وقت إعتراض المقاسم على إجراءات القسمة الرضائية
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
إجراءات
القسمة متنوعة ومتدرجة وبعضها يتداخل ويتعلق ببعضها الآخر، ولذلك ينبغي للورثة أو
الشركاء المتقاسمين أن يفصحوا عن ملاحظاتهم واعتراضاتهم على أي إجراء من إجراءات
القسمة أول بأول وقبل إقرار الإجراء والإنتقال إلى الإجراء الذي يليه حتى تتم
إجراءات القسمة بيسر وسهولة، وحتى تكون الاعتراضات هادفة تستهدف تصويب وتصحيح
إجراءات القسمة اولا بأول، فإذا لم يعترض المقاسم على أي إجراء من إجراءات القسمة
في وقته، فإن ذلك يدل على موافقة المقاسم ورضاه بإجراءات القسمة، وأن تلك
الإجراءات قد تمت صحيحة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة
العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 5-7-2006م في الطعن رقم (25252)، الذي ورد ضمن
أسبابه: ((فقد تبين للدائرة أن الحكم المطعون فيه الذي أيد الحكم الابتدائي موافق
للشرع والقانون بحسب ما قضى به الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية بإجراء القسمة
الذي قضى بلزوم تلك القسمة، لأن القسمة تمت في حينه وتم تحرير الفصول وتم تسليمها
للورثة، ومن ذلك الفصل الذي بيد والد الطاعن، فلم يتضمن ذلك الفصل إعتراض والد
الطاعن على تلك القسمة، كما لم يرد الإعتراض في أي من أوراق القسمة، فلو كان هناك
إعتراض لتم في حينه، اما ما اثاره الطاعن ضد تلك القسمة من أن والده لم يعترف بالقسمة
ولم يوقع عليها ولم يحضرها، فيرد على ذلك بأنه كان ينبغي على والد الطاعن أن
يتداعى بشأن ذلك في حينه لا بعد مضي مدة طويلة على تلك القسمة، فالثابت أن ملف
القضية يخلو مما يدل على وجود إعتراض من قبل والد الطاعن على إجراءات تلك القسمة)،
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول: عقد القسمة في القانون المدني:
عقد القسمة عقد لازم حسبما قضى الحكم محل
تعليقنا، حيث نصت المادة (1200) مدني على أن: (القسمة عقد لازم لجميع الشركاء فلا
يجوز لأحدهم الرجوع فيه إلا برضاء سائر الشركاء أو بحكم القضاء، وإذا كان بين
الشركاء ناقص أهلية فيقوم مقامه وليه أو وصيه، وإذا كان بينهم غائب فيقوم مقامه
وكيله، فإذا لم يكن لناقص الأهلية أو الغائب من ينوب عنه نصب عنه القاضي، وكذلك
إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي)، وكذا نصت المادة (1210) مدني على أنه:
(يجوز للغائب عند حضوره والصغير عند بلوغه والمجنون عند إفاقته والذي لحقه من
القسمة غبن فاحش ان يطلب من القضاء نقض القسمة للغبن، والعبرة في تقدير القسمة
بوقت القسمة ويسقط الطلب إذا اكمل المدعى عليه ما نقص من حصة المدعي عيناً أو
نقداً)،ومعنى لزوم عقد القسمة: أنه عقد نافذ غير موقوف أو معلق فلا خيار فيه وأنه
ملزم لكل الورثة أو الشركاء المتقاسمين فلا يجوز لهم الرجوع اوالعدول عنه حسبما ورد في النص السابق، وقد
صرح هذا النص بأن لزوم عقد القسمة عام يشمل جميع الورثة أو الشركاء المتقاسمين،
فالأصل ان عقد القسمة لازم لجميع الشركاء حسبما صرح النص، ومفهوم هذا النص قاصر
على القسمة الرضائية أو العقدية التي تتم عن طريق العقد بين المتقاسمين فلا تسري
أحكام هذا النص على القسمة القضائية التي تتم بموجب حكم قضائي، كما أن مفهوم هذا
النص لا يسري على القسمة التي تتم بموجب حكم التحكيم.
