نقل الصيدلية او فتحها من غير ترخيص

 

نقل الصيدلية او فتحها من غير ترخيص

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء 

من المقولات الشائعة ان الدواء خدمة وليس سلعة ؛ ومن هذا المنطلق فان دول العالم كافة تتدخل بقوة في تنظيم تجارة وتداول الادوية وتنظيم الصيدليات وشروطها وتحديد مواقعها وشروط العاملين فيها ؛ لان تجارة الادوية متعلقة بحياة او موت الناس, فتجارة الادوية ليست كغيرها من انواع التجارة, ونحن نعتز ونفخر بيمننا الحبيب لكن الحق يقال ان فتح الصيدليات ونقلها غير منضبط الى درجة ان الناس قد نسوا او تناسوا ان القانون يقرر ان فتح صيدلية او نقلها من غير ترخيص مخالفة يعاقب عليها القانون, ولذلك لا بد من التذكير بالقانون وموقفه من هذه المسالة ؛ كما انه من الواجب بيان الاغراض والمقاصد من اشتراط الترخيص لفتح الصيدلية او نقلها , ومن هذا المنطلق وعلى هذا الاساس اخترنا التعليق على الحكم الصادر من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 6/2/2011م في الطعن الجزائي رقم (40129) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان نيابة المخالفات اتهمت احد الصيادلة بصفته  صاحب منشأة صيدلانية خاصة (صيدلية) قام بنقل مكان المنشأة (الصيدلية) من الموقع المرخص له بمزاولة النشاط فيه الى مكان  اخر مجاور لمقر صيدليته السابق قبل حصوله  حيث قام بنقل الصيدلية قبل حصوله على تصريح بذلك من مكتب الصحة المختص الامر المعاقب عليه وفقا للمواد (15و33و34) من القانون رقم (60) لسنة 1999م بشأن المنشأت الطبية والصحية الخاصة وطلبت النيابة من المحكمة معاقبة الصيدلاني بالعقوبات المقررة وسحب ترخيص تشغيل المنشأة, وقد حكمت المحكمة الابتدائية بإدانة المتهم الصيدلي بالتهمة المنسوبة اليه ومعاقبته بتغريمه مبلغ اربعين الف ريال ينفذ منها نصف المبلغ عشرون الف ريال تورد للخزينة العامة وسحب ترخيص تشغيل صيدلية المتهم المخالفة عقوبة اصلية للمخالفة مع تقرير اغلاق الصيدلية المخالفة عقوبة تكميلية لعقوبة سحب الترخيص ويستمر الاغلاق حتى يتم استخراج الترخيص بتشغيلها طبقا للقانون, وعدم قبول تظلم اصحاب الصيدليات المجاورة للصيدلية التي نقلها المتهم الى جوارهم بدون ترخيص) الا ان المتهم لم يقبل بالحكم الابتدائي حيث قام باستئناف الحكم فقبلت محكمة الاستئناف عريضة الاستئناف وقضت بالغاء الحكم الابتدائي والزام المتهم بتسليم غرامة للدولة قدرها عشرون الف ريال لقيامه بنقل الصيدلية قبل حصوله على الموافقة ولا يؤثر ذلك في سلامة وصحة الموافقة على النقل التي استخرجها المتهم المذكور  من الجهة المختصة في تاريخ لاحق للنقل اما فيما يتعلق بالتظلم المقدم من اصحاب  الصيدليات المجاورة للصيدلية التي نقلها المتهم والذين قدموها امام المحكمة الابتدائية فتقرر الشعبة الاستئنافية رفض ذلك التظلم لعدم ارتباطه بالدعوى الجزائية واذا رغب المتظلمون في تقديم دعوى ضد المتهم فلهم تقديمها امام المحكمة المختصة طبقا للقانون) فقام المتظلمون اصحاب الصيدليات المجاورة بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي امام المحكمة العليا وكذا قام مكتب الصحة بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي الا ان المحكمة العليا رفضت الطعنين واقرت الحكم الاستئنافي؛ وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (اما بالنسبة للطعن المرفوع من اصحاب الصيدليات المجاورة فقد تبين للدائرة ان الطاعنين المذكورين لا يتمتعون بأية صفة قانونية تخولهما حق الطعن حيث انهم مجرد متظلمين كما اطلقوا على انفسهم ومن ثم فان شرط توفر الصفة لرفع الطعن منعدم بالنسبة لهم  مما يجعل طعنهما مرفوضا, اما بالنسبة للطعن المقدم من مكتب الصحة فان المصلحة والصفة متوفرة في هذا الطعن كما ان هذا الطعن قد تم تقديمه في الميعاد القانوني غير انه لم يتوفر في الطعن شرط من الشروط القانونية الواجب توفرها وهو التوقيع على عريضة اسباب الطعن من قبل محام معتمد لدى المحكمة العليا مما يجعل هذا الطعن غير مقبول) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الاوجه الاتية :

