مدى الحق في البسطة على رصيف الشارع
أ.د عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة
صنعاء
البيع والشراء على أرصفة الشوارع العامة من
المظاهر المألوفة في اليمن ، ولسنا بصدد دراسة هذه الظاهرة من حيث أسبابها واثارها
وإنما بصدد الإشارة إلى الجوانب الشرعية والقانونية لاستعمال رصيف الشارع العام في
البيع والشراء للسلع والخدمات وقيام بعض
الأشخاص بالتصرف بيعاً وشراء وتاجيرا للبسطة برصيف الشارع حيث يقوم الأشخاص ببيع أماكن البسطات للغير
بالملايين كما يقومون بتأجير هذه الأماكن للغير؛ فالبيع والشراء لا ينصرف إلى
السلع والخدمات الموجودة في البسطة وإنما ينصرف على المكان الذي تقام عليه البسطة
، فالبيع والشراء والتنازل والتأجير للأرصفة والساحات والشوارع العامة يثير
إشكاليات قانونية عملية كثيرة تحتاج إلى تسليط الضوء عليها ولفت الأنظار إليها في
سياق التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة
المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24/1/2011م في الطعن المدني
رقم (141997)
لسنة 1431هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان صاحب بقالة قام بتشغيل
احد العمال في بقالته لمدة أسبوع ومقابل ذلك قام بتأجيره الرصيف الملاصق للبقالة
جوار باب البقالة وذلك لمدة شهر وعشرة أيام وعند انتهاء مدة الإيجار طلب صاحب
البقالة من المستأجر للرصيف إخلاء الرصيف وازالة البسطة فرفض المستاجر الإخلاء فحدث الخلاف بين الطرفين
فقام صاحب البقالة بقذف بضاعة المستأجر من البسطة إلى وسط الشارع فقام صاحب البسطة
بتقديم دعوى ضد صاحب البقالة بأنه قام بالاعتداء على البسطة وهي موجودة في مكان
عام ليس مملوكاً للمدعى عليه وذكر المدعي
انه باسط على تلك البسطة منذ أكثر من سنة مع جملة البساطين في رصيف الشارع العام
جوار بقالة المدعي فرد المدعى عليه بان
البسطة تابعة له وقد اختلف بشأنها مع احد الأشخاص حتى وصل الأمر إلى قسم الشرطة
والمباحث الذين قرروا أحقية صاحب البقالة في البسطة وانه أي صاحب البقالة قد قام
بتأجير تلك البسطة للمدعي لمدة محددة وهي شهر وعشرة أيام فقط مقابل أجرة المدعي
الذي عمل في بقالته لمدة أسبوع وقد خلصت المحكمة الابتدائية إلى الحكم ( بعدم سماع
الدعوى ويتحمل كل طرف مصاريفه ) وقد ورد في أسباب الحكم الابتدائي ( انه قد تبين
أن مكان البسطة المدعى بها هي في رصيف الشارع العام المملوك للدولة وليس لأحد من
الطرفين أي ملكية خاصة فيه وبالاستناد إلى إقرار صاحب البقالة بان صاحب البسطة
ثابت على البسطة مدة تسعة أشهر ولم يقدم صاحب البقاله بينة على انه كان حائزاً
للبسطة قبل ذلك وانه أقام بتاجيرها للحائز لها مقابل عمله في البقالة مدة أسبوع ،
وعلى كل حال فان مثل هذه الدعوى لا تسمع لأنها لم تكن على ملك المدعي أو مورثه
استناداً إلى المادة (14) إثبات ولان الدعوى ليس فيها مصلحة قائمة للمدعي يعتبرها
القانون حسبما ورد في المادة (75) مرافعات لان المدعى فيه رصيفً مملوك ملكية عامة
ومعرضاً لإزالة أية بسطة عليه من قبل الدولة ) فلم يقبل صاحب البقالة بالحكم
الابتدائي حيث قام باستئناف الحكم ألاستئنافي الا ان محكمة الاستئناف رفضت
الاستئناف وقضت بتأييد الحكم الابتدائي ، وقد جاء في أسباب الحكم ألاستئنافي ؛(
ولأن المستأنف ضده قد حاز لنفسه مكان البسطة محل الدعوى خلال الفترة المشار إليها
وهي العشرة الأشهر السابقة على رفع الدعوى وسواء قلت او كثرت فان حيازة الانتفاع
قائمة ولا مبرر للمستأنف لمنازعته لأنه لم يثبت انه أجره المنفعة وليس في المكان
ما يقتضي الملك ليكون محلاً للإيجار من بسطة ونحوها أما الاستحواذ للرصيف في شارع
وهو حق عام اذا كان محلاً للانتفاع ولا يصير عائقاً للغير فمن ثبت له حق الانتفاع
فهو أولى به وسبق الانتفاع بالمكان من قبل المستأنف بالبسطة لا يثبت له حق التملك
فتركه لمحل البسطة بناءً على ما أورده بان ذلك المكان كان تحت يده سابقاً فذلك لا
