الأصل براءة الذمة من القدر الزائد غير المتيقن
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
من
القواعد الفقهية المتفرعة من قاعدة : اليقين لا يزول بالشك، قاعدة : من
تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل:فعند الشك في النقصان أو الزيادة يتم
الاعتماد أو البناء على القدر الأقل، لانه المتيقن ويتم طرح الزيادة لانه مشكوك فيها، فيتم العمل على
القدر الأقل لانه اليقين والزيادة محل شك، والحكم محل تعليقنا تطبيق قضائي لهذه
القاعدة، ففي بعض الأحيان يختلف الخبراء العدول في تقدير قيمة
الأعمال، فيثور الشك عند القاضي سيما إذا كان
تقرير الخبير المرجح معتلا، فعندئذٍ يعتمد القاضي القيمة الأقل بإعتبارها محل
الإتفاق بين الخبراء العدول، ولأنها في هذه الحالة تفيد اليقين، اما القيمة الزائدة
فلم يقل بها الا احد الخبراء ولذلك فهي محل شك فهي تفيد الشك وليس اليقين، والشك
لايغني من الحق شيئا، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا
في جلستها المنعقدة بتاريخ 27-8-2017م في الطعن رقم (59122)، وقد ورد ضمن أسباب
هذا الحكم انه : ((فقد وجدت الدائرة: أن أسباب الطعن قد سبق للحكم الاستئنافي أن
ناقشها ورد عليها ببيان واضح، فقد أكد الحكم الاستئنافي أن ما توصل إليه الحكم
الابتدائي في الأخذ بالسعر الأقل للمتر
المربع هو المتعين الواجب الأخذ به بإعتباره السعر الأقل، فهو القدر المتفق عليه
بين العدلين، لأن محكمة الموضوع لم تطمئن لما ورد في تقرير الخبير المرجح المختار من المحكمة لافتقار التقرير للاسس والضوابط القانونية، ولذلك فقد أخذت محكمة الموضوع بالسعر
الأقل، عملاً بالقاعدة (أن الأصل براءة الذمة في القدر غير المتيقن)، ولذلك فإن
الحكم الاستئنافي لم يخالف القانون في تأييده للحكم الابتدائي))، وسيكون تعليقنا
على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: كيفية تطبيق الحكم محل تعليقنا للقدر المتيقن من القيمة بحسب تقريري الخبيرين، ومعنى القدر المتيقن:
المقصود
بالقدر المتيقن في الحكم محل تعليقنا : هو الذي يفيد اليقين لدي القاضي لانه القدر
المتفق عليه بين الخبيرين العدلين ، فمثلاً في القضية التي تناولها الحكم محل
تعليقنا كان أحد الخبراء قد ذهب إلى أن سعر المتر هو ثمانية عشر ألف ريالاً في حين
ذهب الخبير الآخر إلى أن سعر المتر خمسة وعشرين ألف ريالا، ونظراً لإختلاف الخبيرين العدلين فقد تم إختيار خبير مرجح، وقد توصل
المرجح إلى أن سعر المتر هو إثنان وعشرون ألف ريالا، غير أن محكمة الموضوع لم تطمئن
لتقدير الخبير المرجح لافتقار تقريره إلى الأسانيد والأسس الواجب توفرها، ولذلك لم
تطمئن المحكمة الابتدائية إلى ما ورد في تقرير الخبير المرجح حسبما ورد في أسباب
الحكم الابتدائي، ولذلك فقد اعتمد الحكم الابتدائي سعر المتر على أساس ثمانية عشر
ألف ريالاً وهو السعر الأقل باعتباره القدر أو السعر المتيقن في تقريري الخبيرين العدلين
المختارين من طرفي الخصومة، لأن الخبير الأول قال : أن قيمة المتر 18 ألف ريالا والخبير
الثاني قال : بأن القيمة 25 الف ريالا، فمحل الإتفاق بين الخبيرين هو 18 اي المبلغ
الأقل اما المبلغ الزائد عن ال 18 فهو محل شك لانه لم يقل به إلا احد الخبيرين، حسبما
ورد في الحكم محل تعليقنا.
الوجه الثاني: معنى القدر غير المتيقن المذكور في الحكم محل تعليقنا:
سبق
القول بأن القدر المتقين: هو السعر الأقل من السعرين، لأن السعر أو القدر الأقل
متيقن عند الخبيرين معا، اما القدر غير المتيقن فهو المبلغ الزائد الذي لم يقل به
إلا احد العدلين، فالمبلغ الزائد يفيد الظن والشك، فالزيادة ليست محل إتفاق بين الخبيرين القائلين بها، ولذلك فإنه مشكوك في
أمرها، والشك كما هو معلوم هو : تساوي أمرين دون مرجح لأحدهما.
فقد ورد في الحكم محل تعليقنا
عبارة (الزائد غير المتيقن)، ومن المعلوم أن غير المتيقن خلاف الشيء المتقين، أي
أن غير المتقين هو المشكوك فيه المبني على الشك، أي محل شك، ولذلك فقد اعمل الحكم
محل تعليقنا قاعدة: من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل: وهذه القاعدة
متفرعة من القاعدة الكبرى وهي قاعدة (اليقين لا يزول بالشك).
الوجه الثالث: تطبيق قاعدة: من
تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل
في الحكم محل تعليقنا:
هذه القاعدة متفرعة من قاعدة (اليقين لا يزول
بالشك)، واصل قاعدة: من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل، اصل
هذه القاعدة ما رواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر: واحدة صلى،
أم اثنتين؟ فليبن على واحدة فإن لم يتيقن: صلى اثنتين، أم ثلاثا؟ فليبن على
اثنتين، فإن لم يدر: أثلاثا صلى أم أربعا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن
يسلم» .
وهذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل
المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر، (قاعدة اليقين لا يزول بالشك، أ.م.د.
فراس مجيد عبدالله، ص3).