الوجه الأول : ماهية الترخيص بفتح صيدلية او نقلها :

الترخيص هو الوثيقة الصادرة من مدير عام مكتب الصحة المختص التي تتضمن الشهادة  بان الشروط والاجراءات القانونية لفتح الصيدلية قد توفرت غي طالب الترخيص  وان الصيدلية مؤهلة لأداء الخدمة الصيدلانية وفقا للأسس والاجراءات المحددة في القوانين واللوائح والنظم واصول وقواعد المهنة الصيدلانية, ويصدر هذا الترخيص من مكتب الصحة والسكان بتوقيع مدير عام الصحة والسكان بعد قيام لجنة المنشآت الطبية بدراسة الطلب المقدم من طالب الترخيص واستيفاء الشروط والاجراءات القانونية, ولهذه الغاية يجب ان يرفق طالب الترخيص بطلبه اسمه وعقد ايجار مقر الصيدلية او وثيقة ملكيته للمقر والترخيص المهني للصيدلي بالعمل والشهادة التي تثبت دراسة الطالب للعلوم الصيدلانية وغير ذلك, حسبما ورد في المادتين (4و5) من قانون المنشآت الطبية والصحية الخاصة. ولا يتم منح هذا الترخيص الا بعد معاينة لجنة فنية مختصة لموقع الصيدلية, وبحسب المادة (33) من اللائحة التنفيذية لقانون المنشآت الطبية يشترط لفتح الصيدلية ان يكون مالكها والعامل فيها صيدلي حاصل على ترخيص مزاولة المهنة وان لا تقل مساحة الصيدلية عن 24 متر مربع وان يكون لها باب مستقل وان تحتفظ بسجلات الادوية ....الخ, وتكون مدة الترخيص سنتين قابلة للتجديد وفقا للمادة (17) من قانون المنشآت الطبية, ومن خلال مطالعة وقائع الحكم محل تعليقنا نجد ان المتهم قد قام بنقل صيدليته المرخص لها في موقعها الى مكان اخر غير مرخص لها بفتحها في ذلك المكان وهذا التصرف يكون بمثابة فتح صيدلية جديدة ينبغي له الحصول على ترخيص بنقلها الى الموقع الجديد ولذلك فقد كان هذا الاجراء مخالفة ارتكبها المتهم وتم تقديمه للمحاكمة بسببها.

الوجه الثاني : الغرض من الترخيص بفتح الصيدلية او نقلها :

سبق القول بان الدواء خدمة لا سلعة, وان طبيعة تجارة وتسويق وبيع الادوية تحتاج الى ضوابط واجراءات ورقابة وتفتيش فلا تستطيع الجهة المعنية وهي وزارة الصحة القيام بذلك الا اذا كان فتح الصيدلية او نقلها الى مكان اخر يتم بموجب ترخيص لا تمنحه الا بعد ان تتأكد من توفر الشروط والضوابط والاجراءات القانونية وان يكون هذا الترخيص مؤقتا بمدة معينة وهي سنتان حتى تتأكد وزارة الصحة من استمرار التزام الصيدلية بالشروط والضوابط والاجراءات لان ذلك لا يعد سببا موجبا لمنح الترخيص فقط انه يجب ان تستمر الصيدلية ملتزمة بتلك الشروط والضوابط طوال فترة عملها ويجوز لوزارة الصحة سحب الترخيص  اذا تخلفت تلك الشروط بعد فتح الصيدلية, ولذلك فان الترخيص بفتح الصيدلية او نقلها متعلق بوظيفة وزارة الصحة بتحقيق الصحة العامة للمجتمع فليس فتح الصيدلية او نقلها نشاط تجاري حر من اية قيود او ضوابط ولذلك ورد في المادة (2) من قانون المنشآت الطبية ان هدف القانون تنظيم الخدمات الصيدلانية والرقابة والتفتيش عليها للتأكد من استمرار التزامها بالضوابط والشروط القانونية, ولهذه الغاية نصت المادة (31) من قانون المنشآت الطبية على تشكيل لجان رقابة وتفتيش في كل محافظة للتأكد من سلامة تطبيق والتزام المنشآت الطبية بما فيها الصيدليات بالشروط والضوابط القانونية والمعايير الصيدلانية.

