عيب التجهيل بوقائع القضية

عيب التجهيل بوقائع القضية

عيب التجهيل بوقائع القضية

من العيوب القادحة في الحكم التي تبطله عيب التجهيل بوقائع القضية ، فالجهالة عيب في الدعوى وعيب في العقد ، فما بالك بالحكم؟

وجهالة وقائع القضية التي فصل فيها الحكم أكثر عيباً من جهالة الدعوى ذاتها، وقد اشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 20-1-2010م في الطعن رقم (36499)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبتمعن هذه الدائرة في كافة مشتملات ملف الطعن فقد وجدت الدائرة: أن الطاعنة قد ذكرت في المنعى الأول عيب التجهيل بوقائع القضية الذي وصفته الطاعنة بالتجهيل الفاحش، والدائرة: تجد أن هذا العيب غير وارد، إذ أنه بالإطلاع على الحكم الاستئنافي نجد أنه قد تضمن في مقدمته مجمل دعوى الطاعنة أمام محكمة أول درجة والطلبات المقدمة من المدعية- الطاعنة حالياً - بناءً على تلك الدعوى كما تضمن موجزاً للرد المقدم من المدعى عليها ثم عرض فقرات منطوق الحكم الابتدائي ، وبعد ذلك تضمن الحكم الاستئنافي عرض ملخص أسباب الاستئناف المقدم من الطاعنة حالياً والرد عليه ثم ناقش الحكم الاستئنافي أسباب الاستئناف والرد عليها حتى توصل الحكم في منطوقه إلى تأييد الحكم الابتدائي كما أن الحكم الاستئنافي قد تضمن إجراءات المحاكمة حتى حجز القضية للحكم، وبناءً على ذلك فإن ما نعته الطاعنة من تجهيل فاحش بوقائع القضية غير وارد إطلاقاً)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى التجهيل بوقائع القضية

تختلف وقائع القضية عن وقائع الدعوى ، فوقائع الدعوى جزء من وقائع القضية، لأن وقائع القضية عبارة عن عرض موجز لإجراءات المحاكمة بدء من عريضة الدعوى الاصلية والرد عليها أو الدفوع وكذا الطلبات العارضة التالية للدعوى الأصلية ، وعرض موجز لمذكرات الخصوم وأقوالهم وأدلتهم والرد عليها والإجراءات التي اتخذتها المحكمة أثناء سير إجراءات المحاكمة ثم مناقشة طلبات الخصوم وأدلتهم ودفوعهم وأوجه دفاعهم الجوهرية، وذلك ضمن أسباب الحكم ، وختاماً عرض فقرات منطوق الحكم وتوقيعات أعضاء هيئة الحكم، هذا بالنسبة للحكم الابتدائي، اما إذا كان الحكم صادرا من محكمة الاستئناف فينبغي أن يتضمن عرض لوقائع القضية التي تمت أمام المحكمة الابتدائية، وإذا كان الحكم صادراً من محكمة النقض فأنه يجب أن يتضمن عرضاً موجزاً لوقائع القضية التي تمت أمام المحكمتين الابتدائية والاستئنافية ثم عرض الاجراءات التي تمت أمام محكمة النقص . (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعون الجزء الثاني ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ، طبعة ٢٠٢٤م صنعاء ، ص٣٧٦).

ويشترط شراح قانون المرافعات أن يكون عرض وقائع القضية عرضاً دقيقاً حتى لا يقال : بأن الحكم قد اغفل أو أهمل أو ابتسر بعض أقوال أو مذكرات أو طلبات الخصوم أو أدلتهم فلم يتم ذكرها في مدونة الحكم ضمن وقائع القضية (التجهيل الإجرائي – ماهيته – آثاره – علاجه، أستاذنا الأستاذ الدكتور نبيل إسماعيل عمر، دار الجامعة القاهرة 2010م، ص95).

