مدى تأثير الدعوى الجزائية على الدعوى العمالية
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة
صنعاء
في
بعض الحالات يتم اتهام العامل في جريمة جنائية لها علاقة بعمله كخيانة الأمانة اوالاختلاس
أو السرقة أو التزوير أو تبديد أو الإتلاف للأموال، فيقوم صاحب العمل بإحالة العامل إلى جهات الضبط والتحقيق التي تقوم بتقديم
العامل للمحاكمة أمام القاضي الجزائي، وفي مواجهة ذلك يقوم العامل برفع دعوى
عمالية أمام المحكمة العمالية مطالباً بحقوقه لدى صاحب العمل، وهذا الأمر يقتضي
الإشارة إلى التأثير المتبادل بين القضيتين الجزائية والعمالية، في سياق التعليق على
الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة
العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14-4-2013م في الطعن رقم (47573)، وقد سبق هذا الحكم
قرار اللجنة التحكيمية العمالية الذي قضى بإستحقاق العامل المدعي للتعويض عن فصله تعسفيا،
وذلك بواقع أجور ستة أشهر بالإضافة إلى شهر الانذار، لأن القضية الجنائية المتهم
فيها العامل قد صدر فيها حكم ببراءته من التهمة المسندة للعامل التي تمسك بها صاحب
العمل التي كانت سبباً لفصل العامل، ولذلك فقد ثبتت براءة العامل مما نسب إليه بحكم
قضائي، وتبعا لذلك فقد صار الفصل تعسفياً بغير موجب، وقد قضى الحكم الاستئنافي
بتأييد الحكم الابتدائي، لأن المستأنف قد بني استئنافه على فرضيات أن العامل
المستأنف ضده قد ارتكب ما نسب إليه من افعال جزائية، في حين أن القاضي الجزائي قد
قضى ببراءة المتهم مما نسب إليه، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي فقد قضى
الحكم بإقرار الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
((والدائرة: تجد أن مناعي الطاعن في غير محلها، لأن الطاعن لم يقدم أي دليل على
الوقائع التي نسبها للعامل فيما يتعلق بالقضية الجزائية التي حكمت المحكمة
الجزائية ببراءة العامل منها، مما يتعين معه رفض الطعن))، وسيكون تعليقنا على هذا
الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : المقصود بالدعوى العمالية والدعوى الجزائية :
في
بعض الحالات يتهم صاحب العمل العامل بإرتكاب أفعال جنائية كالسرقة وخيانة الأمانة
والاختلاس واتلاف أموال...الخ فيقوم صاحب العمل بإبلاغ جهات الضبط والتحقيق التي
تقوم بالتحقيق ثم إحالة العامل المتهم إلى المحكمة الجزائية التي قد تحكم ببراءة
العامل أو بإدانته.
وبالمقابل
وفي الوقت ذاته يقوم العامل المتهم برفع دعوى عمالية أمام المحكمة العمالية مطالباً
بحقوقه لدى صاحب العمل، كالتعويض عن الفصل التعسفي وبدل شهر الإنذار ومكافأة نهاية
الخدمة وبدل الإجازات التي لم يستهلكها العامل... إلخ.
ومن
خلال ملاحظتنا للحكم محل تعليقنا نجد أنه قد قضى بوجود تأثير بين القضيتين اذا أن سبب
فصل العامل هو التهم المنسوبة للعامل، فإذا توصلت المحكمة الجزائية المختصة إلى الحكم ببراءة العامل من التهم التي كانت
سبباً لفصله فإن ذلك يعني أن فصل صاحب العمل للعامل قد كان بغير حق أي أنه كان
فصلا تعسفيا، اما إذا حكمت المحكمة بادانة العامل بالتهمة أو التهم المستندة له فإن ذلك يعني أن صاحب العمل لم يكن متعسفا في فصله العامل،
بيد أنه لايجوز لصاحب العمل إذا كان العامل محبوسا لدي الجهات المختصة بسبب قضايا
تخص عمله لدى صاحب العمل فلايجوز لصاحب العمل ان يفصل العامل حسبما هو مقرر في
الفقرة(3 ) من المادة( 37) من قانون العمل التي نصت على أنه( لايجوز لصاحب العمل ان ينهي عقد العمل في
الحالات الآتية :-3-اثناء احتجاز العامل بسبب العمل لدي الجهات المختصة حتى يفصل
نهائيا في القضية )، وهذا يعني أنه اذا كان العامل محبوسا بسبب القضية الجزائية
الخاصة بعمله، فلايجوز لصاحب العمل ان يفصله اثناء حبسه فإن فعل صاحب العمل ذلك
فأنه يكون متعسفا في فصله.