الوجه الثاني: الاستثناءات التي ترد على لزوم عقد القسمة:
ذكرنا في الوجه الأول أن الأصل هو لزوم عقد
القسمة بالنسبة لجميع الشركاء أو الورثة المتقاسمين، غير أنه ترد استثناءات على
هذا الأصل وهي:
الاستثناء الأول: حكم
القضاء بإبطال القسمة: لأن القسمة عقد حسبما سبق بيانه فقد تختل بعض أركانه أو
شروطه، فعندئذٍ قد يتقدم أحد الورثة بطلب إبطال عقد القسمة في الميعاد المحدد في
القانون، حيث تحكم المحكمة بإبطال عقد القسمة، علماً بأن المادة (16) من قانون الإثبات نصت على أنه : ( لا تسمع الدعوى من
المقاسم أو وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها إلاَّ من القاصر بعد بلوغه والغائب
بعد حضوره وبشرط أن لا تمضي سنة من وقت البلوغ أو الحضور)، ويفهم من هذا النص ان القسمة التي لم تكتمل شروط
صحتها تجوز المطالبة بنقضها من غير تقيد بمدة التقادم المحددة في النص القانوني
السابق لأنها خاصة بالغائب والقاصر ، وهذا الفهم خطير للغاية لأن غالبية القسمات
التي تمت في الماضي لابد ان يعتورها بعض الخلل في شروط صحتها ، وهذا الفهم يفسر
كثرة طلبات إبطال القسمة المنظورة أمام القضاء، ولذلك ينبغي معالجة هذه المسألة
لترشيد طلبات إبطال القسمة الكثيرة التي تتدفق على المحاكم وتجعل الحصول على
العدالة أمراً بعيد المنال.
الاستثناء الثاني: تراضي
المتقاسمين على إبطال عقد القسمة السابق إبرامه فيما بينهم فيجوز للمتقاسمين ان
يبطلوا عقد القسمة الذي سبق لهم إبرامه عملاً بمبدأ سلطان إرادة المتعاقدين، فما
دام أن المتعاقدين قد ابرموا العقد فيما
بينهم برضاهم واختيارهم، لذلك فإن إبطال هذا المركز أو تعديله يخضع لإرادة
المتعاقدين المتقاسمين.
الوجه الثالث : عقد القسمة واجراءات القسمة :
من
المعلوم ان القسمة الرضائية هي عبارة عن
عقد حسبما عرفها القانون المدني، وهذا يستدعي معرفة موقع عقد القسمة بين إجراءات
القسمة، فلا شك ان المقصود بعقد القسمة هي الوثيقة التي تتضمن حصر التركة واثمان موجوداتها وتوزيعها على
الورثة بحسب الفرائض الشرعية وإقرار الورثة وتوقيعهم على ان ماورد في هذه الوثيقة
هو جميع تركة المورث القابلة للقسمة وأنهم قد قبلوا بقسمتها عليها بحسب ماورد في
الوثيقة، وعقد القسمة الذي أشار إليه
الحكم محل تعليقنا بأن هو( النركيز)، وفي غالب الأحيان في القسمة الرضائية يقوم
الورثة بالتوقيع على عقد اخر يتضمن اتفاقهم على إجراءات القسمة قبل الشروع في إجراء القسمة، ومع أهمية هذا العقد
الا انه عقد يتفق فيه الورثة أو الشركاء على الإجراءات الواجب إتخاذها منذ البداية
وحتى إستلام كل وارث أو شريك لنصيبه المقرر شرعاً.
الوجه الرابع: إجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصول (الفروز):
تناول
القانون المدني إجراءات قسمة الأموال المشتركة في نصوص عامة مجردة مجملة، وترك
التفاصيل لاجتهادات القضاء والقسامين ، ولذلك تتفاوت إجراءات القسمة تفاوتا كبيرا
، غير ان هناك قواسم مشتركة في إجراءات
القسمة يمكن تلخيصها في الإجراءات الآتية
: حصر الورثة ثم حصر التركة والتحقق من ملكية المؤرث لأموال التركة ثم تصنيف أموال
التركة (متنازع عليها بين الورثة/ متنازع عليها مع غير الورثة/ مغصوبة/ قابلة
للقسمة العينية/ وغير قابلة للقسمة) وبعد ذلك يتم تحديد الأموال المطلوب قسمتها
والأموال التي ستترك قسمتها، وتثمين الأموال المطلوب قسمتها ثم افراغها في كشف
يتضمن الأموال المطلوب قسمتها وقيمتها السوقية وتوزيع القيمة على الورثة المذكورين
في الكشف بحسب الفرائض الشرعية، وفي ادنى الكشف يقوم الورثة بالمصادقة والموافقة
والقبول على ما ورد في كشف القسمة والتصريح بأنهم قد قبلوا بأن تكون القسمة على
أساس البيانات الواردة في الكشف بعد أن تأكدوا من صحتها وسلامتها ، وبعد ذلك يتم
فرز أو تحديد أو فصل أو إخراج نصيب كل وارث في وثيقة مستقلة تسمى (الفصل أو الفرز
أو التخروج)، ويتم تحرير الفروز على أساس تراضي الورثة على توزيع أموال التركة
المحددة في الكشف بالتراضي فيما بينهم من غير حاجة إلى إجراء القرعة، وان لم يتراض
الورثة المتقاسمين فيتم إجراء القرعة، وفي ضوء ذلك يتم تحرير وثائق الفصول أو
الفروز لكل مقاسم وثيقة على حدة .