الوجه الثاني: مخاطر التجهيل الإجرائي (حالة التجهيل بوقائع القضية)

خلاصة هذه المخاطر بالنسبة للتجهيل بوقائع القضية أن الحكم قد استبعد وقائع كان يرى صائغ أو كاتب الحكم انها غير مؤثرة في وجهة الحكم أو الرأي أو غير جوهرية، إضافة إلى ان هذا الإستبعاد والإختصار قد لا يخلو من الهوى والعبث والفساد، فضلا عن أن التجهيل بوقائع القضية عند صياغة الحكم يخل بمبدأ وحدة الحكم الذي يعني أنه يجب أن يكون الحكم وحدة واحدة بوقائعه واسبابه ومنطوقه كافياً في حجيته.، وكذا فأن التجهيل بوقائع القضية في الحكم يدل على عدم إلمام القاضي وإحاطته بوقائع القضية وأنه تبعا لذلك قد انزل النصوص القانونية في غير مواضعها الصحيحة (المرجع السابق، ص ١٠٣).

الوجه الثالث: صياغة الأحكام في اليمن بين الإقتضاب والإسهاب:

تتنازع القضاء في اليمن مدرستان؛ الأولى: تذهب إلى وجوب ذكر التفاصيل الدقيقة لوقائع القضية أو الإجراءات التي تمت فيها ، وذلك في مدونة الحكم،وهذه الطريقة هي المناسبة للواقع في اليمن الذي تزدهر فيه ظاهرة التلاعب في محاضر جلسات المحاكمة واوراق القضايا وتلخيص اقوال الخصوم وادلتهم، وقد انتصر قانون المرافعات اليمني في تعديلات (يناير 2021م) لهذه المدرسة ، حسبما هو ظاهر في المادة (228) مرافعات التي نصت على أنه (-1- قبل حجز القضية للحكم على القاضي رئيس هيئة الحكم تكليف أمانة السر بتحصيل القضية وتسليم نسخة منه للخصوم للإطلاع عليه وإبداء أية ملاحظة عليه خلال خمسة أيام من تاريخ تسليم النسخة)، حتى يتم تحرير الحكم وإصداره بسرعة ، في حين تذهب مدرسة ثانية إلى أنه: ينبغي أن تكون صيغة وقائع القضية مقتضبة وبدلاً من الإسهاب فأنه تكفي الإحالة إلى أوراق القضية التي سبق للقاضي أن طالعها كلها واستند إليها قبل أو أثناء صياغته للحكم، ورأي هذه المدرسة يذهب إلى عدم لزوم إعداد محصل الشجار أو محصل القضية المنصوص عليه في المادة (228) مرافعات السابق ، ومع إحترامنا لوجهة النظر هذه وسلامة مقصد الذاهبين إليها إلا ان وجهة النظر قد تناسب دول أخرى غير اليمن ، اما اليمن فلاتناسبه هذه الوجهة للإعتبارات السابق ذكرها ، فمن يضمن للمتقاضين تضمين ادلتهم وحججهم وادلتهم طالما ان تضمينها يخضع لمزاج امن يتولى صياغة الحكم.

الوجه الرابع: التجهيل بوقائع القضية قصوراً في تسبيب الحكم

نصت المادة (231) مرافعات على أنه (-ب- يعتبر عدم مناقشة القاضي لوسائل الدفاع الجوهرية ورده عليها ومخالفة الأسباب للنصوص أو الوقائع قصوراً في التسبيب يجعل الحكم باطلاً)، لأن مناقشة وقائع القضية أو تطبيق النصوص القانونية عليها يقتضي عرض هذه الوقائع بالتفصيل حتى لا يغفلها الحكم، وحتى لا يقع الحكم في مخالفة أسباب الحكم للوقائع، حسبما قرره النص السابق، لأن ذلك مطعن في الحكم يؤدي إلى بطلان الحكم. (نظرية الاحكام في قانون المرافعات، لأستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء، دار المطبوعات الجامعية القاهرة 2007م، ص622)، والله اعلم.

تعليقات