مدى دستورية قرار إنشاء النيابة الجزائية المتخصصة
أ.د/ عبدالمؤمن
شجاع الدين
الأستاذ بكلية
الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
إنشاء النيابات والمحاكم الجزائية المتخصصة يثير جدلاً ونقاشاً في اليمن
لازالت اصداؤه تتردد حتى الان، وقد رفعت طعون ودعاو دستورية بشأن مدى دستورية
المحاكم والنيابات الجزائية المتخصصة ،ومنها الطعن بعدم
دستورية القرار الجمهوري بإنشاء المحكمة الجزائية وهو الطعن رقم (32730) الذي فصلت فيه الدائرة الدستورية
بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24/2/2008م في حكمها الذي قضى بانه (قد تضمن الدفع بعدم الدستورية ان المادة
(119) من الدستور لا تقرر لرئيس الجمهورية
الاختصاص بإنشاء نيابة جزائية متخصصة وتحديد نطاق اختصاصها نوعياً ومكانياً ،وقد وجدت الدائرة ان هذا النعي في غير محله لان
الفقرات الثمانية عشرة المذكورة في المادة المشار اليها لا تعني حصر اختصاصات رئيس
الجمهورية في تلك الاختصاصات المذكورة في المادة والدليل على ذلك ان المادة ذاتها قد ذكرت في نهايتها ان لرئيس الجمهورية اختصاصات أخرى غير تلك المذكورة في هذه المادة
ولكنها مذكورة في القوانين المختلفة مثل
المصادقة على أحكام الإعدام وغيرها، كما ورد في الدفع بعدم الدستورية إن القرار الجمهوري بإنشاء نيابات ومحاكم جزائية
متخصصة من اختصاص مجلس القضاء الأعلى وليس رئيس الجمهورية بموجب قانون السلطة
القضائية، والدائرة تلاحظ ان رئيس الجمهورية كان حين إصدار قراره بإنشاء النيابة الجزائية كان رئيساً لمجلس القضاء الأعلى إضافة إلى ان القرار الجمهوري كاشف عن قرار مجلس القضاء، فالقرار الجمهوري يصدر استناداً على موافقة
وطلب مجلس القضاء الأعلى ،فالقرار اصلا قرار مجلس
القضاء، ولذلك فالقرار الجمهوري كاشف لقرار مجلس القضاء، كما ان القضاء
الجزائي يفترض إنشاء المحكمة قبل إنشاء النيابة التابعة لها فلا يتصور إنشاء
النيابة الجزائية قبل إنشاء المحكمة الجزائية، كما ان القرار الجمهوري المطعون فيه لم يحدد النطاق المكاني أو النوعي
للنيابة الجزائية وتبعاً لذلك فانه لا يعارض نص المادة (115) إجراءات التي تحدد إختصاص اعضاء النيابة، وحيث ان الدفع بعدم الدستورية قد قام على سند من
القول بان النيابة الجزائية المتخصصة المنشأة بموجب القرار الجمهوري رقم (391)
تخالف المادتين (150 و 149) من الدستور فذلك
تأسيس غير سليم لما سبق، كما انه لا مجال للقول بان هذا الإنشاء
قد انطوى على تعطيل لأحكام قانونية) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين
في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: قيام رئيس الدولة بإصدار القرارات بإنشاء المحاكم وتعيين
القضاة:
من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد ان الدفع بعدم دستورية قرار إنشاء
النيابة الجزائية كان في عام 2005م وتم الفصل فيه عام 2008م أي قبل تعديل قانون
السلطة القضائية وقبل صدور الحكم من الدائرة الدستورية بعدم
دستورية بعض مواد قانون السلطة القضائية كما ان رئيس الجمهورية كان حين إصدار القرار الجمهوري رقم (391) كان رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، فبعد
هذه التغيرات لم يعد رئيس الدولة يصدر قرارات
بإنشاء المحاكم، أما قبل هذه التغيرات فقد كان رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس القضاء الأعلى كما أنه بعد تركه رئاسة مجلس القضاء ظل يصدر القرارات بتعيين القضاة، وكان هذا الأمر يثير جدلاً قانونياً حيث كان يذهب اتجاه إلى ان قيام
رئيس الجمهورية بإصدار قرارات بتعيين القضاة أو إنشاء محاكم يخل بإستقلال القضاء بالنظر إلى طبيعة نظام الحكم في اليمن ،فنظام الحكم مختلط يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني بل انه اقرب إلى النظام
الرئاسي،وهذا النظام يجعل رئيس الجمهورية رئيساً
فعلياً للسلطة التنفيذية (الحكومة) ومهيمنا عليها، وعلى هذا الأساس
فان قيام رئيس الجمهورية بإصدار قرارات إنشاء المحاكم والنيابات أو تعيين القضاة يجعل
السلطة التنفيذية تتدخل في السلطة القضائية ويجعلها مهيمنة على السلطة القضائية
وهذا الأمر يهدر مبدأ الفصل بين السلطات، في حين كان يذهب
فريق ثان إلى ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة بسلطاتها
الثلاث ولذلك فان قيامه بإصدار القرارات المتعلقة بالسلطة القضائية هو عبارة عن
إعلان أو إشهار أو كشف لارادة السلطة القضائية التي طلبت منه إصدار تلك القرارات لإصباغ الصفة الرسمية
عليها باعتباره رئيساً للدولة وليس رئيساً للسلطة التنفيذية التي يرائسها رئيس الوزراء أو رئيس الحكومة، وقد اشار الحكم
محل تعليقنا إلى هذه المسألة حسبما تقدم بيانه.
الوجه الثاني: الاختصاص
المكاني للنيابات والمحاكم الجزائية المتخصصة:
كان جانباً من الطعن بعدم دستورية القرار الجمهوري بإنشاء النيابات
والمحاكم المتخصصة قد اتجه إلى ان إنشاء هذه النيابات الجزائية المتخصصة يهدر
الاختصاص المكاني المحدد في قانون الإجراءات وهو مكان إقامة المتهم أو مكان القبض
عليه أو مكان وقوع الجريمة لان النطاق المكاني للمحاكم والنيابات الجزائية
المتخصصة يتسع كثيراً عن النطاق المحدد في قانون الإجراءات حيث قد تتولى النيابة
الجزائية التحقيق والتصرف في جرائم تقع ضمن النطاق المكاني للنيابات الأخرى وكذلك
الحال بالنسبة للمحاكم الجزائية،وفي الآونة الأخيرة
تم إنشاء نيابات ومحاكم جزائية في محافظات كثيرة، وتبعاً لذلك فقد
صار نطاق إختصاص النيابات والمحاكم الجزائية اضيق
مما كان عليه حين صدور الحكم محل تعليقنا،والله اعلم.