تقادم الإدعاء بالعيوب الخفية

 

تقادم الإدعاء بالعيوب الخفية

تقادم الإدعاء بالعيوب الخفية

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

نصت المادة (248) من القانون المدني اليمني على أنه (إذا كان المتعاقد قد قبل العيب بعد العقد أو علم به وسكت عنه فلم يخبر به العاقد الآخر في مدة معقولة سقط حقه في الخيار به، ويعتبر العاقد عالماً بالعيب على الفور، أما إذا كان العيب مما يحتاج ظهوره إلى فحص غير معتاد فلا يسقط حق الخيار به إلا بمضي مدة يمكن فيها الفحص اقصاها سنة من تاريخ القبض، وإن كان العيب مما لا يظهره الفحص أصلاً فلا يسقط الخيار به مطلقاً).

 ومن خلال سياق هذا النص يظهر ان مدة تقادم الإدعاء بالعيوب الخفية تختلف بحسب تاريخ علم المشتري بالعيب،  غير أن أقصى مدة لذلك هي سنة حسبما ورد في النص السابق ، وحسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30-1-2010م في الطعن رقم (36568)، وقد تضمن الحكم المشار إليه في أسبابه: ((أما ما ادعاه الطاعن من عيوب خفية في البضاعة فلا يجوز قبوله بعد مضي المدة المحددة قانوناً لرفع الدعوى بالعيوب الخفية))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم العيوب الخفية:

المراد بالعيب: النقص الذي جرت العادة بالسلامة منه مما يوجب نقصاً في قيمة الشيء المعيب في عرف التجار أو تقليل منفعته، والمقصود بالخفي أن يكون خافياً على البائع نفسه والمشتري، فإذا كان البائع عالماً بالعيب فقيامه ببيع السلعة المبيعة وهو يعلم أنها كذلك فإن فعل البائع في هذه الحالة يكون من قبيل الغش المحرم في الشريعة الإسلامية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من غش فليس منا) أخرجه مسلم.

والعيب الخفي يعني أن يكون قديماً أي أن العيب قد وقع في السلعة عندما كانت بعهدة البائع قبل إنتقالها إلى حوزة المشتري.

وقد قررت الشريعة الإسلامية خيار العيب لصالح المشتري كوسيلة شرعية وقانونية لمواجهة العيوب الخفية، ومعنى خيار العيب أنه يكون للمشتري الحق في فسخ عقد البيع وإسترداد الثمن الذي دفعه إلى البائع أو إمضاء العقد أو قبض قيمة النقص الذي أحدثه العيب في السلعة. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص261).

الوجه الثاني: تأثير علم المشتري بالعيب الخفي:

ذكرنا فيما سبق أن مفهوم العيب الخفي يعني أن البائع والمشتري لا يعلما بالعيب عند إبرام عقد البيع وإلا لما كان العيب خفياً، وذكرنا أيضاً أنه يجب أن يكون العيب في السلعة المبيعة قديماً أي أنه وقع عندما كانت السلعة بعهدة البائع لها، ومقتضى ذلك أن السلعة تنتقل إلى المشتري وهي معيبة من غير أن يعلم بذلك، فإذا علم المشتري بالعيب وظهر العيب الخفي فله الحق بموجب خيار العيب بمجرد ظهور العيب الخفي ولو بعد العقد بمدة طويلة، أما وقت حق المشتري في فسخ عقد البيع بعد علمه بالعيب الخفي، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين؛ القول الأول: ذهب المالكية والشافعية  الى انه يجب على المشتري فسخ عقد البيع فور علمه بالعيب الخفي ، حتى لا يلحق الضرر بالبائع بسبب التأخير في فسخ العقد ورد المبيع المعيب فإذا تأخر المشتري عن فسخ العقد ورد المبيع فور علمه بالعيب الخفي،  فيعد ذلك تراخياً يسقط حق المشتري في فسخ عقد البيع ورد المبيع المعيب وإسترداد الثمن.

 القول الثاني: فهو ذهب الحنفية وبعض الزيدية والحنابلة إلى ان خيار العيب يثبت للمشتري على التراخي ، فلا يسقط حقه في فسخ العقد ورد المبيع المعيب وإسترداد الثمن الذي دفعه بمضي المدة طالما أنه لم يصدر من المشتري ما يدل على رضاه بالمبيع المعيب، لأن خيار العيب إنما شرعته الشريعة الإسلامية لدفع الضرر فلا يبطل بالتأخير. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، ص261).

وقد نهج القانون المدني اليمني منهج الشريعة الإسلامية، حسبما هو ظاهر من المادة (248) التي نصت على أنه (إذا كان المتعاقد قد قبل العيب بعد العقد أو علم به وسكت عنه فلم يخبر به العاقد الآخر في مدة معقولة سقط حقه في الخيار به، ويعتبر العاقد عالماً بالعيب على الفور، أما إذا كان العيب مما يحتاج ظهوره إلى فحص غير معتاد فلا يسقط حق الخيار به إلا بمضي مدة يمكن فيها الفحص اقصاها سنة من تاريخ القبض، وإن كان العيب مما لا يظهره الفحص أصلاً فلا يسقط الخيار به مطلقاً).

