تنفيذ عقد الصلح في القانون اليمني
تنفيذ عقد الصلح في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين – الأستاذ بكلية الشريعة والقانون، جامعة صنعاء
عقد الصلح في الشريعة الإسلامية عقد نافذ حاسم تترتب عليه اثاره في إنهاء النزاع وتنفيذ بنوده فور إبرامه فيرفع النزاع وينهيه ويحسمه بعد إبرام العقد مباشرة كذلك الحال في القانون المدني اليمني الذي نظم عقد الصلح بصفة عامة وحدد أركان وشروط وأحكام عقد الصلح ، فعقد الصلح في القانون المدني ينهي النزاع ويحسمه عند التوقيع عليه ، اما قانون المرافعات اليمني فهو شديد الحرص على عدم حسم النزاعات خارج القضاء ، وفي هذا الشان فقد صرح قانون المرافعات في الفقرة (٤) من المادة (٣٢٨) على ان عقد الصلح لايكون سندا تنفيذيا الا اذا سبق ذلك رفع دعوى وخصومة منظورة أمام قاضي الموضوع المختصوحتى يكون الصلح سندا تنفيذيا ، ومعنى ذلك انه : ضروري ضروري من قضية حتى تتراكم القضايا وتتعثر في المحاكم!!!.
والصلح حينما يكون سندا تنفيذيا يختص بنظره وتنفيذه قاضي التنفيذ وليس قاضي الموضوع ، كما ان عقد الصلح إذا تم بين تاجرين فإن القضاء التجاري هو المختص بتنفيذه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 7-2-2010م في الطعن رقم (36856)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث أن البين من إطلاع الدائرة على حكم الشعبة المدنية السابق ذكره أن الشعبة بناءً على طرفي إتفاق الصلح الحاضرين بشخصيهما الجلسة قامت بإلحاق إتفاق الصلح بمحضر جلستها عند تقديمه وضمنته بحكمها ثم قضت بعد ذلك بإعتماد ما تم التصالح عليه ، وان على الجميع التقيد به، لذلك فإن حكمها يعد سنداً تنفيذياً فيما تضمنه عقد الصلح، وعليه: فإن طلب إجراء القسمة مناصفة بين طرفي عقد الصلح وحكم الشعبة المدنية السابق ذكره ينعقد الإختصاص بنظره لقضاء التنفيذ وليس لقضاء الموضوع، ويعد قضاء التنفيذ التجاري هو المختص بالتنفيذ بإعتبار أن عقد الصلح تم بين تاجرين ، فهو يعتبر تجارياً عملاً بالمادة (14) تجاري التي تنص على أن الأصل في عقود التاجر وإلتزاماته أن تكون تجارية، وعلى المطعون ضده التوجه إلى المحكمة المختصة بالتنفيذ، ولذلك فإن الدائرة ترفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: عقد الصلح عقد مدني:
نظم القانون التجاري اليمني بعض أنواع الصلح كالصلح في الإفلاس والشيك، غير أن ذلك لا يعني عدم مدنية عقد الصلح في غير تلك الحالات، لأن القانون المدني قد نظم العقد بصفة عامة ثم نظم عقد الصلح بصفة خاصة تفصيلاً مبيناً تعريفه وأركانه وشروطه وآثاره وحجيته ، حسبما هو مبين في المواد من (668) حتى نهاية المادة (680) من القانون المدني، وعلى هذا الأساس فإن عقد الصلح من مفردات القانون المدني ومواضيعه التي تدرس في الجامعات وتؤلف فيه الدراسات والأبحاث.
الوجه الثاني: عقد الصلح الصالح للتنفيذ: وتوصيتنا للمقنن اليمني:
عقد الصلح الصالح للتنفيذ: هو الذي تتم المصادقة عليه من قبل القاضي اثناء نظره للخصومة القائمة فيصير الصلح سنداً تنفيذياً وفقاً للمادة (328) مرافعات التي نصت على ان (تتحدد السندات التنفيذية فيما يأتي: -4- إتفاقات الصلح المصدق عليها من المحاكم) ، فقد حصر هذا النص الأعوج السند التنفيذي على الصلح الذي يتم امام المحكمة بمناسبة نظر المحكمة للنزاع، ومفهوم هذا النص أن كافة عقود الصلح التي تحسم الخلافات فيما بين الافراد انفسهم او التي تتم امام أقلام التوثيق والأمناء الشرعيين والمشايخ وجهات الدولة وكبار مسئولي الدولة مجرد عقود عادية لا تحسم النزاعات القائمة ولا ترفعها ولاتكون صالحة للتنفيذ الجبري، وإنما هذه العقود تخضع لدعوى إبطال العقد التي يتم تقديمها أمام المحكمة الإبتدائية فلا يستقر عقد الصلح في هذه الحالة إلا بعد مدة تصل إلى عشر سنوات امام المحكمة الابتدائية ثم امام المحكمة الاستئنافية ثم أمام المحكمة العليا!!!؟.
وبسبب هذا النص القانوني الملعون السابق ذكره يتم فتح النزاعات التي حسمتها وانهتها عقود الصلح، وهي كثيرة فتتدفق القضايا على المحاكم وتتعثر في غالب الأحيان.