اما
في غير ماتقدم فلاتاثير للقضية الجزائية على القضية العمالية والعكس صحيح لإختلاف القضيتين
من حيث نوعهما، فالقضية الجزائية يختص بنظرها القضاء الجزائي والأخرى مدنية يختص بنظرها
القضاء المدني أو المحكمة العمالية، فيستطيع العامل المطالبة بكافة حقوقه عن طريق
المحكمة العمالية، فيحين يستطيع صاحب العمل المطالبة بحقوقه المترتبة على فعل
العامل الجنائي عن طريق الدعوى المدنية التبعية
أمام القاضي الجزائي تبعا للدعوى
الجزائية.
الوجه الثاني: وقف العامل عن العمل في القضايا الجزائية والإدارية :
إذا كانت القضية المسندة للعامل جنائية فإن جهات
الضبط كالبحث الجنائي أو النيابة العامة تتخذ
إجراءات الضبط المناسبة بما فيها القبض والتفتيش والاحتجاز بحسب الأدلة المتوفرة، ومع ذلك يستطيع صاحب
العمل وقف العامل إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، وكذلك يستطيع صاحب العمل وقف
العامل في غير القضايا الجزائية، حيث تترتب على وقف العامل عن العمل آثار مضاعفة
أكثر من الآثار المترتبة على إحالته إلى التحقيق، وقد اجاز قانون العمل لصاحب الشركة وقف العامل
عن العمل اثناء التحقيق معه وفقاً للضوابط والإجراءات المحددة في المادة (98) من
قانون العمل التي نصت على أنه: (-1- لصاحب
العمل ان يوقف العامل شفويا مدة لا تزيد عن خمسة ايام لاغراض التحقيق ويجوز لصاحب
العمل ان يوقف العامل عن العمل كتابيا مدة لا تزيد على ثلاثين يوما عندما تستدعي
مصلحة العمل او التحقيق ذلك. -2- على صاحب العمل مراعاة ما يلي قبل اتخاذ قرار
التوقيف: - أ- لا يعتبر التوقيف عن العمل عقوبة بحق العامل وانما هو اجراء احتياطي
تستوجبه ظروف العمل والتحقيق. –ب- اعادة العامل الى عمله السابق بعد انقضاء مدة
التوقيف في حالة ثبوت براءته صراحة. –ج- صرف الأجر المتبقي للعامل او المخصوم منه
في حالة البراءة. -3- يكون في حكم التوقيف فترة احتجاز العامل لدى الجهات المختصة
في القضايا التي تتصل بالعمل او تكون بسببه وعلى صاحب العمل الاستمرار في صرف 50%
من أجر العامل حتى يفصل في قضيته شريطة الا تزيد الفترة على ثلاثة أشهر. -4- لا
يعتبر في حكم التوقيف عن العمل تلك الفترات التي يحتجز خلالها العامل لدى الجهات
المختصة لأغراض التحقيق في القضايا التي لا تتعلق بالعمل، وفي هذه الحالة لا يستحق
العامل أجره المقرر او جزء منه الا بموافقة صاحب العمل ولا يجوز فصله من الخدمة
بسبب ذلك الا إذا حكم عليه بالادانة ).
