تصحيح الحكم لا يكون تعديلاً له
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
تصحيح الحكم يقتصر على الاخطاء
المادية البحتة كالخطأ في اسماء الخصوم أو اسماء المواضع أو في ارقام التاريخ أو
المبلغ فلا يجوز ان يتحول التصحيح إلى تعديل الشيء المحكوم به أو الإضافة إليه، ولو
كان هذا التعديل لازما، لأن القانون قد
حدد الطريقة القانونية لمعالجة الاخطاء غير المادية في الحكم القضائي وهي طريق الطعن في الحكم ، فلا يجوز إتخاذ
تصحيح الاخطاء المادية في الحكم وسيلة لتعديل الحكم ذاته ، حسبما قضى الحكم الصادر
عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11-12-2014م في
الطعن رقم (55835)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((وحيث ان تصحيح المحكمة الاستئنافية
لحكمها قد جاء مخالفاً للمادة (253) مرافعات التي تنص على ان: (تتولى المحكمة
تصحيح ما يقع في حكمها من اخطاء مادية بحتة كتابية أو حسابية بقرار تصدره من تلقاء
نفسها أو بناءً على طلب أحد الخصوم من غير مرافعة وتجري كتابة المحكمة هذا التصحيح
على صورة الحكم الأصلي ويوقع هو ورئيس الجلسة)، وحيث ان تصحيح المحكمة الاستئنافية
لحكمها قد جاء مخالفاً لهذه المادة التي ذكرت ان التصحيح يكون للأخطاء المادية
الحسابية والكتابية، وحيث ان تصحيح المحكمة الاستئنافية قد تضمن تعديلاً للحكم
وذلك بإضافة عبارة إلى الفقرة الثالثة من منطوق الحكم وهي عبارة (قنوع المستأنف
ضده عن الغلول المذكورة في الحكم الابتدائي وإعتبار الغلول مسلمة إلى سنة... بحسب
الاستلامات المرفقة بملف القضية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه
الأتية:
الوجه الأول: معنى الخطأ المادي في الحكم:
الاخطاء المادية البحتة الكتابية أو الحسابية هي
الأخطاء الظاهرة في بعض الكلمات الواردة في الحكم، كالأخطاء في كتابة أو طباعة بعض
الكلمات الواردة في الحكم( وليس الأخطاء الطباعية أو الاملائية أو اللغوية )، وكذا
الاخطاء الحسابية التي تقع في أرقام
التواريخ أو المبالغ أو أرقام المذكرات، ومن المعلوم ان الأخطاء المادية من اسمها تقع من غير قصد، فذلك هو معنى الخطأ في اللغة
والاصطلاح، والخطأ المادي في الحكم يكون ظاهراً للعيان لا خلاف بشأنه، وفي بعض
الحالات يتم إكتشاف الخطأ من خلال المطالعة للحكم، وفي بعض الحالات لا يتم اكتشاف
الأخطاء المادية إلا عن طريق الرجوع إلى أوراق القضية التي تم نقل البيانات إلى
الحكم منها كالمستندات والمذكرات والتقارير،
فقد يحدث في بعض الأحيان أن يلحق
بالحكم خطأ مادي، فيكون هذا الخطأ أما بسبب القاضي أو بسبب كاتب الجلسة، فقد يخطأ
القاضي في كتابة الحكم على مسودته وهذا لا شك خطأ مادي، وقد يقع الخطأ في أسم
المدعى عليه بين أسباب الحكم ومنطوقه وأيضا هذا الاختلاف ليس الا خطأ مادي، وقد
يكون الخطأ بسبب كاتب الجلسة فتسقط منه سهوا كلمة أثناء نسخ الحكم من مسودته وقد
يدون اسم أحد أعضاء المحكمة بصورة خاطئة أو ذكر عبارة بدلا من عبارة فأن ذلك يعتبر
خطأ مادي يمكن تصحيحها، فيقصد بالأخطاء المادية التي ترد في الحكم هو: الخطأ في
التعبير وليس الخطأ في التفكير باستخدام عبارات أو أرقام أو أسماء لا تعبر عما
اتجهت اليه المحكمة حسبما تكشف مدونات الحكم ذاته، فالخطأ المادي هو – كما عبر
القانون الإيطالي – كل أغفال أو خطأ لا يترتب عليه البطلان ولا يترتب على تصحيحه
تعديل أساسي في الأجراء (المادة 149 اجراءات إيطالي)،والخطأ المادي قد يكون حسابي،
فبالنسبة للخطأ الحسابي: وهو الخطأ في إجراء عملية حسابية يقوم بها القاضي
في مسببات حكمه أو منطوقه كالخطأ في الجمع مثلا عند حساب المبالغ المستحقة للدائن
او في الطرح عند خصم المبالغ أو الأقساط التي سددها المدين من مبلغ المديونية
الأصلية او في الضرب عند حساب الفوائد المستحقة او عند القسمة في إجراء عملية
تحويل العملة، اما بالنسبة للخطأ الكتابي: وهو كل أخطاء القلم كالسهو ونسيان ذكر
بعض البيانات او الخطأ في ذكرها ومن امثلتها الخطأ في ذكر الأرقام كرقم العقار
