العدال عند التحكيم
أ.د/ عبدالمؤمن
شجاع الدين
الأستاذ بكلية
الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
العدال في اليمن هو عبارة عن قيام المحتكمين
بوضع أموال منقولة رمزية كالبنادق والجنابي ضمانا لتنفيذ اجراءات التحكيم وقرارات المحكم وسداد اتعاب المحكم، فقد يكون العدال
سيارات او مبالغ مالية أو بنادق أو جنابي (الخناجر اليمنية الأصيلة) كما قد يكون وثائق ملكية العقارات (البصائر)، وفي بعض الحالات يمتنع المحكم عن رد
العدال إلى الخصوم بعد إنتهاء القضية لأسباب عدة منها عدم سداد اتعابه أو الوفاء
بقراراته، وقد يكون السبب طمع المحكم وتمسكه بالعدال،
وقد قضى الحكم محل تعليقنا بان خلاف الخصوم مع المحتكمين بشأن العدال لا تجوز إثارته في دعوى بطلان حكم التحكيم حسبما
ورد في الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة
بتاريخ 18/12/2012م في الطعن رقم (46561)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم: ان المحكم طلب من الخصوم المحتكمين وضع عدال لديه ضماناً لإلتزامهما
بتنفيذ حكمه بعد النطق به، إلا أنه بعد النطق بالحكم قام احد الخصوم بتقديم دعوى بطلان حكم التحكيم بدلا من تنفيذه، ولذلك فقد امتنع المحكم عن إعادة العدال إلى
المدعي بالبطلان الذي افاد في دعوى البطلان: أن المحكم غير محايد وانه تعمد الحكم عليه بدون وجه حق وانه ليس هناك تحكيم مكتوب وذلك كله يخالف القانون، وطلب في دعواه إلغاء حكم التحكيم وإلزام المحكم بإعادة العدال الذي استلمه منه، وقد توصلت محكمة الاستئناف
إلى الحكم بقبول دعوى البطلان وإبطال حكم التحكيم، فقام الطرفان المدعي بالبطلان
والمدعى عليه بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي، حيث ذكر المدعي بالبطلان في طعنه: ان محكمة الاستئناف قد حكمت بإبطال حكم التحكيم إلا انها تجاهلت طلبه
بإلزام المحكم بإعادة العدال، وقد رفضت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا الطعن
وأقرت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (لما كان الثابت أن
الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد قضى بقبول دعوى البطلان وإلغاء حكم التحكيم بجميع فقراته وانه على المتضرر اللجوء إلى القضاء،ولذلك فان الحكم الاستئنافي المطعون فيه يكون قد قضى بجميع طلبات المدعي بالبطلان الطاعن
بالنقض حالياً، ومن ثم فان طعنه غير مؤثر، اما ما أثاره الطاعن بان الحكم الاستئنافي لم يقض بإلزام المحكمين
بإعادة العدال فذلك خارج عن إختصاص محكمة الاستئناف كونها محكمة قانون يقتصر إختصاصها على نظر دعوى البطلان بحسب الأسباب القانونية المحددة) وسيكون
تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: ماهية العدال والغرض منه:
العدال هو عبارة عن مال منقول يساوي تقريباً في قيمته الشى الذي يتم وضع العدال لأجله أو يزيد على ذلك أو يساوي اتعاب المحكم أو يزيد
على ذلك، ويكون العدال مثل خطاب ضمان أو شيكات موجلة أو
نقود أو سيارات أو بصائر وغيرها من المنقولات،ومع ذلك ففي غالب الحالات يكون العدال عبارة عن
أشياء أو منقولات رمزية ترمز وتعبر عن إلتزام المحتكم ووفائه بوعده والتزاماته
التي يقطعها،ومن العدال الرمزي البنادق والجنابي، ويكون الغرض من العدال هو ضمان التزام المحتكمين بالحكم الذي سينطق به المحكم وقد يكون الغرض من العدال ضمان سداد اتعاب المحكم وتنفيذ اجراءات وقرارت
التحكيم.
الوجه الثاني: مبررات العدال واسانيده :
اخذ المحكمين للعدال شائع في اليمن ويجد له مبررات واسانيد كثيرة من اهمها ان المحكم ليس لديه الوسائل والإمكانيات التي يتمتع بها
القاضي ولذلك فانه يحتاج إلى ضمانات لإتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة اثناء سير
الخصومة التحكيمية وكذا الضمانات اللازمة لتنفيذ حكمه بعد النطق به إضافة إلى حقه
في اخذ الضمانات المناسبة للحصول على اتعابه، وقد اشارت إلى هذه المبررات المادتان (30 و 31) من قانون التحكيم حيث نصت المادة
(30) على أنه (يجوز للجنة التحكيم ان تأمر أياً من الطرفين بتقديم أي ضمانات تراها
ضرورية ومناسبة لإجراء مؤقت أو تحفظي وبناءً على طلب الطرف الآخر وفي حالة
الإمتناع عن تقديم الضمان المطلوب فأنه يجوز للجنة ان تأذن للطرف الآخر في القيام
بتنفيذ الأمر وعلى نفقة الطرف الممتنع عن التنفيذ) وفي السياق ذاته اجازت المادة
(31) تحكيم للجنة التحكيم ان تطلب من تلقاء نفسها
تقديم الضمانات حيث نصت هذه المادة على أنه (يجوز للجنة التحكيم ان تطلب من طرفي
التحكيم تقديم الضمانات اللازمة لسير إجراءات التحكيم وتنفيذ حكم التحكيم عند
صدوره).
