لا يجوز تعليق تنفيذ العقوبة على تنفيذ المحكوم به في الجانب المدني
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
وقف تنفيذ العقوبة مظهر من مظاهر التفريد
العقابي وأسلوب من أساليب السياسة العقابية الحديثة ، إذ يراعي نظام وقف التنفيذ
الظروف الشخصية للجاني والجريمة التي اقترفها ، فنظام وقف التنفيذ من اهم بدائل
عقوبة الحبس،ولوقف تنفيذ العقوبة أهدافه مراميه، (شرح قانون العقوبات القسم
العام،. د. محمود نجيب حسني، 254)، ولذلك لا ينبغي تعليق تنفيذ العقوبة الجزائية
على تنفيذ الجاني للجانب المدني من الحكم، حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا الذي قضى
بعدم جواز تعليق تنفيذ عقوبة الحبس على قيام المحكوم عليه بتنفيذ ما قضى به الحكم
في الجانب المدني، والحكم محل تعليقنا هو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية
بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24-1-2007م في الطعن رقم (27003)، الذي
ورد ضمن أسبابه: ((فقد كانت أسباب الحكم المطعون فيه سائغة عدا تأييده لما قضى به
الحكم الابتدائي من اشتراط تنفيذ ماقضى به الحكم في جانبه المدني لإيقاف تنفيذ
عقوبة الحبس في الجانب الجزائي ، إذ أن حكم المحكمة بإيقاف التنفيذ بالنسبة للحبس
لا يجب أن يتوقف على الشرط المذكور إعمالاً لما نصت عليه المادة (118) عقوبات،
الأمر الذي يعني سلامة الحكم بإيقاف التنفيذ وإلغاء ما جاء من إشتراط الحكم لوقف
التنفيذ ))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: وقف تنفيذ عقوبة الحبس في قانون الجرائم والعقوبات:
أستند
الحكم محل تعليقنا في قضائه إلى المادة (118) عقوبات التي نصت على أن (للقاضي عند الحكم
بالغرامة او بالحبس مدة لا تزيد على سنة ان يأمر بوقف تنفيذ العقوبة اذا تبين من فحص
شخصية المحكوم عليه وظروف جريمته ما يبعث على الاعتقاد بانه لن يعود الى ارتكاب جريمة
أخرى، وللقاضي ان يجعل وقف التنفيذ شاملا لأية عقوبة تكميلية عدا المصادرة، ويجوز له
عند الامر بوقف التنفيذ ان يلزم المحكوم عليه بأداء التعويض المحكوم به لمن اصابه ضرر
من الجريمة وذلك خلال اجل يحدد في الحكم، ويكون وقف تنفيذ العقوبة لمدة سنتين من تاريخ
الحكم النهائي واذا انقضت هذه المدة دون ان يتوفر سبب من اسباب الغاء وقف التنفيذ اعتبر
الحكم كأن لم يكن)، فقد اخذ قانون الجرائم والعقوبات بنظام وقف تنفيذ عقوبة الحبس حسبما ورد في النص
السابق، لان اعقوبة الحبس أو العقوبة السالبة للحرية تنجم عنها آثار سلبية على المحكوم عليه و على
أسرته و المجتمع، فبدلا من إصلاحهم يتحولون الى ذوي السوابق و الخبرة الإجرامية
نتيجة اتصالهم واحتكاكهم بذوي السوابق معتادي الإجرام. إضافة إلى إرهاق الخزينة
العمومية بمصاريف المحكوم عليه عند ايداعه في المنشأة العقابية . ولهذه الإعتبارات
فقد اتجهت السياسة الجنائية المعاصرة إلى إعادة النظر في السياسة العقابية المتبعة
والبحث عن بدائل أكثر فعالية، فكأن من ثمار ذلك استحداث نظام وقف تنفيذ عقوبة الحبس .(وقف تنفيذ العقوبة، د. عبد
الفتاح خضر، ص 265).
الوجه الثاني: الهدف من وقف تنفيذ عقوبة الحبس:
نصت
المادة (118) عقوبات السابق ذكرها على أنه (للقاضي عند الحكم بالغرامة أو الحبس مدة
لا تزيد على سنة أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة إذا تبين من شخصية المحكوم عليه وظروف
جريمته ما يبعث على الإعتقاد بأنه لن يعود إلى إرتكاب جريمة أخرى)، فمن خلال
إستقراء هذا النص يظهر أن الهدف من وقف تنفيذ عقوبة الحبس هي مراعاة الظروف
الشخصية للمتهم والجريمة التي ارتكبها التي تبعث لدى القاضي ما يقنعه بأن المحكوم
عليه لن يعود إلى إرتكاب جريمة أخرى، اي ان الهدف من وقف تنفيذ العقوبة مراعاة
ظروف المحكوم عليه، فليس الهدف من وقف تنفيذ العقوبة حمل المحكوم عليه على تنفيذ
ما قضى به الحكم في الجانب المدني،فوقف تنفيذ العقوبة إجراء
يهدف إلى إصلاح الجاني سيما إذا كان حديث عهد بالجريمة أو
قليل الخطورة ، فإيقاف التنفيذ يخضع لسلطة القاضي التقديرية وفقا لظروف الجاني وربما
ظروف أسرته، فمعنى وقف التنفيذ وقف تنفيذ العقوبة فقط، اي أن الحكم يعد سابقة جنائية
على الجاني؛ لأن الهدف من إيقاف تنفيذ الحكم هو إصلاح الجاني، تطبيقا للهدف الأسمى للشرع والقانون
وهو حماية أفراد المجتمع واصلاحهم، ( وقف التنفيذ في القانون الجنائي، د. فواز
عباينة، ص122).
الوجه الثالث: إقتران وقف التنفيذ بأداء التعويض لمن اصابه الضرر خلال أجل محدد في الحكم:
نصت
المادة (118) عقوبات السابق ذكرها على أنه
(يجوز للقاضي عند الأمر بوقف التنفيذ أن يلزم المحكوم عليه بأداء التعويض
المحكوم به لمن اصابه ضرر من الجريمة وذلك خلال أجل يحدد في الحكم)، وقد فهم الحكم الاستئنافي ان هذا النص يجيز تعليق وقف
تنفيذ عقوبة الحبس على قيام المحكوم عليه بتنفيذ المحكوم به في الجانب المدني ودفع
التعويض إلى المحكوم له، فقد فهم الحكم الاستئنافي أن من اهداف وقف تنفيذ عقوبة
الحبس حمل المحكوم عليه على تنفيذ الجانب المدني من الحكم، بيد أن المحكمة العليا
نقضت الحكم الاستئنافي وقضت بعدم جواز تعليق وقف تنفيذ العقوبة على المحكوم به مدنياً، لأن الحكم بعقوبة الحبس مع وقف تنفيذها
عقوبة جزائية تختلف في ماهيته واهدافها وطبيعتها والدعوى المرفوعة بشأنها تختلف عن
المحكوم به في الجانب المدني، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله اعلم .