وإذا كان
قانون العمل قد اجاز لصاحب العمل وقف العامل عن العمل بيد أنه لايجوز لصاحب العمل ان يوقف العامل في غير الحالات
المقررة في قانون العمل فإن صاحب العمل ذلك فإن الوقف يقع مخالفا للقانون، فيكون الوقف في هذه
الحالة تعسفيا، فالوقف التعسفي هو الوقف خارج نطاق حالات وقف العامل المقررة حصرا
في قانون العمل الذي اورد حالات وقف العامل عن العمل في سياق تنظيم القانون
للتحقيق مع العامل في الأفعال والمخالفات التي نص القانون على وجوب التحقيق مع
العامل فيها قبل توقيع العقوبة على العامل، إضافة إلى أن القانون قد اجاز لصاحب
العمل وقف العامل لمدة لاتزيد عن خمسة أيام ، وبناء على ذلك فأن وقف العامل ليس
عقوبة على العامل وإنما هو مقرر لمصلحة التحقيق حتى لا يقوم العامل المتهم بالعبث
بأدلة الجرائم والمخالفات المسندة إليه، كأن يكون العامل متهماً بجرائم التزوير
والإختلاس في النشاط الذي يعمل به العامل المتهم، فيتم إيقافه لمصلحة التحقيق ،
اما إذا كانت الأفعال المسندة للعامل من الأفعال التي لا يشترط القانون ان يسبقها
تحقيق، فلايجوز وقف العامل فيها، وعلى ذلك فأن الوقف يكون تعسفياً اذا وقع خلافاً
للحالات المقررة في قانون العمل، وكذلك
يكون الوقف تعسفياً إذا تخلفت الغاية من الوقف أي عدم الإحتياج إلى الوقف مثل غياب
الموظف وغير ذلك، فكل حالة وقف ليس فيها غاية أو هدف من وقف العامل فإن الوقف فيها
يكون تعسفيا ، كذلك يكون الوقف تعسفياً إذا تم الوقف للعامل بعد انقضاء المدة
المقررة في القانون للتحقيق وهي 15 يوماً من تاريخ اكتشاف المخالفة المنسوبة
للموظف المقررة في المادة (97) عمل، ويكون أيضاً الوقف تعسفياً إذا زادت مدة الوقف
عن ال 30 يوماً المحددة في المادة (98) عمل، ومن خلال ما تقدم في هذا الوجه نجد أن
الوقف التعسفي للعامل هو الذي يتم خلافاً لحالات الوقف المحددة حصراً في القانون
التي لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها بإعتبار الوقف إستثناءً فلا يتوسع فيه
ولايقاس عليه.
الوجه الثالث: التحقيق الجنائي والتحقيق الإداري وحالات التحقيق مع العامل المخالف:
إذا كانت القضية المنسوبة للعامل جنائية كالسرقة
وخيانة الأمانة..الخ، فيتم التحقيق مع العامل تحقيقا جنائيا بنظر سلطات الضبط
والتحقيق كالبحث الجنائي والنيابة العامة
وفقا لضوابط التحقيق واجراءاته وضماناته المقررة في قانون الإجراءات الجزائية، أما إذا كانت المخالفة المنسوبة للعامل مخالفة
إدارية فيتم التحقيق مع العامل تحقيقا إدارياً وفقا لماهو مقرر في قانون
العمل واللائحة التي يعدها صاحب العمل ، فقد
اشترط قانون العمل في المادة (91) من قانون العمل على أية منشأة تستخدم (15) عاملاً
فأكثر أن تضع لائحة جزاءات تتضمن المخالفات والجزاءات المقررة
عليها وشروط توقيعها، وان تتم الموافقة على اللائحة من قبل اللجنة النقابية
في المنشأة أو الشركة، وان يتم إعتماد
هذه اللائحة من قبل مكتب العمل المختص
بوزارة العمل ، وان يتم تعليق اللائحة في
مكان ظاهر يستطيع العمال الإطلاع عليها ومعرفة مضمونها، وفي هذا المعنى
نصت المادة (91) عمل على أنه( يجب
على صاحب العمل في المنشأة التي تستخدم خمسة عشر عاملاً فأكثر أن يضع لائحة
بالجزاءات وشروط توقيعها أو تطبيقها على أن يعلقها في مكان ظاهر في المنشأة ، ويجب
لنفاذ هذه اللائحة وما يطرأ عليها من تعديلات موافقة اللجنة النقابية أو ممثل
العمال واعتمادها من قبل الوزارة أو مكاتبها خلال شهر من تاريخ تقديمها فإذا أنقضت تلك المدة دون موافقة الوزارة أو
