في القانون اليمني: الاستدلال على الملكية العقارية بوثائق الغير

الاستدلال على الملكية العقارية بوثائق الغير

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من المعلوم ان إثبات ملكية العقار يكون عن طريق الكتابة (البصيرة/ الفصل/ الوقفية /...إلخ) إلا أنه في بعض الحالات يحدث الإضطراب والتناقض بين وثائق الملكية المبرزة من الخصوم المتنازعين على العقار، وعندئذٍ يقوم القاضي بالترجيح بين الوثائق المتناقضة المبرزة من المتنازعين بطرق عدة منها بصائر أو وثائق المجاورين للأرض محل النزاع، حيث تتضمن وثائق ملكية الغير المجاورين للأرض محل النزاع تتضمن بعض بيانات الأرض محل النزاع مثل اسماء الأراضي المجاورة لها واسماء مالكيها وحدودها ، ولذلك   يتم الاستئناس بالبيانات الواردة في وثائق ملكية المجاورين في هذه الحالة، حسبما ورد في الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19-2-2018م في الطعن رقم (58884)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي أنه: تبين صحة ما ورد في عريضة الاستئناف أن الحكم الابتدائي قد تجاهل أدلة المستأنف ومنها تطابق بصيرته مع بيانات الأرض واسمها وحدودها المذكورة في بصائر المجاورين للأرض محل النزاع ، ولذلك فقد قضى الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي، وللأسباب ذاتها فقد قضت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا بإقرار الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: ((فقد ناقشت الدائرة تفاصيل ما ورد في عريضة الطعن والرد عليها، وبعد الإطلاع على الحكم الابتدائي وما تبعه لدى محكمة الاستئناف، فقد وجدت الدائرة ان أسباب الطعن متعلقة بوقائع النزاع الداخلة في إختصاص محكمة الموضوع التي ناقشتها مناقشة صحيحة وتوصلت من خلال ذلك إلى نتيجة موافقة للشرع والقانون لما عللت به واستندت إليه، لذلك فإن المتعين عدم الالتفات إلى ما ورد في الطعن))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:

الوجه الأول: ماهية وثائق الملكية العقارية وإجراءات تحريرها في اليمن:

رغم إنتشار الأمية في اليمن في العصور الماضية إلا أنه قد أستقر منذ عام 950هـ إثبات الملكية العقارية عن طريق الكتابة، فكان يتولى تحرير وثائق الملكية العقارية اشخاص اشتهرت عدالتهم وخطوطهم في مناطقهم لاسيما مع قلة عدد الأشخاص الذين  كانوا يجيدوا القراءة والكتابة، حيث كانت ولا زالت  الملكية العقارية تثبت عن طريق وثائق مكتوبة، فالملكية العقارية تتداول وتنتقل بين الأشخاص عن طريق تصرفات يتم إثباتها كتابة، فعقد بيع العقار تتم كتابته في وثيقة تسمى (بصيرة أو حجة) والوقف يتم إثباته في الغالب عن طريق وثيقة تسمى وثيقة (وقفية) والهبة يتم كتابتها عن طريق وثيقة تسمى (وهبية)، وكذلك الحال بالنسبة للوصية وغيرها من التصرفات الناقلة للملكية التي تتم كتابتها ، ومنذ أمد بعيد واليمانيون يطلقون على أراضيهم مسميات لتمييزها عن غيرها من الأراضي، كما ان الأشخاص الذين يتولوا كتابة وثائق الملكية العقارية في اليمن يحرصوا على تدوين بيانات العقار كاملة حتى يكون معلوماً علماً نافياً لجهالة، حيث يذكر كتبة وثائق الملكية العقارية في وثيقة ملكية العقار اسم العقار ومساحته واسماء العقارات أو الأراضي المجاورة للعقار واسماء ملاك العقارات المجاورة للعقار المقصود، وقبل صدور قانون التوثيق لأول مرة في اليمن ومن بعده وكتبة وثائق الملكية العقارية يحرصوا على التحري والتثبت عند كتابة بيانات العقار في وثيقة ملكيته، وقد جعل هذا الوضع المحررات القديمة تحظى بالقبول والمصداقية مع انها غير موثقة وغير مسجلة في السجل العقاري، لأن كتبتها كانوا يتثبتوا عند تحريرها، فكان كتبة وثائق الملكية العقارية قبل تحرير الوثيقة  يتحققوا من ملكية المتصرف بموجب الوثائق المتعارف عليها وكذا التحقق من حيازته وثبوته على الأرض محل التصرف وكذا يتم التأكد من بيانات الأراضي المحادة للعقار محل التصرف.

الوجه الثاني: حجية وثائق الملكية العقارية للأراضي المحادة:

لا شك أن تلك الوثائق حجة قاطعة بين اطرافها فتكون ملزمة لهم، فبصيرة شراء الجار المحادد  تكون حجيتها نسبية أي قاصرة على طرفي عقد البيع (البائع والمشتري)، وكذلك الحال بالنسبة للفصول التي تكون حجيتها  قاصرة على المتقاسمين، وهذا الأمر يسري على غير ذلك من التصرفات الناقلة للملكية العقارية كالوصية وغيرها، وعلى هذا الأساس فإن وثائق ملكية الجيران المحادين للأرض محل النزاع لا تكون حجة على غير اطرافها.

الوجه الثالث: مجال الإستدلال بوثائق ملكية الغير:

في بعض الحالات يقع النزاع على ملكية الأرض حيث تتضارب الأدلة بشأن ملكيتها، فعندئذٍ يقوم القاضي بتطبيق المستندات المتضاربة على الأرض محل النزاع، فيقوم بتطبيق المستندات على أرض الواقع للتثبت من اسم الأرض ومساحتها وحدودها، حيث يطالع مستندات الأراضي المحادة للتأكد من صحة بيانات الوثائق المتضاربة، ومن خلال ذلك يتم إعتبار البيانات الواردة في وثائق ملكية الأراضي المحادة قرائن على صحة المستند الموافق لها خاصة إذا كانت وثائق ملكية الجيران أكثر من وثيقة  اوأكثر من جهة من جهات  الأرض محل النزاع قد تطابقت مع وثيقة أحد المتنازعين مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، حيث يتم في هذه الحالة الإستدلال بما ورد في وثائق ملكية جيران الأرض محل النزاع عن طريق المعاينة للتحقق ميدانيا من بيانات الأرض محل النزاع وبيانات الأراضي المجاورة لها، ولذلك نلاحظ في تقارير المعاينة ان القاضي الفطن يقوم بسؤال جيران الأرض عن البيانات محل الخلاف بين المتنازعين على الأرض محل النزاع، وفي  بعض الحالات يكلف القاضي المجاورين بتقديم المستندات للوقوف على البيانات المطلوبة، غير أنه لايجوز للقاضي ان بحملهم جبرا على تقديم مستندات ملكية أراضيهم الخالية من النزاع، والله اعلم.



تعليقات