![]() |
الرجوع في عقد البيع العقاري |
الرجوع في البيع العقاري هو الذي يتم اثناء مجلس العقد قبل أن ينفض مجلس العقد وينصرف البائع والمشتري من المجلس ،فالرجوع إذا وقع من البائع كان تراجعا منه عن الإيجاب الذي سبق ان صدر منه قبل قليل ، واذا كان الرجوع من قبل المشتري فانه يكون تراجعا منه عن القبول الذي سبق أن صدر منه قبل قليل، فالرجوع عن عقد البيع في هذه الحالة يقع بعد صدور الإيجاب والقبول وقبل تنفيذ العقد ، ويكون الرجوع هنا تطبيقا لخيار المجلس المقرر في فقه الشريعة الاسلامية الذي آخذ به القانون المدني اليمني ، ومن هذه الناحية فان الرجوع عن البيع يختلف عن فسخ البيع الذي يقع بعد ان ينفض مجلس العقد.
ويطلق العوام في اليمن مصطلح (الارجاع والاسترجاع) على فسخ البيع الذي الذي يقع بعد إنتهاء مجلس البيع والشراء ، في حين ان ذلك يكون فسخا لارجوعا.
وقد نظمت المادة (452) من القانون المدني اليمني كيفية انعقاد البيع ووقت الرجوع فيه، اذ نصت هذه المادة على انه (ينعقد البيع بإيجاب مكلف وقبول مثله متطابقين دالين على معنى التمليك و التملك حسب العرف لفظاً او كتابة و بالإشارة المفهمة من الأخرس ومن في حكمه كالمصمت والاعمى او بالمراسلة بين الغائبين، ويتم العقد بتلاقي الإيجاب والقبول في مجلس العقد، وتنزل مدة التعاقد بالمراسلة منزلة مجلس العقد، ويكون الايجاب القبول في مجلس العقد قبل الإعراض ولهم الرجوع في المجلس، ولا يشترط فيهما التلفظ وانما المعتبر التراضي بما تدل عليه قرإئن الأحوال ويكفي في المحقر ما أعتاده الناس).
والظاهر من خلال مطالعة النص القانوني السابق انه اجاز للبائع والمشتري الرجوع عن البيع في مجلس العقد وقبل إنتهاء المجلس، وعلى ذلك فان الرجوع عن البيع بصفة عامة سواء البيع العقاري ام غيره لا يكون معتبراً الا اذا تم في المجلس العقد أثناء مجلس العقد، حسبما ورد في النص السابق، اما بعد أن ينفض المجلس فيكون فسخا وليس رجوعا.
وإن كانت احكام عقد البيع المقررة في القانون المدني تسري على عقد البيع العقاري الا ان عقد البيع العقاري له احكامه الخاصة المقررة في قانون السجل العقاري وقانون التوثيق.
فقد نصت المادة (5) من قانون السجل العقاري اليمني على انه (لا تعتبر نافذة في سريان احكام هذا القانون حتى بين المتعاقدين الاتفاقات العقارية مثل عقود البيع والمبادلة والقسمة والإنتفاع والرهن وغيرها ان لم يتم قيدها في السجل العقاري على أن ذلك لا يمنع المتعاقدين من متابعة حقوقهم الشخصية امام القضاء).
وبعد تسجيل البيع العقاري في السجل العقاري لا يجوز الرجوع عنه أو فسخه الا بموجب حكم او اتفاق بين اطراف عقد البيع العقاري، وفي هذا المعنى نصت المادة (7) من قانون السجل العقاري على انه (لا يمكن إلغاء او تعديل اي قيد من قيود السجل الا بحكم نهائي صادر من القضاء او إقرار صاحب الحق كما في الهبة او التنازل عن الحق ، ويشترط ان لا يمس هذا الإقرار بحقوق الغير المسجلة لدى القيد).
اما قانون التوثيق فقد نصت المادة (31) منه على ان (تكون للمحررات الموثقة من قبل الموثق حجية المحررات الرسمية مالم يثبت تزويرها او بطلانها بالطرق القانونية ، اما المحررات الناقلة للملكية العقارية والرهن الحيازي فلا تكتسب هذه الحجية الا بين طرفيها فقط اما حجيتها امام الكافة فلا تكون الا بعد تسجيلها في السجل العقاري).