مكاتبها أو الاعتراض عليها كتابيا أصبحت نافذة))، كما حددت المادة(٩٣ ) عمل
العقوبات التي يجوز
لصاحب العمل توقيعها
على العامل، حيث نصت المادة (93) عمل
على أنه (يجوز لصاحب العمل في حالة مخالفة
العامل لواجباته المحددة في هذا القانون أو في عقد العمل أن يوقع بحقه إحدى
العقوبات التالية: -١- لفت النظر
الكتابي. -٢- الإنذار
الكتابي-٣- الخصم من الأجر بما لا يزيد
على (20%) من الأجر الأساسي. -٤- الفصل من العمل
مع احتفاظ العامل بحقه في كافة المستحقات المنصوص عليها في هذا القانون وفي
تشريعات العمل الأخرى)،
ويصرح قانون العمل بأنه يجوز لصاحب العمل ان
يوقع على العامل بعض الجزاءات من غير
حاجة إلى تحقيق مع العامل المخالف، إذ لايلزم التحقيق
الا اذا كانت عقوبة الفعل المسند
للعامل هي الفصل من
العمل أو الخصم لأكثر
من ٢٠٪ من الأجر
الأساسي، وبناء على ذلك يحق
لصاحب العمل معاقبة
العامل المخالف بعقوبة لفت النظر والانذار الكتابي من غير ان يتم التحقيق مع العامل المخالف ،وفي
هذا المعنى نصت المادة (94) عمل على
أنه (1- يجوز لصاحب العمل أن يطبق العقوبتين المنصوص عليهما في البندين (1
، 2) من المادة السابقة بدون أن يستوجب ذلك تحقيق إداري، أما العقوبات الأخرى فلا
تطبق إلاَّ بعد إجراء التحقيق المنصوص عليه في المادة (96) من هذا القانون. -٢- على صاحب العمل قبل توقيع أي عقوبة أن يراعي الآتي:
-أ- تناسب العقوبة مع حجم المخالفة.
-ب- الظروف المحيطة بالعامل ومدى إنتاجيته
وسلوكه ومدة خدمته وحالته الاجتماعية والتدابير التي سبق أن اتخذت ضده ومدى تكرار
ارتكابه مخالفات في العمل. -٣- لا يجوز لصاحب العمل أن يوقع بحق العامل أي عقوبة
في الحالات الآتية: -أ- بعد انقضاء خمسة
عشر يوماً على اكتشاف المخالفة. -ب- إذا لم
تثبت إدانة العامل من التهم المنسوبة إليه جنائياً أو إدارياً.
-ج- إذا لم تكن المخالفة واردة ضمن القواعد
التفصيلية للعقوبات. -٤- لا يجوز توقيع أكثر من عقوبة واحدة من
العقوبات المنصوص عليها في المادة (93) من هذا القانون عن المخالفة الواحدة التي
يرتكبها العامل).
اما المادة (٩٧) عمل فقد
تضمنت ضوابط واجراءات التحقيق والتظلم
من نتيجة
التحقيق ومدة التظلم وإبلاغ
العامل بنتيجة التحقيق
الذي اجري معه، حيث
نصت المادة (97) على ان (1- على صاحب العمل عند التحقيق في المخالفة اتخاذ
ما يلي : -أ- القيام بالتحقيق خلال فترة
أقصاها خمسة عشر يوماً من تاريخ اكتشاف المخالفة.
-ب- إنجاز التحقيق وتطبيق العقوبة عند الإدانة
خلال فترة لا تزيد على شهر. -ج- الاستماع إلى
أقوال العامل ودفاعه عن نفسه وإلى أقوال شهود النفي الذين يتقدم بهم.
-د- إجراء التحقيق كتابة وتوقيع كافة
الأطراف المشاركة فيه. -هـ- الاستماع إلى
أقوال العمال الذين هم على علم بظروف المخالفة وحيثياتها. -٢- للعامل أن يتظلم من
نتيجة التحقيق أو ما ترتب عنه إلى لجنة التحكيم المختصة خلال فترة لا تزيد على شهر
من تاريخ إبلاغه بنتائج التحقيق)، وعلى هذا
الأساس فأنه يجب على صاحب العمل بعد إجراء التحقيق ان يبلغ العامل الذي
تم التحقيق معه بنتيجة التحقيق كبراءة
العامل من المخالفات
المسندة له أو ادانته بارتكابها
والعقوبات التي تم توقيعها عليه
بناء على التحقيق، ويتضمن الإبلاغ
الجزاء الذي تم توقيعه على العامل كالفصل من العمل أو الخصم من الاجر الأساسي ، حتى يكون
العامل المحال للتحقيق على بينة من أمره بشأن نتيجة التحقيق، فيقوم بالتظلم أو
اللجوء إلى القضاء في ضوء البيانات التي
تضمنها البلاغ الوارد إلى العامل.
