رفض المحكمة طلب الخصم الاستشهاد بشهود

رفض المحكمة طلب الخصم الاستشهاد بشهود

رفض المحكمة طلب الخصم الاستشهاد بشهود

تكاد الشهادة أن تكون أهم الأدلة التي يستدل بها الخصم، لأن قانون الإثبات اليمني قد وضعها في المرتبة الاولى بين طرق الإثبات، إضافة الى ان الشهادة من اهم الأدلة الناطقة التي يمكن للمحكمة وللخصوم من خلالها من الوقوف على تفاصيل وإيضاحات كثيرة عن الواقعة أو التصرف عن طريق مناقشة الشاهد وتوجيه الاسئلة إليه بشان الواقعة المشهود عليها ، فالشهادة دليل ناطق حي يجعل المحكمة والخصوم على بينة من الخلاف أو الوقائع المشهود عليها محل الخلاف، ولذلك فإن رفض المحكمة طلب الخصم الإستشهاد بشهادات شهود يعد إخلالاً بحق الدفاع بل بحق التقاضي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-3-2010م في الطعن رقم (37130)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ومما سبق يتضح عدم سلامة ما حاجج به الحكم الإستئنافي المطعون فيه بشأن تبرير رفض الشعبة سماع الشهادة، لأن ذلك قد قاد الحكم إلى الإخلال بحق الدفاع بالمخالفة للمادتين (16 و 17) مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أهمية الشهادة في الإثبات وإحاطة القاضي بالقضية

حدد قانون الإثبات اليمني طرق الإثبات في المادة (13) وجعل الشهادة في المركز الأول بين طرق الإثبات، ونظم القانون ذاته الشهادة وإجراءاتها وحجيتها ومناقشة الشاهد وتوجيه الأسئلة اليه ، وحجية الشهادة وذلك في المواد (من 26 حتى 77) ولم يهتم قانون الإثبات بأية طريقة من طرق الإثبات كإهتمامه بالشهادة، للتدليل على أهمية الشهادة ودورها وحجيتها في الإثبات، بالإضافة إلى دورها في توفير البيانات والمعلومات والتفاصيل اللازمة للقضية حتى يتمكن القاضي من الإحاطة بها، بإعتبار الشهادة من الأدلة الناطقة، إذ يتمكن القاضي والخصوم من خلال مناقشة الشاهد وتوجيه الأسئلة إليه من الوقوف على المسائل المجملة أو الغامضة أو غير المعروفة بخلاف الأدلة الصامتة كالمحررات والتقارير...إلخ.

الوجه الثاني: جدية طلب الخصم الإستشهاد بشهادة الشهود

لأهمية شهادات الشهود ودورها في الإحاطة بوقائع النزاع وتفاصيله فقد اجاز قانون الإثبات إحضار الشاهد جبراً ، كما اجاز للقاضي الذي ينظر النزاع الإنتقال لسماع شهادة الشاهد المعذور أو ندب قاض من المحكمة ذاتها أو ندب محكمة أخرى للاستماع الى شهادة الشهود ، كما نظم القانون بصورة مفصلة كيفية توجيه الأسئلة إلى الشاهد وكيفية وإجراءات الاستماع إلى شهادته.

 ولضمان جدية طلب الإستشهاد بشهادة الشهود، فقد اشترط قانون الإثبات على الخصم طالب الشهادة أن يحدد اسماء الشهود واماكن تواجدهم والوقائع المطلوب إستشهادهم عليها لضمان جدية الطلب ، حسبما هو مقرر في المادة (58) من قانون الإثبات التي نصت على أنه (على الخصم الذي يطلب الإثبات بشهادة الشهود أن يبين الوقائع التي يريد إثباتها عن طريق الشهادة وبيان عدد الشهود الذين يريد سماع شاهداتهم عليها إجمالاً) ، ولضمان جدية طلب الخصم الإستشهاد بشهادة شهود فقد نظم قانون الإثبات إجراءات ومواعيد حضور الشهود.

 الوجه الثالث: الشهادة لله تعالى واثرها في بيان الحقيقة وتحقيق العدالة

من المؤكد في الشريعة الإسلامية أن الشهادة تؤدى حسبة لله تعالى ، ولا تؤدى لمصلحة الخصم طالب الشهادة، والنصوص الشرعية في هذا الباب كثيرة منها: قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} وقوله تعالى {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} ، ولذلك يجب أن يبدأ الشاهد شهادته بقوله: (اشهد لله).

 ونسبة الشهادة إلى الله تعالى على النحو الوارد في النصوص الشرعية بما فيها النصين السابقين ، معنى نسبة الشهادة لله تعالى: أن الشاهد يحتسب في شهادته مرضاة الله تعالى بإعتبار الله تعالى هو : (الحق والعدل والحكم) اسماً وصفةً، ومن خلال ما ورد في هذا الوجه تظهر علاقة الشهادة بالنظام العام.