الوجه الخامس: تحرير الفروز أو الفصول:
من
خلال ما تقدم يظهر ان تحرير الفروز هي المرحلة
قبل الأخيرة من مراحل القسمة: فتحرير الفصول هو النتيجة النهائية لإجراء
القسمة وان كان من اللازم بعد تحرير الفصول فرز الأموال في الواقع العملي في ضوء
ما ورد في الفصول، وعلى أساس ما تقدم فإذا كان المقاسم قد وافق على إجراءات القسمة
السابقة على تحرير الفصول فقد تحقق رضاه الصريح بإجراءات القسمة السابقة على تحرير
الفصول، فلا يحق له الإدعاء بعد ذلك ببطلان أجراءات القسمة السابقة أو وجود غبن
فيها، لأن المقاسم كان حاضراً في إجراءات القسمة وموافقاً عليها وقابلا بها ، إلا
أنه في بعض الحالات لايتم أخذ موافقة المقاسم أو مصادقته على إجراءات القسمة
السابقة لتحرير الفصول، فاذا لم يسبق للمقاسم قبول إجراءات القسمة السابقة ولكنه
استلم الفصل الخاص به ولم يعترض عليه وتمسك به ففي هذه الحالة يعد هذا الموقف من
المقاسم دليل على موافقته الضمنية على إجراءات القسمة السابقة لتحرير الفصول مثلما حصل في القضية
التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا، فإن إستلام المقاسم لفصله في هذه الحالة يكون
موافقة ضمنية على إجراءات القسمة السابقة على تحرير الفصل ، حسبما قضى الحكم محل
تعليقنا.
الوجه السادس: مبررات إعتبار إستلام الفصل والتمسك بما ورد فيه موافقة ضمنية على إجراءات القسمة السابقة عليه:
أشار
الحكم محل تعليقنا إلى ان إستلام المقاسم للفصل وتمسكه بما ورد فيه وعدم اعتراضه
عليه يعد إقرارا بفرع الثبوت أي بصحة إجراءات القسمة السابقة على تحرير الفصل ،
كما أن إستلام المقاسم للفصل وتمسكه به
وعدم إعتراض على ماورد في فصله يدل على ان المقاسم قد راجع ما ورد في الفصل وتأكد
من صحة وسلامة البيانات الواردة في الفصل ، وكذا فإن هذا الأمر يستند إلى فكرة
إستقرار مراكز الورثة وحقوقهم الواردة في الفصول، فلا ينبغي أن تظل فصول الورثة
وإجراءات القسمة السابقة عرضة للطعن فيها
إلى ما لانهاية.
الوجه السابع: وجوب تسليم الورثة المتقاسمين الأموال المحددة لكل وارث بحسب ما ورد في وثيقة فصله:
حيازة
كل مقاسم لما يخص المقاسم الآخر لا تكون حيازة قانونية وفقاً للقانون المدني، فلا
يجوز للوارث المقاسم ان يتمسك بالحيازة في مواجهة الورثة الآخرين مهما طال أمد
حيازته ، ولذلك يجب على كل وارث ان يسلم الأموال التي تحددت في الفصول للورثة
الآخرين الواردة في فصولهم بإعتبار الفصول حجة على المتقاسمين، يجب عليهم الوفاء بها.
الوجه الثامن: إجراءات القسمة وتداخلها واستقلالها وبطلان بعضها وصحة بعضها:
تتعدد
إجراءات القسمة: منها حصر الورثة (إنحصار الورثة) وحصر مصاريف ومخاريج موت المورث
وحصر الديون القائمة على المورث وحصر الوصايا والأوقاف التي قررها المورث في تركته
وحصر مطالبات الورثة المتعلقة بالتركة وحصر أموال التركة وتثمينها وحصر أموال
التركة القابلة للقسمة بين الورثة، وبيان اثمانها وتحديد نصيب كل وارث منها
(التركيز)، ثم تحرير فصول القسمة أو
الفروز أو التخاريج بلهجة حضرموت التي تتضمن نصيب كل وارث على حدة ثم تسليم الفصول
إلى كل وارث ثم تمييز الأموال الواردة في الفصول على الواقع العملي وهو عبارة عن
فرز أموال كل وارث على حدة، وذلك يعد تسليم فعلي لنصيب الوارث إلى يده.