ولذلك فإننا نوصي مخلصين: بضرورة تعديل النص القانوني السابق حتى تكون صيغته بعد التعديل (-4- عقود الصلح المصدق عليها من قاضي الصلح أو أقلام التوثيق). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص ١١٠)٠
الوجه الثالث: مخالفة الفقرة (4) من المادة (328) مرافعات للشريعة الإسلامية والقانون المدني اليمني:
أمر الله تعالى المسلمين كافة بالصلح لإنهاء وحسم كافة الخلافات القائمة بينهم والخلافات المحتمل حدوثها ، حرصا من الشارع تبارك وتعالى على تحقيق السلم والامن الاجتماعي ،قال تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، وقال تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وقال تعالى {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، فعقد الصلح في الشريعة الإسلامية ينهي ويحسم النزاعات ويرفع الخصومات بين المتخاصمين ويحسمها نهائياً فور توقيعها ، والنصوص الشرعية في هذا الباب كثيرة، ويعد الصلح من أفضل الأعمال التي حث عليها الإسلام ، إذ يساهم الصلح في إشاعة المحبة والألفة والسلام والأمان بين افراد المجتمع المسلم ، ويمنع الصلح تفاقم وزيادة النزاعات وشيوع العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، ولذلك فإن الصلح في الشريعة الإسلامية ينهي النزاع ويحسمه مباشرة ، فيكون عقد الصلح بمجرد التوقيع عليه بين الخصوم سنداً تنفيذياً بحسب المفهوم المعاصر للسند التنفيذي.
وبما ان القانون المدني قد أخذ والتزم بالموقف الشرعي السابق فقد نظم القانون المدني عقد الصلح على أنه حاسم ومنهي للنزاع، إذ نصت المادة (668) على أن (الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة يحسم به الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان نزاعاً محتملاً وذلك بأن يتنازل كلٍ منهما عن جزء من إدعائه)، وفي هذا السياق نصت المادة (677) مدني على أن (يحسم الصلح المنازعات التي تناولها ويترتب عليه إنقضاء الحقوق والإدعاءات التي تنازل عنها أي من الطرفين تنازلاً نهائياً)، ومع هذا وذاك فقد اهدرت الفقرة (4) من المادة (328) مرافعات اهدرت كافة عقود الصلح التي تتم خارج الخلافات المنظورة أمام القضاء!!!!؟.
وللتدليل على تهالك الفقرة (4) من المادة (328) مرافعات وعدم منطقيتها فقد كان المستشارون القانونيون ينصحوا المتصالحين بأن يفتعلوا فيما بينهم دعوى وإجابة أمام المحكمة حتى تصادق المحكمة على الصلح الذي تم بينهم!!!؟ ولذلك فقد علق أحد المواطنين على ذلك بقوله: (إذن القانون هذا لعب جهال)!!!؟. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص ١١١).
الوجه الرابع: تنفيذ عقد الصلح وفقاً للفقرة (4) من المادة (328) مرافعات وإستحداث قاضي الصلح وفقاً لتعديل قانون السلطة القضائية 2024م:
استحدث المقنن اليمني في التعديل الأخير لقانون السلطة القضائية (2024م) استحدث قاضي الصلح للتوفيق بين الخصوم للوصول بهم إلى الصلح للحد من تدفق القضايا امام المحاكم وتراكمها، غير أن هذا الإجراء الطموح يصطدم بالنص القانوني وهو الفقرة (4) من المادة (328) مرافعات التي اشترطت أن يكون هناك نزاعاً موضوعياً منظور أمام قاضي الموضوع في المحكمة حتى يمكن حسم النزاع وإنهائه عن طريق عقد الصلح وصيرورته سنداً تنفيذياً، ومع وجود الفقرة (٤) من المادة (٣٢٨) السابق ذكرها فإن وجود قاضي الصلح كعدمه!!!؟.
وهذا الأمر يعزز توصيتنا السابقة بضرورة تعديل الفقرة (4) من المادة (328) حتى تكون صيغتها بعد التعديل: (-4- عقود الصلح المصدق عليها من قبل قاضي الصلح أو أقلام التوثيق).
الوجه الخامس: تنفيذ عقد الصلح من إختصاص قاضي التنفيذ:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن عقد الصلح حينما يكون سنداً تنفيذياً فإن القاضي المختص بنظره وتنفيذه هو قاضي التنفيذ وليس قاضي الموضوع، لأن الصلح المصادق عليه يكون سنداً تنفيذياً بموجب الفقرة (4) من المادة (328) مرافعات مثله في ذلك مثل غيره من السندات التنفيذية المحددة في المادة (328).
الوجه السادس: تنفيذ عقد الصلح المبرم بين تجار تختص به المحكمة التجارية:
قضى الحكم محل تعليقنا بان عقد الصلح حينما تكون أطرافه من التجار فأنه يكون عقداً تجارياً لأن المادة (14) من القانون التجاري قد صرحت بأن الأصل في عقود التاجر وإلتزاماته أن تكون تجارية، (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص ١١٣)، والله اعلم.