الوجه الرابع: خفاء شهادة الشاهد حتى الإدلاء بها في مجلس القضاء

من المعروف أن الشرع والقانون والعرف يمنع تلقين الشاهد أو حتى معرفة مضمون شهادته خارج مجلس القضاء ،فالاصل انه لا يجوز للشاهد أن يدلي بشهادته إلا أمام القاضي أو المحكم التي ينظر النزاع.

ولذلك فإن مضمون شهادة الشاهد وتفاصيلها تبقى خفية في ضمير الشاهد ، فلا يستطيع القاضي أو حتى الخصوم معرفة مضمون الشهادة أو تفاصيلها إلا حين الإدلاء بها امام القاضي الذي ينظر النزاع، ولذلك فأنه يتعذر على القاضي أو الخصوم التقرير بعدم أهمية أو عدم جدوى الإستماع إلى شهادة الشاهد قبل الإستماع لها بالفعل، لأن شهادة الشاهد المطلوب الإستشهاد بها قد تتعارض مع الشهادات السابقة عليها ، كما أنها قد تدحض الأدلة الأخرى بإعتبار أن مرتبة الشهادة في المرتبة الأولى ، حسبما تقدم بيانه، ولذلك فانه من الصعب للغاية معرفة أهمية أو جدوى الشهادة ودورها في القضية قبل الإستماع بالفعل إلى الشهادة.

الوجه الخامس: طلب الخصم الإستشهاد بشهادة الشاهد وحق الدفاع

سبق أن ذكرنا أهمية الشهادة ومرتبتها في الإثبات وحجيتها، وذكرنا أنها من أهم طرق الإثبات على الإطلاق، ومن المعلوم أن أدلة الإثبات من أهم أوجه دفاع الخصوم التي يجب على المحكمة أن تستجيب لطلبات الخصوم في تقديمها وأنه يجب على المحكمة أن تناقشها تفصيلاً ضمن أسباب الحكم وأن تبين سبب أخذها بها أو طرحها لها، ولذلك فإن عدم إستجابة المحكمة وإهمالها أو تجاهلها لطلب الخصم إستدعاء شهوده يعد إخلالاً بحق الدفاع حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، وبحسب ماورد في المادة (١٧) مرافعات التي نصت على أن (حق الإدعاء والدفاع مكفولان أمام القضاء وفقا لأحكام القانون )، وكذلك حق الادعاء والدفاع مكفولان في الدستور ، ولايستطيع الخصم التمتمع بحق الإدعاء أو الدفاع من غير أن يتم تمكينه من الأدلة التي تؤيد دعواه أو دفاعه ، ومن هذه الأدلة شهادة الشهود.(التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٤صنعاء، ص٢٣٤).

الوجه السادس: كفاية الأدلة وطلب الخصم الإستشهاد بشهادة الشهود

 إذا كان الخصم طالب الشهادة في مركز الإدعاء وكانت الأدلة المقدمة من قبله كافية للحكم له ، ومع ذلك قام بطلب الإستشهاد بشهادة شهود ، ففي هذه الحالة يسود نقاش قانوني بشأن هذه المسألة، فهناك من يتجه إلى أنه إذا كانت الأدلة كافية للحكم وكانت شهادة الشاهد زائدة عن تلك الأدلة الكافية فان الشهادة التي يطلب الخصم الإستشهاد بها غير مؤثرة في وجهة الحكم في القضية ، ولذلك بحسب وجهة النظر هذه فإن المحكمة غير ملزمة بالإستجابة لطلب الخصم الاستشهاد بشهادات شهود، لأن الشهادة في هذه الحالة تحصيل حاصل، في حين يذهب إتجاه مغاير إلى وجوب الإستجابة لطلب الخصم في هذه الحالة ، لأن المقصود بالشهادة ليس مجرد جمع أدلة لصالح الخصم ، وإنما الغرض من ذلك أن تتم الشهادة حسبة لله تعالى حتى يقف القاضي على تفاصيل النزاع، ويكون الحكم موافقاً للواقع والقانون، فربما تتضمن شهادة الشاهد تفاصيل تغير وجهة الحكم أو تؤثر في تقدير الأدلة التي ترى المحكمة أنها كافية.

اما عندما يكون الخصم طالب الشهادة في مركز الدفاع فإن الفقه الشرعي والقانوني متفق على أهمية الإستجابة لطلب الخصم الإستشهاد بشهادة الشهود. (شهادة الشهود، المستشار مصطفى مجدي هرجة، دار محمود القاهرة ٢٠١٠م،ص٧٥)، والله اعلم.