الوجه الثالث : فتح صيدلية او نقلها من مكانها بغير ترخيص يعد مخالفة يعاقب عليها القانون:

هذا التصرف وفقا لقانون المنشآت الطبية يعد مخالفة للقانون الذي اشترط صدور الترخيص اولا قبل فتح الصيدلية او نقلها فقد لاحظنا في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا ان المتهم كان قد شرع في اجراءات الحصول على الموافقة من مكتب الصحة الا ان الموافقة لم تكن قد صدرت بالفعل بنقل الصيدلية ومع ذلك فقد تم تقديم الشخص الذي قام بنقل الصيدلية قبل صدور الموافقة للمحاكمة بتهمة نقل صيدلية قبل صدور الموافقة بالفعل, وقد نصت المادة (15) من قانون المنشآت الطبية على انه (لا يجوز تغيير او نقل مكان او نشاط المنشأة   الا بموافقة كتابية من الادارة المختصة) والصيدلية كما سبق ان ذكرنا تندرج ضمن المنشآت الطبية, ولان فتح الصيدلية او نقلها بغير ترخيص اجراء مخالف للقانون فان القانون ذاته قد قرر عقوبات على هذا الاجراء وهي عقوبة الحبس والغرامة وسحب الترخيص حسبما ورد في المواد (32و33و34) من قانون المنشآت الطبية ولذلك فقد وجدنا ان الحكم الابتدائي قد قضى بثلاث عقوبات على المتهم الناقل للصيدلية من غير موافقة وهي عقوبة الغرامة وعقوبة سحب الترخيص بالإضافة الى عقوبة اغلاق الصيدلية كعقوبة تبعية.

الوجه الرابع : تظلم اصحاب الصيدليات المجاورة  للصيدليةالمنقولة :

من خلال المطالعة لوقائع القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا نجد ان محكمتا الموضوع والمحكمة العليا قد اضربت عن نظر التظلم المرفوع من اصحاب الصيدليات المجاورة للمكان الذي نقلت اليه الصيدلية الجديدة, لان هذا التظلم مقرر في قانون المنشآت الطبية للاشخاص الذين يقرر  مكتب  الصحة رفض طلباتهم بمنحهم الترخيص وليس المتضررين من نقل الصيدلية ؛كما  ان التظلم كما هو معلوم لا يتم رفعه الى المحكمة وانما للجهة التي تمنح الترخيص او توافق على نقل الصيدلية أي مكتب وزارة الصحة   فالقرار الايجابي او السلبي يصدر من مكتب الصحة وليس من المحكمة, ولذلك ارشد الحكم محل تعليقنا ارشد المتظلمين بان يقوموا اذا ارادوا برفع دعاوى تعويض للمطالبة بتعويضهم عن الاضرار التي لحقت بهم او المكاسب التي فاتت عليهم نتيجة نقل المتهم لصيدليته الى جوار صيدلياتهم.

الوجه الخامس : عدم التوقيع على الطعن الجزائي بالنقض من قبل محام مقبول امام المحكمة العليا يجعل الطعن غير مقبول شكلا :

من خلال مطالعة حكم المحكمة العليا نجد انه قد قضى بعدم قبول الطعن بالنقض المرفوع من مكتب وزارة الصحة من الناحية الشكلية لأنه لم يقم بالتوقيع عليه محام مقبول او معتمد امام المحكمة العليا مع ان شرط الصفة والمصلحة قد تحقق في الطعن المرفوع من مكتب الصحة, ولا تثريب على حكم المحكمة العليا فيما قضىت  به, لان قانون الاجراءات الجزائية قد اوجب بنص آمر ان يتم التوقيع على عريضة الطعن بالنقض من قبل محام مجاز امام المحكمة العليا, لان المحكمة العليا محكمة قانون وظيفتها وغايتها السهر على سلامة وصحة تطبيق احكام القضاء للقانون, والمحامون المجازون للترافع امام المحكمة العليا هم اصحاب الاختصاص في مخاطبة المحكمة العليا علاوة على انهم اصحاب الكفاءة والخبرة في بيان الاخطاء والمخالفات التي قد تشوب احكام محاكم الموضوع واعانة المحكمة العليا في هذا الجانب، والله اعلم.



تعليقات