الوجه الرابع: ضوابط التحقيق مع
العامل وضماناته:
إذا كانت القضية جنائية فقد تضمن قانون
الاجراءات الجزائية ضوابط التحقيق مع العامل وضماناته اما إذا كانت القضية إدارية فقد
بينت المادة (97) عمل الضمانات
والإجراءات الواجب مراعاتها عند التحقيق مع العامل المخالف، ومن ذلك وجوب إبلاغ
العامل بالنتيجة التي انتهى إليها التحقيق معه، وفي هذا الشأن نصت المادة (97) عمل
على أنه (1- على صاحب العمل عند التحقيق في المخالفة
اتخاذ ما يلي: -أ- القيام بالتحقيق
خلال فترة أقصاها خمسة عشر يوماً من تاريخ اكتشاف المخالفة.
-ب- إنجاز التحقيق وتطبيق العقوبة عند الإدانة
خلال فترة لا تزيد على شهر. -ج- الاستماع إلى
أقوال العامل ودفاعه عن نفسه وإلى أقوال شهود النفي الذين يتقدم بهم.
-د- إجراء التحقيق كتابة وتوقيع كافة
الأطراف المشاركة فيه. -هـ- الاستماع إلى
أقوال العمال الذين هم على علم بظروف المخالفة وحيثياتها.-٢- للعامل أن يتظلم من
نتيجة التحقيق أو ما ترتب عنه إلى لجنة التحكيم المختصة خلال فترة لا تزيد على شهر
من تاريخ إبلاغه بنتائج التحقيق)، ومن خلال مطالعة هذا النص نجد أنه قد
اشار إلى أن فترة التظلم من نتائج التحقيق تبدأ من تاريخ إبلاغ العامل بنتيجة
التحقيق ، وهذا يدل دلالته اقتضاء على أن النص قد اشترط على صاحب العمل ان يبلغ
العامل بنتيجة التحقيق معه، لأن حق العامل في التظلم لا يتحقق إلا من تاريخ
الإبلاغ، فالتظلم متعلق ومرتبط ومترتب على
واقعة الإبلاغ ، ونخلص من هذا الوجه إلى القول: بأن إبلاغ العامل بنتيجة التحقيق
ضمانة وشرط لتحقيق حقه في التظلم من
نتيجة التحقيق التي قد تكون نتيجته
فصل العامل من العمل أو الخصم من
أجره مايزيد على ٢٠٪.
الوجه الخامس: كيفية إبلاغ العامل بنتيجة التحقيق معه:
مع أن قانون العمل لم يشترط ان يكون
الإبلاغ للعامل كتابة، إلا أن دلالة وجوب الإبلاغ تقتضي أن الإبلاغ يجب أن يكون كتابة حتى يتمكن العامل من دراسة
البيانات والحيثيات التي تضمنها البلاغ ومعرفة مدى عدالة
الإجراءات المتخذة بشانه ومدى
موافقتها للقانون، وفي ضوء يقنع
بتلك الإجراءات أو يتظلم منها،
إضافة إلى أن النص القانوني السابق ذكره
وهو نص المادة (97) عمل قد اشترط صراحة أن يكون التحقيق
مع العامل كتابة فمن باب أولى ينبغي أن يكون الإبلاغ بنتيجة التحقيق كتابياً.
الوجه السادس: ماهية الإبلاغ بنتيجة التحقيق:
نتيجة التحقيق: هي خلاصة الرأي التي
خلص إليه المحقق أو هيئة التحقيق مع العامل المحال للتحقيق مثل عقوبة الفصل من العمل أو الخصم من الأجر
الأساسي لما يزيد على نسبة (20%) من الأجر الأساسي وغير ذلك من العقوبات أو
الإجراءات التي اجاز فيها القانون للعامل ان يتظلم منها، ويجب ان يتضمن البلاغ
بعض البيانات كنوع الإجراء أو العقوبة
التي توصل التحقيق إلى توقيعها على العامل وأسباب توقيع العقوبة والأدلة والأسانيد التي استند إليها
قرار توقيع العقوبة على العامل، لأن العامل لا يستطيع إعداد التظلم إلا إذا كان
البلاغ الكتابي قد تضمن البيانات اللازمة عن العقوبة المقترح توقيعها على العامل
وأسانيدها وأدلتها وتاريخ صدور القرار بتوقيع العقوبة ورقمه والمسئول الذي قام
بالتوقيع عليه، وعلى هذا الأساس فإن إبلاغ العامل إذا كان شفاهة لا يحقق المقصود
من الإبلاغ.
