إنتهاء تخصيص الاموال العامةللمنافع العامة
أ.د/ عبدالمؤمن
شجاع الدين
الأستاذ بكلية
الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
لأسباب ليست محلاً لتعليقنا ينتهي تخصيص الاموال العامة للمنافع العامة التي تم تخصيصها لاجلها مثل إلغاء شارع أو
طريق أو ساحة عامة أو تحول الناس عن الانتفاع بها ،فعندئذ يثور التساؤل عن ملكية
ومصير تلك الآموال بعد انتهاء منفعتها،مثلما حصل بالنسبة للطريق العامة القديمة التي تناولها الحكم محل تعليقنا التي
ترك الناس السير عليها وتحولوا عنها إلى الطريق الجديدة الاسفلتية،والاهم من هذا
وذاك أن هناك تقنين يشرعن الفساد والمفسدين ويبيح الاموال العامة ويظهر ذلك جليا في المادة(119)من القانون المدني التي صرحت بأن الاموال العامة تفقد صفتها
كاموال عامة إذا انتهى تخصيصها للمنفعة العامة حيث تصير بعد ذلك أموال مباحة!!!!!!،هذه
المسألة المهمة والخطيرة تستحق الاشارة اليها في سياق التعليق على الحكم الصادر عن
الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11/4/2017م في الطعن
رقم (58993)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا
الحكم ان مواطناً شرع بالبناء في جزء من الطريق العامة القديمة التي كانت تؤدي إلى مدينة... والتي شقت بدلها طريق اسفلت إلى تلك المدينة،فقام مواطنون أخرون بمنع المعتدي من
البناء،فقام المعتدي بتقديم دعواه أمام المحكمة
الابتدائية مدعياً بان ذلك الجزء من الطريق القديمة ملكاً خاصاً لمورثه حيث تم شق تلك الطريق العامة القديمة في حقل والده وقسمت الطريق الحقل إلى قسمين وانه بعد استعاضة الناس عن الطريق القديمة فقد عاد ذلك الجزء الى ملكيته باعتباره الوارث الشرعي لحقل والده, وقد توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم بعدم ملكية المدعي للأرض
محل النزاع كونها طريق عامة قديمة وانه لا يجوز للمدعي الاستئثار بذلك الجزء منها والاختصاص به، لان الاستعاضة عنها بطريق أخرى لا يخرجها من المنفعة العامة حتى لو قلت
منفعتها وانحصرت في بعض المواطنين الذين تقع مصالحهم في
جوانب الطريق القديمة، وقد أيدت الشعبة الاستئنافية الحكم الابتدائي ثم أقرت الدائرة المدنية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم الدائرة
المدنية (اما من حيث الموضوع فمن خلال رجوع الدائرة إلى أوراق القضية فقد تبين ان
ما نعى به الطاعن لا يتفق مع أي سبب من أسباب الطعن المنصوص عليها في المادة (292)
مرافعات،فالطعن عبارة عن وقائع موضوعية ناقشها الحكم المطعون فيه كما ناقش اسباب
الحكم الابتدائي، فكان قضاء الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم
الابتدائي صائباً وفي محله، وحيث لم يوجد في الطعن بالنقض ما يؤثر في صحة وسلامة
ما قضى به الحكم المطعون فيه فقد تعين رفض الطعن) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم
حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: ماهية الأموال العامة المخصصة للمنافع العامة:
هي الأراضي والعقارات والمنقولات التي خصصتها الدولة كي ينتفع بها المواطنين عامة في الاغراض المختلفة كالطرقات والشوارع والمستشفيات والمدارس ووسائل النقل...الخ، وقد لا تكون الدولة
هي التي خصصت تلك الأموال للمنافع العامة، لان هناك اموال كثيرة مخصصة للمنفعة العامة بحسب طبيعتها كالمراعي والمحاطب والطرقات والساحات والسوائل....الخ حيث ينتفع بها المواطنون من تلقاء انفسهم بحسب طبيعة تلك الأموال من غير أن
تقوم الدولة بإعداد تلك الاموال أو تهيئتها
لانتفاع المواطنين بها، ويطلق على هذه
الأموال ((الأموال المخصصة للمنفعة العامة بطبيعتها)) (النظرية العامة للملكية
العامة، أ.د.عبدالمؤمن شجاع الدين،صـ86).