مثلا او الخطأ في رقم الدعوى او الخطأ في اسماء الخصوم او الخطأ في تاريخ إصدار
الحكم او بيان المادة التي صدر فيها الحكم إذا كانت مدنية أو مستعجلة او تجارية
وقد يكون الخطأ في وصف الحكم غيابي أو حضوري،والخطأ المادي بهذه المثابة لابد وأن نجد
له أساس في مدونات الحكم ذاته يدل على الوقائع الصحيحة فيه في نظر الحكم بحيث يبرز
هذا الخطأ واضحا من مجرد مقارنة الخطأ المادي الوارد في الحكم بالأمر الصحيح
الصادر في الحكم نفسه، اما إذا
وقع خطأ في أسماء الخصوم أو صفاتهم أو
أسماء القضاة الذين أصدروا الحكم، فإذا كان الخطأ جسيما بحيث جهل بالخصم او أدى
الي الالتباس في شخصيته وحقيقة اتصاله بالدعوى هنا لا يمكن اعتماد مبدأ التصحيح
وفق المادة 253 مرافعات، وانما يكون بالطعن عليه بالطريق الذي
رسمه القانون ذلك إن هذا الخطأ يؤدي إلى بطلان الحكم،وكذلك الحال فيما إذا كان
الخطأ هو عدم ذكر اسماء القضاة الذين اصدروه فهو خطأ جسيم يبطل الحكم، أما إذا كان
الخطأ في أسماء الخصوم أو صفاتهم او في ذكر أسم القاضي او عضو النيابة لا يجهل
بالخصوم أو يؤدي الي التباس في شخصياتهم ولا يكون له تأثير على سلامة اركان الحكم
ففي هذه الحالة يكون الحل بالرجوع للمحكمة التي أصدرت الحكم لتصحيح ما وقعت فيه من
خطأ مادي، وقد يؤدي الخطأ المادي في الحكم سواء كان حسابيا او كتابيا الي اختلاف
واضح ما بين الأسباب والمنطوق فتؤدي الأسباب إلى قرار مختلف عما ظهر في المنطوق
فتتهدم أركان الحكم مما يؤدي الي انعدامه والوسيلة في هذه الحالة الطعن بالطريق
الذي رسمه القانون توصلا إلى إلغائه.
ولا يكفي فقط وجود الخطأ المادي ولكن
يستلزم ان يكون الخطأ قد وقع في الحكم واستنادا إلى ذلك لا يعتبر خطأ مادي إذا كان
الخطأ قد وقع من الخصوم أنفسهم كالخطأ في صحف الدعاوى أو المذكرات. ( تصحيح الخطا
المادي في الحكم، الاء مجدي سيد محمد، ص7 ).
الوجه الثاني:
مفهوم تصحيح الخطأ المادي في الحكم:
حدد قانون المرافعات تصحيح الخطأ
المادي في الحكم في المواد (253 و254 و255) فقد بينت هذه المواد إجراءات التصحيح،
حيث يتم تدوين البيانات الصحيحة بدلاً من الأخطاء المادية في صورة الحكم الأصلي، ويتولى
ذلك كاتب المحكمة بناء على توجيه من
القاضي الذي أصدر الحكم، وبعد تصحيح الأخطاء
المادية يتم التوقيع على صورة الحكم
التي تم فيها التصحيح من قبل الكاتب ورئيس المحكمة ويتم إعلان الخصوم بذلك
وإستدعاء الخصوم لإجراء التصحيح في نسخ
الحكم السابق تسليمها لهم ولا يرد التصحيح إلا على الأخطاء المادية وحدها أما
الأخطاء الغير مادية فلا يجوز اللجوء في شأنها الى هذا الطريق حتى لا يكون التصحيح
ذريعة للرجوع عن الحكم أو المساس بحجيته، حيث تقتصر مهمة المحكمة على النظر في
تصحيح الخطأ المادي في ضوء ما هو ثابت في مدونات الحكم نفسه فيتعين أن يكون
التصحيح من واقع العناصر الثابتة في الحكم، ولا يجوز لها أن تقف النظر في طلب
التصحيح الى حين الفصل في مسألة أولية.
وتظل للمحكمة مكنة التصحيح طالما ظلت
الدعوى في حوزتها، ويعتبر القرار الصادر بالتصحيح حكما مكملا للحكم ومتمما له، مع أنه ذهب بعض
الفقه القانوني إلى اعتبار القرار الصادر بالتصحيح حكم موضوعي(( تصحيح الخطا
المادي في الحكم، الاء مجدي سيد محمد، ص8).
الوجه الثالث: تصحيح الحكم لا يجوز ان يتحول إلى تعديل للحكم :
قضى الحكم محل تعليقنا بأن التصحيح
المادي للحكم لا ينبغي ان يصل إلى تعديل الحكم، لأن مفهوم تصحيح الخطأ المادي
يقتصر على تصحيح الكلمات او البيانات والأرقام على النحو السابق بيانه فلايجوز حذف
عبارات صحيحة أو إضافة عبارات إلى الحكم بذريعة تصحيحه، فلا يجوز ان يتحول تصحيح
الخطأ المادي إلى تعديل للحكم، لأن ذلك يخالف القانون الذي حصر عملية التصحيح على الاخطاء المادية البحتة السابق الإشارة
إليها، ولأن المحكمة التي اصدرت الحكم قد
استنفدت ولايتها بعد إصدارها للحكم، فلا يجوز لها معاودة نظر القضية وتعديل الحكم،
والله اعلم .