ويمكن تلخيص احكام الرجوع عن البيع العقاري بحسب ماهو مبين في الأوجه الاتية:
الوجه الاول: الرجوع عن البيع العقاري في مجلس العقد وفقاً للمفهوم الشرعي والقانوني:
نصت المادة (452) مدني على انه (ينعقد البيع بإيجاب مكلف وقبول مثله متطابقين دالين على معنى التمليك و التملك حسب العرف لفظاً او كتابة و بالإشارة المفهمة من الاخرس ومن في حكمه كالمصمت والاعمى او بالمراسلة بين الغائبين، ويتم العقد بتلاقي الايجاب والقبول في المجلس العقد، وتنزل مدة التعاقد بالمراسلة منزلة مجلس العقد، ويكون الايجاب القبول في مجلس العقد قبل الإعراض ولهم الرجوع في المجلس، ولا يشترط فيهما التلفظ وانما المعتبر التراضي بما تدل عليه قرإئن الأحوال ويكفي في المحقر ما أعتاده الناس).
فقد صرحت هذه المادة بان الرجوع عن عقد البيع جائز اثناء مجلس العقد طالما ان مجلس العقد مازال منعقداً او مازال العاقدين حاضرين في المجلس الحقيقي، لان قانون التوثيق اليمني قد اشترط حضور البائع والمشتري أو من ينوبهما امام الموثق أو الامين الشرعي عند إنشاء عقد البيع العقاري .
وعلى اساس ما ورد في المادة (452) مدني السابق ذكرها، فان الرجوع عن عقد البيع العقاري هو الذي يتم اثناء مجلس عقد البيع العقاري، فالرجوع في هذه الحالة جائز سواء أكان الموثق او الامين الشرعي قد قام بتحريرعقد البيع (البصيرة/الحجة) ام لا، وعندئذ يسمى هذا التصرف رجوع عن عقد البيع، اما بعد إنتهاء مجلس العقد فيكون فسخا وليس رجوعا.
الوجه الثاني: إجراءات الرجوع عن البيع العقاري:
في الوجه السابق اشرنا إلى ان احكام الشريعة الاسلامية والمادة (452) مدني قد اجازت للبائع والمشتري الرجوع عن عقد البيع أثناء مجلس العقد الحقيقي ، بيد انه يجب على المتعاقد الراجع التصريح برجوعه امام كاتب العقد وشهوده الذين قد سبقوا لهم ان سمعوا عبارات الايجاب والقبول من البائع والمشتري قبل التراجع.
واذا لم يكن كاتب عقد البيع قد قام بكتابة عقد البيع في السجل أو في البصيرة فلا يلزم ان يتم تحيرة رير وثيقة تتضمن رجوع المتعاقد عن البيع، اما اذا كان الكاتب قد قام بتحرير عقد البيع في السجل المعد لهذا الغرض وهو مايطلق عليه في اليمن (المسخرة) فان يجب في هذه الحالة إثبات الرجوع في السجل أو المسخرة ، واذا كان قد تم تحرير العقد في المسخرة والبصيرة فيجب إثبات الرجوع في المسخرة وكذا إثبات الرجوع على ظهر البصيرة، شريطة ان يتم التوقيع على وثيقة الرجوع من قبل كاتب العقد وشهوده حتى يكون الشكل القانوني للرجوع موازياً لعقد البيع الذي تم الرجوع عنه . (فقه المعاملات المالية المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة 2022م صنعاء، ص82).