يبرر له منع الغير من الانتفاع ، ولذلك فان من صحت الحيازة له لمجرد الانتفاع هو اولى
ببقاء الحيازة له إلى ان يرتفع او ترفعه الدولة لأي اعتبار يتعلق بالمصلحة العامة
لانه لا يثبت لأحد حق التملك في الأرصفة العامة والطرقات والأماكن العامة بأي وجه
من الوجوه) فلم يقتنع صاحب البقالة بالحكم ألاستئنافي فقام بالطعن فيه بالنقض الا ان المحكمة العليا رفضت الطعن وأقرت
الحكم ألاستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا ( فان ما نعاه الطاعن لا
محل له فالثابت من الحكم المطعون فيه انه قد ناقش ادعاء الطاعن بأنه الأسبق
بالانتفاع بمكان البسطة قبل المطعون ضده حيث ورد في الحكم ان الطاعن لم يقم باثبات انه قد قام بتاجير منفعة
البسطة للمطعون ضده مع انه ليس في الرصيف
ما يقتضي الملك ليكون محلاً للإيجار من بسطة ونحوها ، فسبق الانتفاع
بالرصيف من قبل الطاعن بالبسطة لا يثبت له
حق التملك ، فتركه لمحل البسطة بناءً على ما أورده بانه كان تحت يده سابقاً لا
يبرر له منع الغير من الانتفاع ولذلك فان من أصبحت الحيازة له لمجرد الانتفاع هو
أولى ببقاء الحيازة إلى ان يرتفع او ترفعه الدولة ، وبالتالي تجد الدائرة
أن ما ورد في الحكم ألاستئنافي المطعون فيه
يوافق الشرع والقانون ) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الأوجه
الآتية :
الوجه الأول : الملكية العامة لأرصفة الشوارع :
أشار الحكم محل تعليقنا ان أرصفة الشوارع من
أملاك الدولة او الملكية العامة حيث نصت المادة (5) من قانون أراضي وعقارات الدولة
على انه ( يعتبر من الأملاك العامة كل ما هو مخصص بطبيعته أو تم تخصيصه للمنفعة
العامة ) والرصيف مخصص للمنفعة العامة وهي مرور وسير المشاة فيه بعيداً عن طريق
السيارات الملاصقة للرصيف حسبما ورد في المادة (89) من لائحة قانون المرور التي
نصت على انه ( على المشاة السير في الأرصفة عند وجودها ويحظر عليهم السير في نهر الطريق ) ومن خلال دراسة النصين السابقين نجد
ان رصيف الشارع من الأملاك العامة وانه مخصص أصلا لسير المشاة عليه وليس للبيع
والشراء.
الوجه الثاني : الأصل عدم أشغال الرصيف وتعطيل منفعته التي تم تخصيصه لأجلها :
سبق القول إلى ان الرصيف مخصص أصلاً لسير
المشاة عليه ، ولذلك فالاصل انه لا يجوز
استغلال الرصيف في البسطات او غيرها او تأجير البسطات او التنازل عنها الا اذا كان
ذلك بموجب ترخيص من مكتب الطرق والأشغال العامة حيث نصت المادة (52) من قانون
البناء على انه ( لا يجوز بغير ترخيص من المكتب المختص إشغال الطرق العامة
بالإعمال الآتية : 2- وضع طاولات او تخصيص أماكن في الشوارع لتسويق او تخزين
البضائع أو عمل مظلات بقصد استغلال الشارع أو جزء منه في أي عمل -3- ترك منقولات
خارج المحلات العامة او الخاصة او المصانع والورش والمخازن والمنازل الا للمدة
اللازمة للشحن او التفريغ ويشترط عدم
تعطيل المرور او حركة السير في الشوارع -4- وضع بضائع أو مهمات أو فترينات أو
مقاعد ثابتة أو صناديق أو أكشاك أو معدات أو ألآت -5- وضع المعدات اللازمة لإقامة
الحفلات والزينات والأفراح وغيرها ) وبناءً على هذا فلا يجوز نصب البسطات في
الشوارع الا بموجب ترخيص من الجهة المختصة المشار إليها فان لم يتم ذلك الترخيص فإنها تكون مخالفات يجب
إزالتها بموجب القانون.
الوجه الثالث : متى تكسب البسطة صاحبها الحق ونوعه؟:
سبق القول بان القانون أجاز وضع البسطات في
الارصفة شريطة أن يكون ذلك بموجب ترخيص من الجهة المختصة وهي مكتب الأشغال والطرق
فإذا حصل صاحب البسطة على الترخيص المشار إليه فقد صارت بسطته قانونية في حدود
الترخيص الصادر له وبحسب الشروط والمدة المحددة بالترخيص ، وعند النظر في أحكام
ذلك الترخيص المذكورة في قانون البناء ولائحته التنفيذية نجد ان هذا الترخيص يكون
لمدة محددة ويقوم طالب الترخيص غالباً بدفع رسوم عند الحصول عليه لأول مرة ثم يدفع
الرسوم المحددة في كل فترة يقوم فيها بتجديد الترخيص.