ومن
خلال ما تقدم يظهر بجلاء تام ان هذه الإجراءات تتداخل مع بعضها أو تترتب بعضها على بعضها الآخر ، فعندما يقع التداخل أو الارتباط بين
بعض الإجراءات يتأثر كل إجراء ببطلان الإجراء المترتب عليه أو المتداخل معه،
فمثلاً إذا بطل التركيز وهو الوثيقة التي تتضمن حصر التركة وتثمينها وتوزيعها على
الورثة فإن بطلان التركيز يؤدي إلى بطلان الفصول، لأن الفصول عبارة عن نقل نصيب كل
وارث مما ورد في التركيز، غير أن بطلان التركيز لا يؤدي إلى بطلان الإجراءات
السابقة عليه إذا تمت صحيحة، واجراءات القسمة تتطلب موافقة المتقاسمين على كل
إجراء من إجراءات القسمة، والأفضل ان يقوم المتقاسمون بالتوقيع والبصمة في محاضر إجراءات
القسمة للتدليل على موافقتهم على تلك الاجراءات.
الوجه التاسع: أسباب إبطال اتفاق القسمة:
سبق القول عند تكييف القسمة الرضائية بانها عبارة
عن إتفاق ملزم بين الورثة يكون كل واحد منهم موجباً وقابلاً، وبما ان اتفاق القسمة
على هذا النحو فإن أسباب بطلانه هي أسباب إبطال العقود الأخرى لتخلف ركن من أركان
العقد أو شرط من شروطه أو تعيب إرادة الورثة بأي عيب من العيوب، ومن خلال الوقوف على الواقع
العملي نجد ان اغلب دعاوي إبطال القسمات في اليمن تكون بسبب الغبن في القسمة أو إجراء القسمة مع وجود غائبين أو قصار أو
وجود عيوب في
الوكالات الصادرة من
بعض الورثة لاسيما النساء وكذا عدم وجود تكليف من الورثة للقسامين أو الخبراء
العدول أو عدم تحرير الفصول الخاصة بكل وارث وكذا عدم تمييز ما يخص كل وارث في
الواقع العملي.
الوجه العاشر: وضعية الممتنع عن إجراء القسمة الرضائية:
في حالات
كثيرة يتفق غالبية الورثة على إجراء القسمة في حين يرفض أحدهم إجراء القسمة فتتعطل
إجراءات القسمة الرضائية، وقد نصت المادة (1200) مدني السابق ذكرها على أنه:
(وكذلك إذا تمرد أحد الشركاء نصب عنه القاضي)، وهذا نص صريح في جواز إجراء القسمة
الاختيارية وان تمرد أحد الشركاء أو الورثة حيث يجوز إجراء القسمة الرضائية في
مواجهة المنصب الذي ينصبه القاضي ، لكن هذا النص يناقضه نص المادة (1212) مدني
التي عرفت القسمة الجبرية بأنه: (إذا لم يتفق الشركاء جميعاً على القسمة طبقاً لما
هو منصوص عليه في المادة (1201) وطلبها أحدهم لزم القاضي...إلخ) فهذا النص اشترط
في القسمة الرضائية ان تكون بإتفاق الورثة جميعاً على القسمة الرضائية، فإذا امتنع
أو تمرد أحدهم فلا تصح القسمة الرضائية بدونه وإنما يتم اللجوء إلى القسمة الجبرية
، وهذا النص متأخر عن المادة (1200) التي اجازت للمحكمة التنصيب عن المقاسم
المتمرد عن القسمة الرضائية، ولذلك فإن القضاء في اليمن لا يعتمد القسمة الرضائية
إذا عارضها أحد الورثة حيث يلزم في هذه الحالة ان تكون القسمة جبرية أو قضائية .