ومن خلال إستقراء هذا النص يظهر لنا ماياتي :

1-  وردت في بداية النص القانوني السابق عبارة (إذا كان المتعاقد قد قبل بالعيب أو سكت عنه ولم يخبر المتعاقد الآخر) ، فقد جعل النص المشار إليه السكوت بعد العلم بالعيب في حكم  القبول الصريح  بالعيب وجعل حكمهما واحدا وهو حق المتعاقد في رد المعيب خلال مدة معقولة، في حين  يذهب غالبية الفقه الإسلامي إلى أن  قبول المتعاقد بالعيب الخفي بعد العلم بالعيب يسقط حقه في خيار العيب  بخلاف حكم سكوت المتعاقد بعد العلم بالعيب ، فقبول المتعاقد الصريح بالعيب الخفي بعد العلم به يسقط حقه في خيار العيب وقت القبول  عند كثير من الفقهاء، في حين أن النص القانوني السابق قد جعل الحكم في القبول الصريح بالعيب بعد العلم به  وفي السكوت بعد العلم واحد ، وهذا الحكم الواحد هو حق المتعاقد في إخبار أو إعلان المتعاقد الآخر بالعيب وخياره بشأن ذلك خلال مدة معقولة  وإلا سقط حق المتعاقد بالخيار  فقد أعتبر النص القانوني السكوت في حكم الرضا الصريح.

2- تحديد مدة خيار العيب واخطار البائع بالعيب  تختلف بحسب طبيعة العيب ، فاذا كان العيب من العيوب الخفية  العادية  التي يستطيع  الشخص العادي العلم  بها والتعرف عليها من خلال الفحص العادي، فقد ورد في النص القانوني السابق انه ينبغي على المتعاقد أو المشتري ان يستعمل خيار العيب  أو الادعاء بالعيب خلال مدة معقولة، والمرجع في تحديد المدة هو العرف التجاري، ويحدد الفقهاء المدة في العرف ما بين الفور و15 يوماً من تاريخ العلم،  فالعيب الخفي العادي  يستطيع المتعاقد نفسه  الوقوف عليه واكتشافه عن طريق  الفحص المعتاد الذي يقوم به الشخص العادي للسلعة.

 أما إذا كان العيب الخفي من العيوب التي لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال الرجوع إلى أهل الخبرة والإختصاص والمعامل والورش المتخصصة فلا يسقط خيار العيب إلا بمضي مدة يمكن فيها الفحص اقصاها مدة سنة من تاريخ قبض المشتري للسلعة.

3- إذا كان العيب مما لا يظهره الفحص أصلاً ، فلا يسقط الخيار به مطلقاً ، فاذا كان العيب الخفي من العيوب التي لا يمكن الوقوف عليها  من قبل المتعاقد نفسه، وليس بوسع المتعاقد  اكتشافه من خلال الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص والفحص، فلايسقط  خيار المتعاقد في هذه الحالة مطلقا حسبما ورد في النص السابق.

 الوجه الثالث: ضمانة سلامة المبيع  الصادرة من البائع للمشتري المحددة بيوم أو يومين أو أكثر أو أقل:

يقوم باعة الاجهزة في اليمن  عند  تسليمهم الاجهزة للمشترين  يقوم الباعة بمنح المشتري للجهاز ضمانة محددة بفترة معينة كيومين أو أكثر ، في حين انه تسري على هذه الضمانة الأحكام  الثلاثة الواردة في نص المادة (248)، فاذا كان العيب من العيوب العادية التي يستطيع المشتري نفسه الوقوف عليها من غير حاجة إلى فحصها  من قبل خبير متخصص، فيسري على هذه الحالة حكم المدة المعقولة المشار اليها في الوجه السابق.

اما إذا كان العيب الخفي  من العيوب التي لايستطيع  المشتري اكتشافها الا عن طريق الفحص  فان مدة هذه الضمانة ينبغي أن يكون اقصاها سنة  وفقا لنص المادة (248) مدني السابق ذكرها في الوجه الثاني من هذا التعليق، لأن الأجهزة تحتاج إلى فحص ويسري عليها الحكم الوارد في نهاية المادة (248) السابق  ذكرها، واذا كان العيب الخفي  مما لايستطيع المتعاقد نفسه اكتشافه أو مما لايمكن اكتشافه عن طريق الفحص والخبرة فلايسقط حق المشتري في الخيار مطلقا حسبما ورد في النص القانوني السابق ذكره.

اما في الفقه الإسلامي  فيذهب قسم من الفقهاء المعاصرين إلى عدم جواز هذه الضمانات المشار وأنه لا يتم العمل بها ، لانها تصادر خيار العيب وهو خيار شرعي له حكمه البالغة في دفع الضرر وحماية الأموال ومنع آكلها بالباطل  ، غير أن قسم آخر من الفقهاء المعاصرين يذهبوا إلى جواز إصدار هذه الضمانات طالما أنه من الثابت أن البائع لا يعلم أن السلعة معيبة ، لأن كثيراً من الفقهاء قد ذهبوا إلى جواز أن يشترط البائع براءة المبيع من العيب طالما أنه لا يعلم أن المبيع معيب، أما إذا كان يعلم ذلك فلا يجوز. (المرجع السابق، ص263).

أما عند شراح القانون فان فهم النص القانوني  السابق وتطبيقه على ضمانات الأجهزة والمعدات وغيرها  يتأسس على أساس صيغة نص المادة (248)مدني السابق ذكرها ، فإذا كانت صيغة النص القانوني توحي بأن النص من النصوص القانونية الآمرة، فلا يجوز للبائع والمشتري الإتفاق على خلافه ، ومن ذلك الإتفاق على مدة أقل لخيار العيب،  وإذا كانت صيغة النص القانوني تدل على أن النص مكمل وليس آمرا  فيجوز الإتفاق على خلافه وتحديد مدة معينة لخيار العيب، والظاهر ان النص القانوني المشار إليه مكمل وليس أمرا .(المرجع السابق ، ص 264). والله أعلم.

تعليقات