الإبطال الجزئي للقسمة
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
من أسباب إطالة اجراءات القسمة في اليمن ان المحكمة تقضي بنقض القسمة كلها واعادة الورثة المتقاسمين إلى ماقبل إجراء القسمة وتوسيع رقعة الخلاف بين الورثة وتوريث الحقد والضغائن فيما بين الورثة الاقارب وجعلهم اباعد ، وتعطيل حصول الورثة على انصبتهم الشرعية في يسر وسهولة وسرعة ، مع أن القسمة الرضائية عقد وفقا للمادة (1200) من القانون المدني اليمني ، ومع أن المادة (204) مدني نصت على انه (إذا كان العقد غير صحيح في بعض متميز منه فهذا البعض وحده هو الذي يبطل الا إذا تبين ان العقد ماكان ليتم بغير البعض الذي ثبت عدم صحته فيبطل كله).
وقد ذكرنا في تعليق سابق أن القانون المدني اليمني ، وهو القانون الذي نظم إجراءات القسمة الاختيارية والقسمة الجبرية قد صرح بجواز تصحيح القسمة الباطلة عن طريق الاقتصار على إبطال الاجراء الباطل وتصحيحه عن طريق الحكم بالاجراء الصحيح البديل للاجراء الذي قضت المحكمة ببطلانه ، بإعتبار القسمة عقداً مثل غيرها من العقود، وبناءً على ذلك فان الواجب ان تكتفى المحكمة عند نظرها في دعوى إبطال القسمة أو نقضها ان تكتفي المحكمة بإبطال الإجراءات الباطلة التي شابت القسمة دون إبطال كل إجراءات القسمة، بيد أنه إذا قضى الحكم بإبطال بعض إجراءات القسمة فأنه يجب عليه في الوقت ذاته أن ينص الحكم ذاته على القضاء البديل للإجراء أو الإجراءات التي ابطلها ، فإذا قضى الحكم بإبطال الوصية لوارث أو النذر أو الهبة أو غير ذلك فأنه يجب على الحكم أن يقض بقسمة الأموال الموصى بها أو الموهوبة أو المنذورة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 22/10/2016م في الطعن رقم (57924)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وإضافة إلى ما سلف فإن المحكمة لم تقض بقسمة ما تم إبطاله من النذريات والبيوع بين الورثة وإعطاء المدعية نصيبها الشرعي من ذلك، وفيما تقدم يكفي لقبول الطعن موضوعاً ونقض الحكم المطعون فيه دون الحاجة لمناقشة بقية الأسباب)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهية الإبطال الجزئي للقسمة:
في تعليق سابق ذكرنا أنه من الشائع في اليمن وغيرها أن تشوب القسمة بعض الإجراءات الباطلة بصرف عن حجم وتاثير الاجراءات الباطلة ، وذكرنا في التعليق المشار إليه أن القسمة التي تشوبها بعض الإجراءات الباطلة من الممكن تصحيحها عن طريق الاكتفاء بإبطال الاجراءات الباطلة فقط وفي الوقت ذاته الحكم بالاجراءات البديلة للاجراءات الباطلة المحكوم ببطلانها ،لان القسمة عقد بموجب القانون المدني اليمني الذي عرّف القسمة بأنها عقد حسبما ورد المادة (1200) مدني.
ومن المعلوم أن العقد بصفة عامة إذا شابته بعض الإجراءات الباطلة يجوز تصحيح الإجراءات الباطلة فقط دون إبطال العقد كله، وفي هذا المعنى نصت المادة (204) مدني على أنه (إذا كان العقد غير صحيح في بعض متميز منه، فهذا البعض وحده هو الذي يبطل إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير البعض الذي ثبت عدم صحته فيبطل كله)، وبناءً على هذا النص فإن القاضي عندما ينظر في دعوى إبطال القسمة أو نقضها ، يجب على القاضي في هذه الحالة أن لا ينقض القسمة كلها وإنما يكتفي بإبطال الإجراءات الباطلة دون أن يتعرض لإجراءات القسمة الأخرى الصحيحة، لأن نقض القسمة كلها يتعارض مع مبدأ الاقتصاد في إجراءات التقاضي وعدم الهدر الإجرائي، كما أن نقض القسمة كلها بسبب بعض الإجراءات الباطلة التي شابتها يوسع من رقعة الخلاف بين الورثة ويؤدي إلى تعقيد إجراءات نظر القسمة ويؤدي الى إطالة إجراءات الفصل في القسمة، وتعذر إعادة بعض إجراءات القسمة التي كانت صحيحة في الأصل نظراً لظهور مستجدات بعد القسمة السابقة المحكوم بنقضها.
ولذلك عند نظر القاضي لدعوى إبطال القسمة أو نقضها يجب عليه الاقتصار على إبطال اجراءات القسمة التي ثبت لديه بطلانها فقط، ولايتجاوز في قضائه الى إبطال اجراءات القسمة الاخرى التي تمت صحيحة ، فمثلا إذا ثبت للقاضي تجنيب بعض اموال التركة بسبب الحيلة أو الوصية أو الهبة او النذر لوارث ففي هذه الحالة يحكم ببطلان التصرف الباطل في هذه الاموال فقط ، وفي الوقت ذاته يجب على القاضي ان يحكم بقسمة الاموال التي تم تجنيبها من القسمة السابقة ، على ان يتم ذلك بحكم واحد يشمل إبطال التصرفات الباطلة وقسمة الأموال الناتجة عن تلك التصرفات بين الورثة جميعا.
الوجه الثاني: إذا قضت المحكمة بإبطال القسمة كلها أو إبطال بعض إجراءاتها فأنه يجب عليها في هذه الحالة القضاء بالإجراءات الصحيحة البديلة وذلك في حكم واحد:
سبق القول أنه يجب على المحكمة عند نظرها دعوى إبطال قسمة أن تقتصر على إبطال إجراءات القسمة التي ثبت لها بطلانها وفقاً لأحكام الشرع والقانون دون أن تبطل إجراءات القسمة الأخرى الصحيحة، غير أنه يجب على المحكمة إذا قضت بإبطال بعض إجراءات القسمة فأنه يجب على المحكمة في هذه الحالة أن تفصل في مسألة الإجراءات التي قضت بإبطالها ، فعلى المحكمة في هذا الشان أن تقضي بالإجراءات البديلة للإجراءات التي حكمت بإبطالها وذلك في حكم واحد ، حتى يكون هذا الحكم فاصلاً في النزاع برمته، وحتى لا يقوم الورثة المتقاسمين بتقديم دعوى أخرى أمام المحكمة لاستكمال إجراءات القسمة التي ابطلتها المحكمة.
وتطبيقاً لهذا المفهوم فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأنه كان من الواجب على محكمة الموضوع أن تقض بقسمة أموال التركة التي قضت ببطلان التصرفات بشانها كنذر المورث لها لبعض الورثة وكذا تصرف بعض الورثة ببعض أموال التركة فيما بينهم بقصد تجنيبها من وعاء التركة القابلة للقسمة بين كافة الورثة، فقد قضى الحكم محل تعليقنا بأنه كان من الواجب على محكمة الموضوع أن تقضي بقسمة تلك الأموال على جميع الورثة بمن فيهم الطاعنة، وأنه كان يجب على محكمة الموضوع أن تقضي بتسليم الطاعنة نصيبها من الأموال التي قضت المحكمة ببطلان تصرف المورث والورثة فيها، حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، والله أعلم.