الوجه الحادي عشر : ماهية إعتراض المقاسم على إجراءات القسمة ووقت الإعتراض :
إعتراض المقاسم
على اي إجراء من إجراءات القسمة يجب أن يكون صريحاً ومحددا، وينبغي ان يتضمن
الإعتراض أسانيد وأوجه الإعتراض ، لان إجراءات القسمة كما سبق بيانه اجراءات متعددة
وبعضها يكون مستقلا عن بعضها الأخر،كما ان إجراءات القسمة لاتتم في وقت واحد، فقد
تستمر إجراءات القسمة لسنوات عدة ، إضافة إلى أن بطلان إجراء من إجراءات القسمة
لايعني بطلان الإجراءات الأخرى، علاوة على أن اغلب إجراءات القسمة تكون متوالية، وعلى هذا الأساس يجب أن
يعبر المقاسم عن اعتراضه تعبيرا صريحا وان يكون هذا الإعتراض ثابتا وان يحدد المعترض نوع الإجراء الذي يعترض عليه، وان
يبين سبب الإعتراض وينبغي ان يتم الإعتراض على اي من إجراءات القسمة قبل الشروع في
الإجراء الذي يليه أو الذي يبني عليه حرصا على عدم هدر الإجراءات، وفي كل الأحوال ينبغي أن يكون وقت الإعتراض قبل مضي المدة
المقررة في قانون الإثبات وهي سنة حسبما ورد في المادة(16) إثبات التي نصت على أنه
: ( لا تسمع الدعوى من المقاسم أو وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها
إلاَّ من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره وبشرط أن لا تمضي سنة من وقت البلوغ
أو الحضور). والمقصود بالحضور في القسمة في هذا النص هو حضور
المقاسم إجراءات القسمة ومشاركته في
إجراءات القسمة من حصر وتثمين وتحرير فصول وغير ذلك من إجراءات القسمة.
فالأصل ان اعتراض المقاسم على إجراءات القسمة يهدف الى تصويب وتصحيح إجراءات القسمة اولا بأول، ولذلك ينبغي على المقاسم التصريح
بإعتراضه عند حدوث الإجراء الذي يعترض
عليه لمعالجة الأمر في حينه ففي هذا الوقت يكون الإعتراض هادفا اما إذا سكت
المقاسم الحاضر إجراءات القسمة فإن سكوته في معرض البيان قبول بالإجراء، فلايقبل
اعتراضه بعد ذلك حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
وإذا صرح
المقاسم باعتراضه فقد تقدم القول بأنه ينبغي أن يكون الإعتراض محددا يبين فيه
المعترض أوجه اعتراضه واسانيده، فإذا ثبتت صحة الإعتراض فيتم قبوله ومعالجة الإجراء المخالف دون المساس
بالإجراءات الأخرى المستقلة عن الإجراء المخالف، فلا يترتب على بطلان الإجراء
بطلان الإجراءات الأخرى عملا بمبدأ عدم الهدر الإجرائي أو مبدأ الإقتصاد في
الإجراءات الذي يعني عدم إعادة الإجراءات التي تمت صحيحة، لما في ذلك من إهدار
للوقت والجهد والمال بالنسبة للقضاة والخصوم والمجتمع، ومؤدى ذلك ان لا تعاد إلا
الإجراءات الباطلة، المحددة في الإعتراض أما
الإجراءات التي تمت صحيحة فلا يلزم إعادتها.
وقد قضى الحكم
محل تعليقنا بعدم العمل بالإعتراض اذا لم
يكن ثابتا ومكتوبا ضمن أوراق ومستندات القسمة المشار إليها في الأوجه السابقة،
فإذا كانت مستندات القسمة خالية مما يدل على اعتراض المقاسم فلايعول على الإدعاء
بوجود للمقاسم طالما ولم تتم الإشارة إليه ضمن مستندات القسمة.
الوجه الثاني عشر: تحرير وثيقة تتضمن إتفاق الورثة المتقاسمين على الإجراءات التفصيلية للقسمة قبل الشروع في الإجراءات :
تحدث الاعتراضات نتيجة مباشرة إجراءات القسمة الجبرية أو الاختيارية من غير تحديد خطوات واجراءات القسمة والمدد الزمنية للإجراءات، إذ تحدث الاختلافات والاعتراضات نتيجة عدم الاتفاق المسبق بشأن تلك الاجراءات سيما ان القانون المدني نظم ذلك بنصوص عامة مجردة وترك ذلك للاجتهاد الشخصي للقضاة والقسامين، فالزام المتقاسمين بالتوقيع على إتفاق يتضمن تحديد إجراءات القسمة تفصيلاً يقلل من إعتراضات المتقاسمين ويقلل من الخلافات التي تنشب بينهم عند مباشرة اي اجراء من إجراءات القسمة المتعددة والمتنوعة، فضلا عن أن ذلك يوفر الجهد والوقت والمال، كما أنه يمكن القسامين أو المحكمة من إتمام إجراءات القسمة في وقت يسير، والله اعلم.