجوع على الغاصب والمعتدي)، وقد تضمن هذا النص عدم إستحقاق المؤجر لأجرة العين أثناء مدة غصبها إذا كان سبب الغصب لا يرجع إلى المستأجر نفسه، ومعنى ذلك انه إذا قام الغير بغصب العين من تلقاء ذاته أو تسبب المؤجر في إقدام الغير على إغتصاب العين، ففي هذه الاحوال لايلزم المستاجر أن يدفع إيجار العين اثناء فترة الغصب ،لان المستأجر لم ينتفع بالعين أثناء فترة غصبها.
الوجه الثاني: عدم إستحقاق المؤجر لأجرة العين إذا لم ينتفع المستأجر بالعين بسبب يرجع إلى المؤجر نفسه
من خلال مراجعة النصوص القانونية الواردة في قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والمذكورة في الوجه الأول من هذا التعليق، سيما المادة (٢٦) التي نصت على انه : (أما إذا تعذر الإنتفاع بالعين المؤجرة بسبب يرجع إلى المؤجر فتسقط الأجرة، ويجوز للمستأجر الرجوع على المؤجر بالتعويض إذا كان لذلك مقتضى، وتقدر المحكمة التعويض المستحق)، من خلال مطالعة هذا النص والنصوص السابقة ، من خلال ذلك يظهر أن جميع تلك النصوص قد دلت على أن المستأجر لا يستحق الأجرة إذا لم ينتفع المستأجر بالعين بسبب يرجع إلى المؤجر مثل عدم قيام المؤجر بتسليم العين إلى المستأجر بعد إبرام عقد الإيجار الذي ينص على إستحقاق المؤجر للأجرة من تاريخ إبرام العقد وليس من تاريخ تسليمها أو عدم قيام المؤجر بإستكمال تشطيب العين الذي سبق له تأجيرها للمستأجر والنص في عقد الإيجار على سريانه من تاريخ معين ، أو قيام المؤجر بإغلاق العين المؤجرة أو منع المستأجر من الإنتفاع بها أو عدم قيام المؤجر بإصلاح العين التي تهدمت كلها أو تهدمت اجزاء منها ترتب عليها تعطيل الإنتفاع بها كلية أو قيام المؤجر بقطع الخدمات الأساسية عنها كقطع الماء والمجاري عنها، أو قيام المؤجر بتمكين آخرين من الإنتفاع بالعين وحرمان المستأجر من الإنتفاع بالعين رغم سريان عقد الإيجار مثلما وقع في القضية التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثالث: عدم إستحقاق المؤجر لأجرة العين المؤجرة إذا لم ينتفع المستأجر بالعين بسبب يرجع للغير
المقصود هنا بالغير أي غير المؤجر وغير المستأجر، فإذا لم يتمكن المستأجر من الإنتفاع بالعين بسبب يرجع إلى الغير، مثل قيام الغير بغصب العين المؤجرة والإستيلاء عليها وإستغلالها أو قيام الغير بمنع المستأجر من دخول العين والإنتفاع بها، أو حدوث قصف جوي نجم عنه تهدم العين أو اجزاء منها ترتب عليها تعطيل إنتفاع المستأجر بالعين ، وكذلك الحال إذا قام الغير بالحجز على العين المؤجرة لإستيفاء دين بذمة المدين المؤجر لسبب يرجع إلى المؤجر.
ففي هذه الأحوال وما شابهها لا يستحق المؤجر اجرة العين، لأن المستأجر لم ينتفع بالعين ، ولأن الأجرة عوض عن المنفعة، فإذا تخلفت المنفعة تخلف الإيجار، بيد أن عدم إستحقاق المؤجر للأجرة في هذه الأحوال مشروط بعدم تواطؤ المستأجر مع الغير المتسبب في تعطيل إنتفاعه بالعين، فاذا كان هناك تواطؤ من المستاجر فان المستاجر ملزم بدفع اجرة العين كما لو قام المستأجر بتسليم العين الى الغير.
وإذا كان من المقرر في القانون عدم إستحقاق المؤجر لأجرة العين كاملة إذا لم ينتفع المستأجر بالعين كلية فإنه من المقرر في القانون أيضاً إنقاص أجرة العين بقدر النقص في إنتفاع المستأجر بالعين، كما لو تم تعطيل إنتفاع المستأجر بالعين لبعض الأيام أو الأشهر أو تهدم بعض غرف العين المؤجرة...إلخ.
الوجه الرابع: إستحقاق المؤجر لأجرة العين التي قام المؤجر بتمكين المستأجر منها غير أنه لم ينتفع بها أو تسبب بعدم إنتفاعه بها
إذا كان المؤجر قد قام بتمكين المستأجر من الإنتفاع بالعين المؤجرة ووضعها المؤجر تحت تصرف المستأجر إلا انه لم يقم بالإنتفاع بها، فإن المؤجر يستحق الأجرة في هذه الأحوال، لأن واجب المؤجر هو تخلية العين للمستأجر للإنتفاع بها صالحة لذلك ، وهذا اقصى إلتزام المؤجر في هذا الشان.
كما أن المؤجر يستحق الأجرة إذا كان المستأجر نفسه قد تسبب بفعله أو قوله أو تصرفه بعدم إنتفاعه بالعين المؤجرة، كما لو قام المستاجر بالإعتداء على جاره أو سبه فمنعه جاره من دخول العين لمدة أو قامت الدولة بالقبض على المستأجر لإرتكابه جريمة، أو قام المستأجر بتسليم العين إلى الغير، أو تقاعس المستأجر عن سداد الخدمات الضرورية للعين كالمياه والمجاري فقامت الجهة المختصة بقطعها عن العين...إلخ. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الأول، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ، صـ342)، والله أعلم.
![]() |
| في القانون اليمني |
