لا تجوز مخالفة العادة الجارية في الإنتفاع بعين الماء
أ.د/ عبعدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
قضى
الحكم محل تعليقنا بعدم جواز مخالفة العادة الجارية في الإنتفاع بعين الماء حسبما
قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ
30-1-2017م في الطعن رقم (58648)، وقد ورد ضمن أسباب هذا الحكم: ((وحيث البين من
الأوراق ان محكمة الدرجة الأولى قد سارت في نظر القضية بإجراءات صحيحة فتبين لها
اثناء المعاينة بموجب اقوال العدول وشهادة الشهود المحضرين ان المعتاد ان أهالي
القرية يستغلون عين الماء لشرب قراشهم (الابقار والاغنام) وغسل الملابس فقط وليس
لسقى ألمزروعات ، وحيث ثبت لمحكمة أول درجة ان ماء العين خاص بأهالي قرية...، وحيث
البين من الأوراق ان محكمة ثاني درجة قد نظرت القضية في الواقع والقانون طبقاً
للمادة (288) مرافعات، وتبين لها ان الطاعنين لم يقدموا ما يؤثر على سلامة الحكم
الابتدائي، لذلك فإن قضاء الشعبة بتأييد الحكم الابتدائي كان سديدا عملاً بالقاعدة
القانونية (بقاء الحال على ماهو عليه) وقاعدة الضرر الخاص يحتمل دفعا للضرر العام
مما يتعين معه رفض الطعن))، وسيكون تعليقنا
على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: ماهية العادة الجارية في الإنتفاع بعين الماء:
هي
ان يعتاد الناس على طريقة معينة في الإنتفاع بماء العين كطريقة تجميع ماء العين في
بركة والاغتراف منها أو تعبئة أنية الماء من ماء العين مباشرة أو إسالة ماء العين في
سواقي إلى المنازل والحقول او شفط الماء عن طريق انابيب المياه إلى المنازل أو
الحقول، كما قد تجري العادة على تقسيم ماء العين على المنتفعين أيام أو ساعات بحسب
مساحة الأراضي المنتفعة ونوع المزروعات وعدد الانفس في البيوت، كما قد يعتاد الناس
على تخصيص ماء العين الجارية لأهل قرية أو قرى معينة فلا يحق لغيرهم الإنتفاع به،
حيث يعتاد الناس في منطقة العين الجارية على عادات الإنتفاع بماء العين لفترة من
الزمن، فتترتب احتياجات الناس وتنتظم بحسب هذه العادات وتتعلق بها مصالح وحقوق
الأفراد المنتفعين، فتكون هذه العادات مثل القوانين في تنظيمها لحقوق ومصالح
الأفراد، ويلحق الأفراد الضرر والمشقة إذا تمت مخالفة هذه العادات التي استقرت لردح
من الزمن.
الوجه الثاني: حكم العادة الجارية في القانون المدني:
صرح القانون المدني بأن العادات والأعراف الموافقة
للشريعة الإسلامية واجبة التطبيق وان القاضي يحكم بمقتضاها وأنه يجب على الأفراد
احترامها، وفي هذا الشأن ورد في المادة (1) من القانون المدني (فإذا لم يوجد حكم
القاضي بمقتضى العرف الجائز شرعاً)، وهذا النص يشمل عادات الإنتفاع بماء العين
الجارية، فهذه العادات لا تخالف الشريعة الإسلامية، فهذه العادات حسبما سبق بيانه
عبارة عن تنظيم وترتيب إنتفاع الأفراد بماء العين بما يمنع الخلاف والنزاع فيما
بينهم وبغيان بعضهم على بعض، وقد اكد القانون المدني على احترام اعراف الناس
وعاداتهم الجارية التي تراضوا عليها ومن ذلك عادات الإنتفاع بعيون الماء، وفي هذا
المعنى نصت المادة (12) مدني على أن: (الأصل في المعاملات وانواعها وكيفيتها ما
اقره الشرع ثم ما جرى به عرف الناس وتراضوا عليه مالم يخالف حكم الشرع من تحليل
حرام أو تحريم حلال)، وقد قرر القانون المدني ان الماء مباح للكافة ولكن إذا قام
شخص أو اشخاص بإحرازه أو إخراجه من مكامنه أو تقاسموه فيما بينهم فأنه يكون حقا خاصا
بهم، وفي هذا الشأن نصت المادة (1359) مدني على أن: (الماء مباح أصلاً للجميع ولا
يملك ملكية خاصة إلا بالنقل أو الاحراز أو مافي حكمها وهو مثلي يضمن بمثله، ويعتبر
حفر البئر لتلقي الماء احرازاً له إذا اتى من مباح ومر في المجرى)، ويعتبر اخراج
عين الماء من مكامنها وتجميع مائها في بركة أو غيرها احراز للماء، كما يعد تقسيم
ماء العين وإتفاق الأهالي المحيطين بالعين سبق لحيازة الماء المباح عملاً بالمادة
(1360) مدني التي نصت على أن: (الماء المباح حق لمن سبق إليه بقدر كفايته).
الوجه الثالث: حكم مخالفة عادات الإنتفاع بعين الماء:
بما أن القانون قد اوجب العمل بالعادات المنتظمة
للإنتفاع بماء العين واوجب على القاضي الحكم به إذا ما رفع النزاع إلى القاضي على
النحو السابق بيانه، لذلك فأن المخالفة تكون إعتداء يلزم القضاء ازالته كما أن مخالفة
العادة الجارية في الإنتفاع بعين الماء تكون خطاً يلزم المخطئ ان يقوم بتعويض المنتفعين
عما لحق بهم من ضرر أو فات عليهم من كسب
محقق وفقاً للقواعد العامة بشأن التعويض، والله اعلم .
