إشكالية إحتساب بداية عدة المفسوخ زواجها
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
من
عيوب قانون الاحوال الشخصية أنه نص على أن الزوجة المفسوخ نكاحها تبدأ عدتها من
حين الحكم بالفسخ، وفقاً للمادة (80) أحوال شخصية التي نصت على أن
(عدة الطلاق أو الفسخ لا تجب إلا بعد الدخول وتبدأ في الطلاق من تاريخ وقوعه إلا
ان تكون المرأة غير عالمة به فمن تاريخ علمها، وتبدأ في الفسخ من تاريخ الحكم به)،
وفي هذا السياق نصت
المادة (45) أحوال شخصية على أنه (لا ينفسخ الزواج بفسخ أحد الزوجين للآخر بعيب من
العيوب ونحوها من الأسباب المختلف في ثبوت الفسخ بها إلا بحكم المحكمة ولا يترتب
على الفسخ شيء قبل الحكم به، فإذا حكم بالفسخ وكان بعد الدخول وجبت العدة أو
الاستبراء من حين الحكم به)، ولذلك فإن البعض يفهم من هذين النصين أن المرأة
المفسوخ نكاحها تبدأ عدتها من تاريخ النطق بالحكم الابتدائي، وعلى أساس هذا الفهم
فإن المفسوخ نكاحها بعد إنقضاء عدتها من تاريخ
الحكم الابتدائي تقوم بالزواج من رجل اخر حتى لو استأنف زوجها السابق الحكم
الابتدائي، ويعلل البعض إحتساب عدة
المفسوخ نكاحها من تاريخ النطق بالحكم الابتدائي بأن ذلك حكم خاص مقرر في قانون
خاص وهو قانون الأحوال الشخصية فيكون الحُكم
الابتدائي بالفسخ نافذاً من تاريخ النطق به حتى لو تم الطعن به، وتترتب على
هذا الفهم مخالفات شرعية فضيعة، فقد اشار الحكم محل تعليقنا إلى جانب منها فقد
كانت المفسوخ نكاحها حاملاً من زوجها الجديد حينما استأنف زوجها السابق الحكم
الابتدائي، فلم تملك الشعبة الاستئنافية إلا تأييد الحكم الابتدائي، وكذلك الدائرة
الشخصية بالمحكمة العليا لم يكن أمامها من خيار إلا إقرار الحكم الاستئنافي، فقد
استطاعت المفسوخ زواجها أن تضع الشعبة الشخصية والدائرة الشخصية أمام الأمر
الواقع، وعلى هذه الخلفية تم في صنعاء تعديل المادة (86) مرافعات التي نصت بعد
تعديلها في الفقرة (ب) على أنه (في قضايا الفسخ المرفوعة ضد الزوج الغائب يجب على
النيابة العامة فور استلامها لنسخة الحكم بالفسخ عرضه على المحكمة العليا وتعتد
المرأة من تاريخ إستلام نسخة الحكم الصادر من المحكمة العليا ولا يقبل الطعن فيه
بأي طريق من طرق الطعن)، ومن عيوب هذا النص أنه لم يعالج إلا عدة المرأة المفسوخ
زواجها لغياب زوجها فقط وهي واحدة من حالات الفسخ الكثيرة، أما المفسوخ نكاحها
لعدم النفقة أو لعدم الكفأة أو للسجن أو للكراهية أو ادمان الزوج الخمر والمخدرات
فلم يعالج هذا النص عدة المرأة المفسوخ
نكاحها .
وفي
هذا الشأن نجد أنه من المناسب التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية
بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-3-2013م في الطعن رقم (52072)، المسبوق
بالحكم الابتدائي الذي قضى بفسخ زواج المدعية لتمرد زوجها عن العمل والكسب وعدم
الإنفاق، وان عليها أن تعتد من تاريخ النطق بالحكم، وعندما استأنف الزوج المفسوخ نكاحه
الحكم الابتدائي ردت عليه المرأة بأنها قد تزوجت من رجل آخر وأنها حامل منه وانه
لم يعد هناك محل للاستئناف، فلم تملك الشعبة الاستئنافية الشخصية إلا أن تقضي
بتأييد الحكم الابتدائي، وقد عللت الشعبة الاستئنافية حكمها بأنه (حيث أن المستأنف
ضدها أفادت في ردها على الاستئناف بأن
الحكم الابتدائي قضى بفسخ عقد نكاحها وأن عليها أن تعتد من تاريخ الحكم لذلك فإنها قد تزوجت من آخر وأنها الآن حامل منه
، وعند التأمل للحكم الابتدائي فقد تبين أن المحكمة الابتدائية قد اتخذت الإجراءات
السليمة في حكمها واصدرت حكمها الموافق للشرع والقانون، فلم يرد في الاستئناف ما
يؤثر على صحة وسلامة الحكم الابتدائي)، وعند الطعن بالنقض في
الحكم الاستئنافي، لم يكن أمام الدائرة الشخصية إلا أن تحكم برفض الطعن وإقرار
الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة حكمة العليا: ((وحيث أن الطعن
خالٍ من أي مسوغ قانوني وغير مشتمل على أية حالة من حالات الطعن بالنقض، مما يتعين
معه رفض الطعن وإقرار الحكم الاستئنافي المطعون فيه))، وسيكون تعليقنا على هذا
الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: عدة المفسوخ نكاحها وفقاً لقانون الأحوال الشخصية:
بينت ذلك المادة (84) أحوال شخصية التي نصت على
أن (العدة في الفسخ كالآتي: -1- المنكوحة باطلاً تستبري بحيضة إن كانت من ذوات
الحيض وإلا فثلاثة أشهر. -2- سائر المفسوخات حكمهن حكم المطلقات على ماهو مبين في
المادة (82) والمقصود بالمنكوحة باطلاً في هذا النص هي: تلك التي دخل بها زوجها في
عقد باطل، وقد بينت المادة (82) المشار إليها في النص السابق بينت أحوال عدة
المفسوخ نكاحهن غير المنكوحة باطلاً، فبموجب المادة (82) المشار إليها فإن المفسوخ
نكاحهن غير المنكوحات باطلاً إذا كانت المفسوخ نكاحها من ذوات الحيض فتعتد بثلاث
حيضات غير الحيضة التي تم فسخ نكاحها وهي فيها، وإن كانت من غير ذوات الحيض
كالآيسة فإنها تعتد بثلاثة أشهر وإن كانت من اللواتي انقطع حيضهن لعارض فيجب
الإنتظار ثلاثة أشهر فإذا لم يعد الحيض فيها انقضت عدتها وإن عاودها الحيض خلالها
استأنفت ثلاث حيضات، وتكون عدة المفسوخ نكاحها المستحاضة وهي التي تكون حيضاتها
غير منتظمات تكون عدتها ثلاث حيضات إذا كانت ذاكرة لذلك وإن لم تذكر تكون عدتها
ثلاثة أشهر، وفي حالة وفاة زوج المفسوخ نكاحها قبل الحكم بالفسخ أو بعده اثناء
عدتها فإن عدتها تكون أربعة أشهر وعشرة أيام.
الوجه الثاني: إحتساب بداية عدة المفسوخ نكاحها وفقاً لقانون الأحوال الشخصية وتوصيتنا بتعديل المادتين( 45و80) من قانون الأحوال الشخصية :
صرح قانون الاحوال الشخصية بأن بداية عدة المفسوخ
نكاحها تكون من تاريخ الحكم بالفسخ، وفي هذا المعنى نصت المادة (80) أحوال شخصية
على أن (عدة الطلاق أو الفسخ لا تجب إلا بعد الدخول، وتبدأ في الطلاق من تاريخ
وقوعه إلا ان تكون المرأة غير عالمة به فمن تاريخ علمها، وتبدأ في الفسخ من تاريخ
الحكم به وعدة الموت تجب قبل الدخول وبعده وتبدأ من تاريخ علم المرأة بوفاة زوجها
ويجب الاستبراء في الدخول بشبهة ويبدأ من تاريخ العلم بالمانع)، وفي السياق ذاته
نصت المادة (45) أحوال شخصية على أنه (لا ينفسخ الزواج بفسخ أحد الزوجين للآخر بعيب
من العيوب ونحوها من الأسباب المختلف في ثبوت الفسخ بها إلا بحكم المحكمة ولا
يترتب على الفسخ شيء قبل الحكم به، فإذا حكم بالفسخ وكان بعد الدخول وجبت العدة أو
الاستبراء من حين الحكم به)، ومن خلال إستقراء النص في
المادتين (45 و 80) أحوال شخصية يظهر أن قانون الاحوال الشخصية قد أكد في النصين
على أن عدة المفسوخ نكاحها تبدأ من تاريخ الحكم بفسخ الزواج، حيث يفهم البعض من
ذلك أن عدة المفسوخ نكاحها تبدأ من تاريخ النطق بالحكم الابتدائي حتى وان لم يكن الحكم
نهائياً وحتى لو تم استئنافه أو الطعن به، وهذا الفهم هو الذي يسبب الإشكاليات
الشرعية، حينما تتزوج المرأة المفسوخ نكاحها برجل اخر بعد أن تنتهي عدتها التي يتم إحتسابها من بداية النطق بالحكم
الابتدائي.
في حين أن الفهم الصحيح أن عدة المفسوخ زواجها
تبدأ من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً أو باتاً، وفقا لماهو مقرر في قانون المرافعات
الذي ينظم الأحكام القضائية وشروطها واثارها والطعن فيها، وطبقا لقانون
المرافعات فإن قسم من قضاة الأحوال
الشخصية يقوموا بتضمين منطوق الحكم الابتدائي بفسخ الزواج عبارة (وعلى المفسوخ
نكاحها ان تعتد من تاريخ صيرورة هذا الحكم نهائيا) وانا أفخر بهؤلاء القضاة وفقهم
الله، الذين درستهم مقرر فسخ الزواج في معهد القضاء.
فقانون الأحوال الشخصية قانون خاص فيما يتعلق
بمسائل الأحوال الشخصية اما تنظيم الأحكام وبيان نهائيتها وقابليتها للتنفيذ فمن
المسائل التي ينظمها القانون الخاص بها
وهو قانون المرافعات وليس قانون الأحوال الشخصية .
وللخروج من هذه الإشكاليات فأنا اوصي المقنن اليمني بضرورة تعديل المادتين (45 و80) أحوال شخصية السابق ذكرهما والتصريح فيهما بأن عدة المفسوخ نكاحها تبدأ من تاريخ علمها بصيرورة الحكم نهائياً أو باتاً، والله اعلم.
![]() |
| إشكالية إحتساب بداية عدة المفسوخ زواجها |
