التوكيل بالخصومة الصادر من الوكيل

التوكيل بالخصومة الصادر من الوكيل

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

المقصود بهذا التوكيل: أن يقوم الأصيل أو الموكل بتوكيل غيره في تمثيله أمام القضاء والترافع نيابة عنه، وبناءً على هذا التوكيل يقوم الوكيل بتوكيل غيره للقيام بأعباء التوكيل المسند له، والتوكيل الصادر من الوكيل لغيره  جائز في حدود التوكيل الصادر من الأصيل للوكيل، بيد أن التوكيل بالخصومة وفقا لقانوني المحاماة والمرافعات لايجوز ان يصدر الا للمحامين  والتفاؤل والأزهار إلى الدرجة الرابعة.

 وعلى هذا الاساس فقد يقوم الأخ بتوكيل اخيه أو ابنه أو غيرهما بالمرافعة بالوكالة عنه، وينص في التوكيل على أنه يحق للوكيل أن يقوم بتوكيل المحامين وعزلهم وإختيار الخبراء العدول...إلخ، وبموجب هذا التوكيل يحق للوكيل أن يقوم بتوكيل المحامين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19-1-2010م في الطعن رقم (36776)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: ((وتجد الدائرة أن: أسباب الطعن تدور حول بطلان حكم الشعبة، وقد ارجع الطاعن  ذلك إلى عدة أسباب أولها أن الطعن بالاستئناف قد تم رفعه من غير ذي صفة، حيث قام برفعه المحامي دون أن يكون لديه وكالة من المستأنف أو من يمثله قانوناً، وبرجوع الدائرة إلى الأوراق فقد وجدت أن هذا النعي لا أساس له، إذ ان المحامي الذي رفع الاستئناف قد تم توكيله من قبل ابن المستأنف، وذلك بناءً على التوكيل الصادر للأبن من ابيه ، والذي تضمن ان الأب قد قام بتوكيل ابنه بالمرافعة والمدافعة أمام المحكمة التجارية في القضية فيما بينه وبين خصميه، وكذا في تقديم التظلمات والدعاوى ضد المذكورين أمام المحاكم ، وصرح في الوكالة بأنه له الحق في توكيل من يريد من المحامين، وفي هذا ما يكفي لرفض هذا السبب من الطعن))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الأشخاص الذين يجوز توكيلهم في الخصومة والذين لا يجوز توكيلهم:

بينت المادة (117) من قانون المرافعات اليمني بينت الأشخاص الذين يجوز توكيلهم في الخصومة أي في الترافع أمام القضاء، إذ نصت المادة (117) على أنه (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة والمادة (125) من هذا القانون يقبل وكيلاً عن الخصم المحامون والأزواج والأقارب والأصهار إلى الدرجة الرابعة وتثبت الوكالة بصك رسمي معتمد أو بإقرار الموكل أمام المحكمة إذا كان حاضراً ويثبت ذلك في محضر الجلسة) ، وقد أشار هذا النص إلى المادة (125) مرافعات التي حددت الأشخاص الذين لا يجوز توكيلهم في الخصومة، فقد نصت المادة (125)  مرافعات على أنه (لا يجوز لأحد القضاة أو مساعديهم أو النائب العام أو أي عضو من أعضاء النيابة العامة أو رجـال الجيش أو الأمن أو لأحد العاملين بالمحاكم أو وزارة العدل أن يكون وكيلاً أو منصوباً عن الخصوم في الحضور أو المرافعة في الدعوى مشافهةً أو بالكتابة أو بالإفتاء أمام أية محكمة كانت ، إلا أن يكون ذلك عمَن لهم الولاية أو الوصاية عليهم شرعاً وقانوناً أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم وكل عمل يتم على خلاف ذلك يكون باطلاً فضلاً عن المساءلة التأديبية).

وفي هذا السياق نصت المادة (39) من قانون المحاماة على أنه (لا يجوز للمحاكم على إختلاف درجاتها والنيابة العامة والجهات الرسمية والإدارية المختلفة قبول وكالة أي شخص غير حائز على ترخيص مزاولة المهنة صادر طبقاً لأحكام هذا القانون ويجوز للمتقاضين أنفسهم في غير القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا أن ينيبوا عنهم في المرافعة أزواجهم وأصهارهم وذوي قرابتهم حتى الدرجة الرابعة).

وكذا نصت المادة (50) محاماة على أنه (يحق للمحامين العاملين المرخص لهم دون غيرهم ممارسة مهنة المحاماة وأي عمل من أعمالها ولهم وحدهم حق الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم والنيابة العامة ودوائر الشرطة والتحقيق واللجان والهيئات ذات الإختصاص القضائي).

الوجه الثاني: جواز التوكيل بالخصومة للأبن حتى ولو لم يكن محاميا:

قضى الحكم محل تعليقنا بجواز التوكيل بالخصومة للأبن لأنه يندرج ضمن الأقارب الذين يجوز توكيلهم في الخصومة وفقاً للمادة (117) مرافعات والمادة (39) محاماة السابق ذكرهما، إضافة إلى أن المادة (125) مرافعات السابق ذكرها في الوجه الأول.

الوجه الثالث: توكيل غير المحامين استثناء لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه:

للنصوص القانونية علل وحكم ، مثلها في ذلك مثل النصوص الشرعية ، وتظهر  علل و حكم  النصوص القانونية عن طريق الوقوف على الأعمال التحضيرية للنصوص القانونية قبل إقرارها بصيغتها الواردة في القانون.