الوجه الثالث: التكييف القانوني للعدال:
من خلال إستقراء المادتين (30 و 31) من قانون
التحكيم السابق ذكرهما نجد ان العدال هو مجرد ضمان او تأمين يهدف إلى حمل المحتكم
أو الخصم على تنفيذ إجراءات التحكيم أو حكم التحكيم بالإضافة إلى حمل المحتكمين
على الوفاء بأجرة المحكم أو اتعابه، وعلى هذا الأساس فان العدال لا يخرج المال الذي تم تعديله عن ملكية الخصم المحتكم الذي يظل مالكاً للمنقول الذي قام بتعديله لدى المحكم وبالمقابل
فان العدال قد تعلق به حق للخصم الآخر في الخصومة التحكيمية أو للمحكم نفسه فلا يكون العدال طليقاً من كل قيد حيث يكون
العدال مرهوناً بالوفاء بالالتزام الذي تم تعديله لأجله،
فعندئذ يجب على الخصم الذي وضع العدال ان يفي بالإلتزام
الذي تم وضع العدال لأجله، وبناء علي ذلك يكون وضع العدال في
هذه الحالة كوضع الرهن الحيازي او رهن المنقول الذي يستلزم من الراهن ان يعيد
القرض لإستعادة الرهن وكذلك الحال بالنسبة للعدال.
الوجه الرابع: سلطة المحكم على العدال:
تتجسد سلطة المحكم على العدآل في احقيته في حبس العدال وعدم تسليمه
لصاحبه حتى يقوم بالوفاء بالإلتزام
الذي وضع العدآل لأجله ، بيد أنه لا يحق للمحكم بيع العدال أو التصرف به من تلقاء
نفسه، فالتنفيذ على العدال يقتضي لجوء المحكم إلى المحكمة المختصة لمطالبة المحتكم
بالوفاء بالتزامه لان العدال كما ذكرنا لا يخرج الشيء المعدل من ملكية المحتكم
الذي عدله.
الوجه الخامس: مطالبة المحتكم للمحكم بالعدال:
ذكرنا ان العدآل عبارة عن ضمان أو تأمين للوفاء بالتزامات تعهد المحتكم بالوفاء ، فاذا لم يقم
المحكم بإعادة العدال طواعية فذلك يعني ان هناك خلاف أو نزاع بين الطرفين المحتكم
والمحكم بشأن مدى وفاء المحتكم بإلتزامه الذي يقابله العدال أم لا، وهذا الخلاف لا يجعل المحكم أهلاً للفصل فيه لانه طرف في هذا الخلاف لاسيما إذا كان العدال متعلق باتعاب المحكم فان الإختصاص بنظر هذا الخلاف ينعقد للمحكمة المختصة التي تتولى الفصل في هذا النزاع.
الوجه السادس: النزاع على العدال لا يندرج ضمن دعوى البطلان:
وفقاً للمادة (53) تحكيم فان محكمة الاستئناف تكون بالنسبة لدعوى البطلان
في حكم التحكيم تكون محكمة قانون مثلها في ذلك مثل المحكمة
العليا حيث يقتصر دور محكمة الاستئناف بالنسبة لدعوى
البطلأن على التأكد من تحقق أي من حالات بطلان حكم التحكيم، فلا تستطيع محكمة الاستئناف التعرض لطلب إعادة العدال لان ذلك
يحتاج إلى دعوى ابتدائية تقدم أمام المحكمة الابتدائية المختصة حتى لايهدر مبدا التقاضي على درجتين، إضافة إلى أن حكم
التحكيم لم ولن يتعرض لهذا الطلب لان هذا الطلب لا يندرج ضمن موضوع التحكيم الوارد
في وثيقة التحكيم المكتوبة فضلاً عن أنه لا يجوز للمحكم ان يفصل في الخلاف الذي قد
ينشب فيما بينه وبين احد الخصوم بشأن العدال علاوة على أن المحكم ليس طرفا من اطراف دعوى البطلان، لأن اطرافها هم
المحتكمون وليس المحكم، وفي بعض الحالات يطلب الخصوم
من هيئة التحكيم أثناء نظرها النزاع إعادة العدال اليهم
لوفائهم بالإلتزام الذي تم اخذ العدال لأجله فإذا رفضت هيئة
التحكيم ذلك فانها تسبب رفضها في حكم التحكيم ففي هذه الحالة يجوز إثارة هذه المسالة أمام محكمة الاستئناف ضمن دعوى البطلان لأن العدال وان لم يكن
مثبتا في وثيقة التحكيم الا انه من اجراءات التحكيم وفقا للمادتين (30و31) تحكيم(التحكيم الإجباري والاختياري، استاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد ابو
الوفا،صـ86).
الوجه السابع:مدى قانونية إلتزام المحتكم بتنفيذ
حكم التحكيم وعدم تقديم دعوى ببطلانه:
عندما يكون العدال ضمانا لتنفيذ حكم التحكيم يفهم من ذلك أن المحتكم حينما يضع العدال ضمانا لتنفيذ الحكم يكون قد تنازل عن حقه في تقديم دعوى البطلأن،ويفهم من ذلك ضمنا فقدانه العدال الذي وضعه لدى المحكم،ومن وجهة نظرنا فان وضع العدال لايصادر حق المحتكم في تقديم دعوى البطلأن لأن الحق في تقديم دعوى البطلأن لم يوجد بعد عند وضع العدال حتى يكون هذا الحق محلا للتنازل،كما أن قيام الخصم بتقديم دعوى البطلأن لايفقده حقه في إستعادة العدال،والله اعلم.