فهذا الترخيص يكون بمثابة إذن لصاحب البسطة
وهذا الإذن يكسبه حقاً في الانتفاع بالرصيف على النحو المحدد في حدود الترخيص فلا
يحق لأي شخص او جهة ان تمنعه من استعمال حقه وبموجب ذلك يحق لصاحب البسطة تأجيرها
أو التنازل عنها للغير حيث المستأجر أو المتنازل له محل صاحب البسطة في كل الحقوق
والواجبات المترتبة على هذا الحق.
الوجه الرابع : تصرف صاحب البسطة بمستلزمات البسطة وبضاعتها :
من المقرر شرعاً وقانوناً انه يحق لصاحب
البسطة ان يتصرف في مستلزمات البسطة كالطاولات والأخشاب بأي نوع من التصرفات
كالبيع او التأجير او الهبة وكذا يحق له
التصرف في البضاعة الموضوعة في البسطة فهذه التصرفات جائزة لان تلك الأشياء ملك
لصاحب البسطة وللمالك ان يتصرف في أملاكه.
الوجه الخامس : تصرف صاحب البسطة بمكان البسطة غير المرخص بها :
في حالات كثيرة يقوم أصحاب البسطات بوضع
بسطاتهم في الأرصفة والشوارع من غير إذن او ترخيص ويباشرون أعمال البيع والشراء
وتقديم الخدمات للمشاة من على هذه البسطات وتشتهر هذه البسطات ويصير لها زبائن
وعملاء يقصدونها من شتى الأماكن مثل بسطات الزمر وباب اليمن وباب السباح وشارع
هائل وسعوان وغيرها في مدبنة صنعا ، وفي بعض الحالات يقوم أصحاب هذه البسطات بتأجير أماكن البسطات او بيعها ،
والواقع ان البيع او التأجير في هذه الحالة لا يقع على الرصيف او الشارع ذاته
وإنما يقع على شهرة هذا المكان بحيث يكون هذا التصرف مثل بيع المحل التجاري ،
علماً بان البيع والتأجير لاماكن البسطات يتم بمبالغ كبيرة وكذلك يكون التأجير
للبسطات لأيام مثلما ورد في وقائع القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا ، والقول
بخلاف ما ذكرناه سوف يترتب إشكاليات عدة ويهدر حقوق ومصالح هذه الفئة المكتسبة وهم
أصحاب البسطات.
الوجه السادس : نطاق حق صاحب البسطة :
أي كان حق صاحب البسطة سواء كان حقه بموجب
الترخيص أو بموجب الشهرة فان هذا الحق ليس مطلقاً حيث ترد عليه قيود عامة وخاصة ، فمن أهم القيود العامة هي أن
لا يترتب على البسطة منع المشاة من المرور أو تعويق حركتهم لان الغرض الأصلي من
إنشاء الرصيف او الشارع هو السير فيه وليس للبيع لان فكرة جواز وضع البسطات في
الأرصفة هي تقديم السلع والخدمات للمشاة بأسعار معقولة وبطريقة أسهل مما
تقدمه محلات السلع والخدمات فإذا ترتب على وضع البسطات تعطيل الحق الأصلي وهو السير فلا
حاجة لتقديم السلع والخدمات ، كما ان حق صاحب البسطة مقيد ايضا بقيود خاصة لحساب
الملاك المجاورين للرصيف فلا يجوز لصاحب البسطة ان يضعها أمام باب المنزل او المحل
او تحت نافذة المنزل لان حق الدخول والخروج والإضاءة والتهوية حقوق أصلية متفرعة من الملكية وحق البسطة أدنى في مرتبته من
تلك الحقوق فحق البسطة مجرد انتفاع كما ورد في الحكم
المشار إليه.
الوجه السابع : مدى جواز تعويض صاحب البسطة :
يستحق صاحب البسطة التعويض في حالتين :
الأولى اذا كانت الجهة المختصة قد منحته الترخيص او الإذن لإقامة البسطة وكان
ملتزماً بشروط وحدود الترخيص ومازالت مدة الترخيص سارية فعندئذ يستحق التعويض عما
لحقه من ضرر أو فاته من كسب ، والحالة الثانية ان لا يكون مرخصاً له ولا يترتب على
بسطته تعويق سير المشاة فاذا قامت اية جهة
بإزالة البسطة واستبداله بغيره فعندئذ يحق له المطالبة بتعويضه، والله اعلم.