الوجه السابع: الأثر المترتب على عدم إبلاغ العامل المحال للتحقيق بنتيجة التحقيق :
يترتب على ذلك ان العقوبات أو
الإجراءات التي يتم اتخاذها
حيال العامل نتيجة التحقيق لايكون لها أي أثر
في مواجهة العامل
المحال للتحقيق الا من تاريخ إبلاغه
بها كتابة.
الوجه الثامن: اضرار الوقف التعسفي للعامل:
سبق القول: ان الوقف يأتي على خلفية اتهامات
بجرائم ومخالفات منسوبة للعامل ينبغي حسمها في اقرب وقت حسبما هو محدد في القانون،
ولذلك فأن وقف العامل من غير مقتضى أو تعسفيا يلحق بالعامل اضراراً فادحة مادية
ومعنوية حيث يتم النظر من قبل افراد
المجتمع إلى العامل الموقوف على أنه مذنب فتلوك سمعته الالسن ويحرم العامل من فرص
عمل مستقبلية، ولذلك احاط القانون وقف العامل بضمانات وضوابط، ونص القانون على أن
وقت وقف العامل يجب أن يكون قصيراً (لا يزيد عن ثلاثين يوما).
الوجه التاسع: إستحقاق العامل الموقوف تعسفياً لكامل الأجر عن الفترة التي تم إيقافه فيها:
يستحق العامل
الموقوف تعسفياً أجره كاملاً عن المدة التي تم وقفه عن العمل فيها، ففي هذه الحالة يستحق العامل الأجر
الكامل وهو 100 ٪ وليس 50٪ من الأجر كما هو مقرر في حالة الوقف القانوني للعامل
بسبب التحقيق مع العامل في قضية مسندة للعامل في طور التحقيق من قبل جهات الضبط
والتحقيق، لأن الوقف التعسفي غير قانوني بخلاف الوقف المقرر
في المادة (59) من قانون العمل التي نصت على أنه: (مع مراعاة احكام المادتين (99)،(100)
من هذا القانون يستحق العامل أجره الكامل خلال فترة توقيفه بسبب قضية تتعلق بالعمل
شريطة ان لا يقل ما يدفع له في فترة التوقيف عن 50% من اجره الاساسي ويكون صرف
الجزء المتبقي من الاجر الكامل حال التأكد من براءته، ولصاحب العمل استرجاع ما تم
صرفه خلال فترة التوقيف في حالة إدانة العامل بحكم بات)، فوقف
العامل بموجب هذه المادة يكون وقفاً حقيقياً وبسبب قضية حقيقية مسندة للعامل يتم
التحقيق فيها مع العامل من قبل جهات الضبط والتحقيق، علماً بأن ما يتقاضاه العامل
من الأجر في هذه الحالة هو 50% من الأجر، ويلتزم العامل بإعادة هذه النسبة إذا تم
الحكم بإدانة العامل، اما العامل الموقوف تعسفياً حسبما قضى الحكم محل تعليقنا
فأنه يستحق أجره كاملاً لأنه لم يتم إحالته إلى سلطة الضبط أو التحقيق (الجهات
الأمنية أو النيابة العامة) وإنما تم وقف العامل خارج نطاق العامل ومن غير ان يتم
التحقيق معه .
الوجه العاشر: عدم جواز الجمع بين مرتبات فترة وقف العامل تعسفياً وبين تعويض الفصل التعسفي:
فلايجوز الجمع بين مرتبات الفترة التي تم فيها
وقف العامل تعسفياً وبين تعويض العامل عن فصله تعسفياً، لأن الحكم للعامل بكامل
مرتباته اثناء فترة الوقف التعسفي قد جبر الضرر الذي لحق بالعامل من الفصل التعسفي
طالما أن مدة الوقف التعسفي كانت أكثر من ستة أشهر وهي المدة المقررة لتعويض
العامل المفصول تعسفياً،فمدة الستة الأشهر داخلة في فترة الايقاف، لذلك لا يجوز
الحكم للعامل بتعويضين عن ضرر واحد، والله اعلم .