الوجه الثاني: فقدان الأموال العامة المخصصة لصفتها بحسب تعبير القانون
المدني :
من المثالب التي اعتورت
القانون المدني نص المادة (119) الذي صرح بأن الأموال العامة تفقد صفتها كأموال عامة وتتحول إلى أموال مباحة!!!!حيث نصت هذه المادة السيئة الصيت على ان (تفقد الأموال العامة صفتها بإنتهاء
تخصيصها للمنفعة العامة بالفعل او بمقتضى قانون أو قرار لمصلحة عامة او بإنتهاء الغرض الذي خصصت من اجله من المنافع العامة) ومعنى فقدان الأموال العامة
لصفتها يعني انها لم تعد اموالاً عامة يحميها القانون المالي وقانون تحصيل الأموال
العامة وغيرها كما يعني ذلك ايضا خروج تلك الاموال من دائرة الملكية
العامة حيث تصير أموال مباحة أو اموال لا مالك لها يباح للأشخاص تملكها والاستئثار بها، ولاشك أن هذا مظهر من مظاهر الفساد القانوني في اليمن، وعلى كل حال فلن نخرج عن نطاق تعليقنا فنقول: ان الطرقات والشوارع
والساحات وغيرها من الأموال التي تخصصها الدولة لانتفاع المواطنين بها او تلك التي
هي بطبيعتها مخصصة للمنفعة العامة تفقد صفتها كأموال عامة وتخرج من نطاق الملكية
العامة إلى الأموال المباحة عندما ينتهي الغرض من تخصيصها ومن ذلك ترك الناس للطريق العامة القديمة ومرورهم بطريق
أخرى...الخ بحسب ماورد في المادة 119مدني، ولذلك فقد لاحظنا ان القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد كانت
بشأن طريق عامة قديمة مهجورة تطلع إلى
البناء فيها احد الاشخاص بسبب انتهاء صفتها وانها صارت مباحة لا مالك لها بعد
فقدانها لصفتها ومنفعتها،ولذلك فهذه المادة
الخبيثة قد اباحت الاموال العامة مخالفة بذلك للدستور الذي صرح بأن المحافظة على
الملكية العامة مسئولية المجتمع باسره.
الوجه الثالث: موقف قانون اراضي وعقارات الدولة من فقدان اراضي الدولة
لصفتها ومنفعتها:
لاحظنا في الوجه الثاني الموقف الفاسد المفسد للقانون المدني اليمني في
هذه المسألة وتشجيعه للفساد والمفسدين والمتهبشين واصحاب نظرية (ما اعجبك شله) ولذلك فقد كان موقف قانون اراضي وعقارات الدولة أكثر
وعياً ومسئولية من القانون المدني حيث صرح قانون اراضي الدولة ان كل الأراضي
والعقارات التي لا مالك لها او لاوارث لها تكون من الاملاك العامة ،وبهذا المفهوم فان انتهاء منفعة الأموال
العامة وصيرورتها اموال لا مالك لها يجعلها تعود إلى حظيرة اموال الدولة التي تكون
مالكاً للاموال التي لا مالك لها أو لاوارث لها،حيث نصت المادة (6) من قانون أراضي الدولة على ان (تعد من اراضي وعقارات
الدولة الخاضعة لأحكام هذا القانون ما يلي:-ح- الاراضي والعقارات التي لا يعرف
مالكها او لاوارث لها طبقاً لقواعد وأحكام هذا القانون).
الوجه الرابع: توصية بوجوب تعديل المادة (119) مدني:
أوضحنا عوار تلك المادة في الوجه الثاني ثم عرضنا في الوجه الثالث موقف قانون أراضي وعقارات الدولة الذي استدرك جناية نص القانون المدني بالنسبة لأراضي وعقارات الدولة عن طريق تصريح قانون الاراضي بان الأموال التي لا مالك لها تكون ملكاً للدولة، إلا أن الأموال المنقولة ستكون فريسة للفاسدين الطامعين المتطلعين للإستيلاء على الأموال لا سيما ان مرتبة القانون المدني في التدرج التشريعي أعلى مرتبة من القوانين العادية، لان القانون المدني قانون أساسي ينظم الحقوق الاساسية ومنها حق الملكية فيكون اعلى من القوانين العادية، ولذلك فان من الواجب الديني والاخلاقي والوطني والدستوري تعديل المادة الملعونة (119) مدني، والله اعلم.