الوجه الثالث: حق الرجوع عن عقد البيع العقاري:
من عظمة الشريعة الاسلامية حرصها على سلامة وحرية ورضاء المتعاقدين بالعقد حتى تتم العقود بناء على ارادة حرة متنورة ليس فيها إكراه او إغراء او إحراج، ومن مظاهر حرص الشريعة الاسلامية على رضاء و اختيار المتعاقدين قبل العقد واثناء العقد بل حتى بعد العقد من مظاهر ذلك الخيارات المختلفة والمتنوعة التي قررتها الشريعة الاسلامية والتي اوصلها بعض الفقهاء الى اكثر من (27) خياراً يحق للمتعاقدين اللجوء اليها أثناء إبرام العقد، ومن هذه الخيارات (خيار المجلس) أي مجلس عقد البيع الذي يجتمع فيه البائع و المشتري وكاتب العقد وشهوده، فالرجوع عن عقد البيع العقاري من تطبيقات خيار المجلس.
ومقتضى ذلك انه يحق لأي من طرفي عقد البيع وهما البائع والمشتري الرجوع عن عقد البيع أي عن الايجاب والقبول الذي سبق صدوره منهما في المجلس، فالرجوع عن عقد البيع حق للبائع والمشتري معاً، فيحق لأي منهما الرجوع طالما ان المجلس لازال قائما.
الوجه الرابع: آثار الرجوع عن عقد البيع العقاري:
اذا ثبت الرجوع عن العقد البيع العقاري فانه يترتب على ذلك إنهاء عقد البيع الذي تم عن طريق الإيجاب والقبول ،وذلك قبل الرجوع بوقت يسير، فيترتب على الرجوع وجوب التراد أي رد البائع والمشتري الى الحالة التي كانا عليها قبل تمام العقد اي قبل الإيجاب والقبول، ومقتضى ذلك إعادة الثمن الى المشتري وإعادة كافة الوثائق والمستندات المتعلقة بملكية المبيع العقاري الى البائع، فيصير عقد البيع كأن لم يكن.
الوجه الخامس: الفرق بين الرجوع عن عقد البيع وفسخه:
اشرنا في الأوجه السابقة الى ان الرجوع عن عقد البيع يتم أثناء مجلس عقد البيع وبعد إنعقاد العقد بالإيحاب والقبول بقليل وقبل ان يتفرقا البائع والمشتري، وفي هذه المسألة يختلف الرجوع عن عقد البيع يختلف عن فسخ العقد، ففسخ عقد البيع يتم بعد ان ينقضي مجلس البيع و الشراء.
واذا كان الرجوع عن البيع يختلف عن فسخه من حيث وقت ذلك إلا أن الأثار المترتبة عليهما تكاد ان تكون واحدة، وخلاصتها عودة طرفي العقد الى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد .
ومع هذا وذاك فان هناك فارق جوهري بين الرجوع عن العقد في مجلس العقد وبين فسخ عقد البيع بعد ذلك، وهذا الفرق هو ان الرجوع عن البيع في كل احواله لا يلزمه موافقة الطرف الاخر، لان من حق البائع وحده ان يرجع عن البيع ومن حق المشتري ان يرجع عن البيع وحده فلا يلزم موافقة الطرف الاخر على الرجوع بخلاف فسخ عقد البيع فانه ينبغي على الطرفين الاتفاق على فسخه الا اذا كان احدهما قد قام بفسخ العقد إستعمالا لخيار من الخيارات كخيار العيب او الشرط مثلاً.
الوجه السادس: إجراءات الرجوع عن البيع العقاري وإجراءات فسخه:
وفقاً لقانون التوثيق وقانون السجل العقاري اليمني فان وسيلة إثبات الملكية العقارية هي المستندات الكتابية، ولذلك فان الكتابة هي وسيلة إثبات الملكية العقارية، وعلى هذا الاساس اذا كانت قد تمت كتابة عقد البيع في بصيرة او حجة الشراء فانه يجب ان تتم كتابة الرجوع عن البيع او فسخه، وكذلك الحال اذا كان قد تم تسجيل سند الملكية (وثيقة البيع/ البصيرة/ الحجة) لدى السجل العقاري فانه يجب ان يتم إثبات الرجوع او الفسخ في السجل العقاري عملاً بقانون السجل العقاري . (التعليق على احكام المحكمة العليا في المسائل المدنية الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة صنعاء ، طبعة 2023م صنعاء، ص152). والله اعلم.