الوجه الحادي عشر: لزوم إجراء التحقيق الإداري قبل فصل العامل:
أوجب قانون العمل على صاحب العمل إجراء التحقيق
الإداري قبل توقيع عقوبة الفصل على العامل المخالف، بإعتبار أن التحقيق السابق
على عقوبة الفصل من أهم الضمانات
القانونية للعامل المخالف حتى لايلجأ صاحب العمل إلى فصل العامل من غير مخالفة
تستدعي الفصل أو من غير أن تكون المخالفة ثابتة في حق العامل، فالهدف من التحقيق
في هذه الحالة هو التحقق من وقوع المخالفة ونسبتها للعامل المخالف والتحقق من
الادلة التي تثبت وقوع المخالفة ونسبتها للعامل المخالف، وتمكين العامل من إبداء
أوجه دفاعه وتقديم أدلته اثناء التحقيق، ولهذه الغاية فقد نصت المادة (93) من
قانون العمل على أنه: (يجوز لصاحب العمل في حالة مخالفة العامل لواجباته المحددة في هذا
القانون او في عقد العمل ان يوقع بحقه احدى العقوبات التالية:-1- لفت النظر
الكتابي.-2- الانذار الكتابـي. -3-الخصم من الأجر بما لا يزيد على 20% من الأجر
الاساسي.-4- الفصل من العمل مع احتفاظ العامل بحقه في كافة المستحقات المنصوص
عليها في هذا القانون وفي تشريعات العمل الاخرى.)، ومن
خلال إستقراء هذا النص يظهر أنه قد صرح على أن العامل اثناء التحقيق معه يحتفظ
بكافة مستحقاته المنصوص عليها في القانون ومن ذلك مستحقاته اثناء التحقيق معه أو
وقفه عن العمل لغرض التحقيق معه، وبناءً على ذلك يظهر عدم جواز فصل العامل بدون
تحقيق إداري حتى لو كان قد ارتكب جريمة معاقب عليها وفقاً لقانون الجرائم
والعقوبات، لأن عقوبة فصل العامل عقوبة إدارية يجب ان يسبقها تحقيق إداري، وقد اشترطت المادة( 94) عمل لتوقيع عقوبة الفصل ان يسبقها
إجراء تحقيق إداري، وفي هذا المعنى نصت المادة (94) عمل على أنه (1- يجوز لصاحب
العمل أن يطبق العقوبتين المنصوص عليهما في البندين (1 ، 2) من المادة السابقة
بدون أن يستوجب ذلك تحقيق إداري أما العقوبات الأخرى فلا تطبق إلاَّ بعد إجراء
التحقيق المنصوص عليه في المادة (96) من هذا القانون).
الوجه الثاني عشر: عدم جواز فصل العامل الموقوف اثناء التحقيق الجنائي معه:
قضى الحكم محل تعليقنا بعدم جواز فصل العامل
الموقوف اثناء قيام الجهات الأمنية أو القضائية بالتحقيق الجنائي معه، لأن العامل
اثناء التحقيق الجنائي مشمول بالضمانات القانونية المقررة في المادة (59) من قانون
العمل التي نصت على أنه ( مع مراعاة احكام المادتين (99)،(100) من هذا القانون يستحق العامل
أجره الكامل خلال فترة توقيفه بسبب قضية تتعلق بالعمل شريطة ان لا يقل ما يدفع له
في فترة التوقيف عن 50% من اجره الاساسي ويكون صرف الجزء المتبقي من الاجر الكامل
حال التأكد من براءته ولصاحب العمل استرجاع ما تم صرفه خلال فترة التوقيف في حالة
إدانة العامل بحكم بات).
الوجه الثالث عشر: عدم جواز فصل العامل الذي ارتكب جريمة مخلة بالشرف والأمانة أو مخلة بالآداب العامة الا بعد صدور حكم بات على العامل :
قضى
الحكم محل تعليقنا بعدم جواز فصل العامل الذي ارتكب جريمة مخلة بالشرف والأمانة أو
مخلة بالآداب العامة الا بعد صدور حكم بات على العامل ، وسند الحكم محل تعليقنا في
ذلك هو المادة(35 ) عمل التي نصت على أنه( : أولا : يجوز لصاحب العمل أن ينهي العقد من جانبه بدون
إشعار كتابي أو تحمل الأجر المقرر عن فترة الإنذار في الحالات التالية :
أ- إذا
انتحل العامل شخصية غير شخصيته أو قدم شهادات أو وثائق مزوره.