وقد كان وراء النصوص القانونية التي حصرت حق التوكيل في الخصومة في المحامين كان وراء ذلك نضال مرير خاضه المحامون في اليمن في مواجهة طائفة (وكلاء الشريعة)، وهي طائفة لم يتخرج أفرادها من كليات الشريعة والقانون أو الحقوق وإنما اكتسبوا مهاراتهم في الترافع عن طريق الممارسة العملية.

ورغم أن مهنة وكلاء الشريعة كانت الأصل التاريخي لمهنة المحاماة في اليمن، إلا أن وكلاء الشريعة كانوا عرضة للنقد في مراحل التاريخ المختلفة فقد قال ابن الأمير الصنعاني اليمني محذراً القاضي المحبشي حين توليه القضاء قال ابن الأمير يحذر القاضي المحبشي من تغرير وكلاء الشريعة:

وأحذر وكيلاً يريك الحق باطله ...  يزفه بين تنميق وتحسين.

وقال آخر عن وكلاء الشريعة:

ما وكلاء الحكم إن خاصموا .. إلا شياطين أولوا باس

قوم غدا شرهم فاضلاً .. عنهم فباعوه على الناس

وللأسف لازال هذا الموورث الرديء حاضراً في أذهان بعض المحامين الذين يتعمدوا  التغرير والتضليل ، وهذه المسألة من أسباب الفجوة القائمة في اليمن بين المحامي والقاضي.

وقد أراد المقنن اليمني من قصر التوكيل بالخصومة على المحامين تطوير القضاء الذي لن يكتب له النجاح إلا إذا تم تطوير مهنة المحاماة ، فمدخلات العملية القضائية تتم بواسطة المحامين، (تطور وتطوير القضاء في اليمن، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص82).

الوجه الرابع: توكيل الوكيل بالخصومة لغيره:

صرحت النصوص القانونية السابق ذكرها على جواز توكيل الوكيل  بالخصومة لغيره - ويجب على الوكيل بالخصومة ووكيله  أن يلتزم بما ورد في التوكيل الصادر له من موكله أو من الوكيل وأن يقوم بواجباته كوكيل بالخصومة المحددة في المادة (119) مرافعات،  وهي القيام بالأعمال والإجراءات اللازمة لرفع الدعوى ومتابعتها والدفاع عنها وإتخاذ الإجراءات التحفظية وإبلاغ موكله بمنطوق الحكم بمجرد صدوره ، وكذا يجب على الوكيل بالخصومة التقيد بالالتزامات المقررة في ً المادة (120) مرافعات التي نصت على أنه لا يصح للوكيل بالخصومة غير المفوض بتفويض خاص الإقرار بالحق المدعى به أو التنازل عن الخصومة أو عن الحكم أو عن الطعن أو الصلح أو التحكيم أو قبول اليمين أو توجيهها أو ردها أو الإدعاء بالتزوير أو رد القاضي أو مخاصمته أو رد العدل.

كما لا يجوز للوكيل بالخصومة أن يقوم بتوكيل غيره إلا إذا اذن له موكله في التوكيل الصادر له ، كأن يتم تضمين التوكيل بالخصومة عبارة (وللوكيل بموجب هذا التوكيل أن يقوم بتوكيل المحامين والخبراء العدول...)، وفي هذا المعنى نصت المادة (121) مرافعات على أنه (يجوز للمحامي أن ينيب عنه غيره من المحامين الا إذا اذن له الموكل).

الوجه الخامس: معنى عبارة (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) الواردة في بداية المادة (117) مرافعات:

وردت عبارة (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) في بداية المادة (117) مرافعات التي بينت الفئات التي يجوز توكيلها في الخصومة، ومعنى هذه العبارة ان ماورد  في  نص المادة (117) مرافعات لا يخل بما ورد في المادة (39) محاماة  التي نصت على لا انه (لا يجوز للمحاكم على إختلاف درجاتها والنيابة العامة والجهات الرسمية والإدارية المختلفة قبول وكالة أي شخص غير حائز على ترخيص مزاولة المهنة صادر طبقاً لأحكام هذا القانون ويجوز للمتقاضين أنفسهم في غير القضايا المنظورة أمام المحكمة العليا أن ينيبوا عنهم في المرافعة أزواجهم وأصهارهم وذوي قرابتهم حتى الدرجة الرابعة).

وكذا لا يخل ماورد في المادة (117) مرافعات  بما ورد في المادة (50) محاماة التي نصت على أنه (يحق للمحامين العاملين المرخص لهم دون غيرهم ممارسة مهنة المحاماة وأي عمل من أعمالها ولهم وحدهم حق الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم والنيابة العامة ودوائر الشرطة والتحقيق واللجان والهيئات ذات الإختصاص القضائي).

وورود عبارة (مع مراعاة ما ينص عليه قانون المحاماة) في المادة (117) مرافعات يؤكد أن التوكيل في الخصومة مقرر ومفصل في قانون المحاماة وهو القانون  االخاص الذي ينظم أعمال التوكيل بالخصومة عن طريق بيان  قانون المحاماة لواجبات والتزامات وحقوق وآداب وقيم مهنة المحاماة بإعتبار المحامي هو الوكيل بالخصومة أصلاً، فقد اكتفى قانون المرافعات ببيان الأصول العامة للتوكيل بالخصومة واحال تفاصيل أحكامها إلى قانون المحاماة والنظام الأساسي لنقابة المحامين، والله أعلم.

التوكيل بالخصومة الصادر من الوكيل
التوكيل بالخصومة الصادر من الوكيل


تعليقات