ب- إذا
حكم على العامل في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة بحكم قضائي بات.
ج- إذا
وجد العامل أثناء ساعات العمل في حالة سكر أو تحت تأثير مادة مخدره.
د- إذا
أعتدى العامل على صاحب العمل أو من يمثله أو رئيسه المباشر أثناء العمل أو بسببه
إعتداء يعاقب عليه القانون أو وقع منه إعتداء جسماني على أحد العاملين الآخرين في
مكان العمل أو بسببه.
هـ- إذا
لم يثبت العامل صلاحيته للعمل أثناء الفترة الإختبارية.
و- إذا
ارتكب العامل خطأ نشأ عنه خسارة مادية لصاحب العمل بشرط أن يبلغ صاحب العمل الجهات
المختصة بالحادث خلال ثمانية وأربعين ساعة من وقت علمه بوقوعه.
ز- إذا
لم يراع العامل التعليمات اللازم أتباعها لسلامة العمال والعمل وتم إنذاره كتابة
بشرط أن تكون هذه التعليمات مكتوبة ومعلنة بمكان ظاهر في محل العمل.
ح- إذا
لم يقم العامل بتأدية التزاماته الأساسية المترتبة على عقد العمل.
ط- إذا
حمل سلاحاً نارياً في محل عمله بإستثناء من يتطلب عمله ذلك.
ي- إذا
أفشى العامل أسرارا خاصة بالعمل الذي يعمل فيه أو تلك التي يطلع عليها
بحكم عمله.
ك- إذا
امتنع العامل عن تنفيذ حكم نهائي صادر وفقاً لأحكام الفصل الأول من
الباب الثاني عشر من هذا القانون أو في حالة عدم إلتزام العمال بأحكام هذا
القانون... إلخ )، ومن خلال إستقراء هذا
النص يظهر انه قد افرد حالة إرتكاب العامل لجريمة مخلة بالشرف والأمانة أو مخلة
بالآداب العامة افرده بحكم خاص وهو عدم جواز فصل العامل الا بعد صدور حكم بات على
العامل حسبما ورد في النص القانوني
السابق، وهذا الحكم الخاص الوارد في الفقرة(ب ) من النص القانوني السابق يثير
اشكاليات عدة، لان هذا النص يوجب على جهة العمل الإبقاء على العامل المتهم بجريمة
مخلة بالشرف والأمانة أو الآداب العامة وعدم فصله حتى يصدر بحقه حكم بات اي من المحكمة العليا، وذلك يستغرق وقتا طويلا وطوال هذا الوقت تظل جهة العمل ملزمة بصرف 50٪
من راتب العامل، وهذا يثقل كاهل جهة العمل لاسيما إذا كان العامل قد استولى على
مبالغ طائلة من أموال الجهة التي كان يعمل
بها وكانت الجريمة المنسوبة له ثابتة على وجه اليقين، كما ان مفهوم الجرائم المخلة
بالأمانة والشرف مفهوم واسع، حيث تذهب بعض الأحكام القضائية إلى إعتبار جرائم
السرقة والاختلاس والاستيلاء من الجرائم المخلة بأمانة العامل، فلا يتم الاقتصار
في ذلك على جريمة خيانة الأمانة بمفهومها المنصوص عليها في قانون الجرائم
والعقوبات اليمني.
الوجه الرابع عشر: خضوع قرار الفصل الإداري للعامل للرقابة القضائية:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن قرار صاحب العمل بفصل العامل إدارياً يخضع لرقابة القضاء سواء أكان الفصل بعد التحقيق مع العامل أم من غير ان يتم التحقيق مع العامل، فنظراً لجسامة عقوبة فصل العامل واثرها البالغ الخطورة على العامل فإن قرار صاحب العمل بفصل العامل يخضع لرقابة القضاء للتأكد من سلامة هذا القرار وملائمته للمخالفة التي كانت سبباً للفصل، فكل قرار ينبغي أن يكون للمضرور منه حق الطعن فيه أو التعقيب عليه عدا حكم الله الذي لا معقب لحكمه، والله اعلم.