مدى وجوب إدخال ممثل الأوقاف في منازعات الوقف


مدى وجوب إدخال ممثل الأوقاف في منازعات الوقف

أ.د.عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء

من المخاطر المحدقة بأموال الوقف أن يفتعل المحتالون على أموال الوقف النزاعات فيما بينهم ويرفعوا الدعاوى والردود أمام المحاكم التي لا تعرف المقاصد الخفية لهؤلاء المحتالين حيث قد تصدر المحاكم احكاماً تقرر احقية هذا الطرف أو ذاك في مال الوقف، حيث يفتعل هؤلاء النزاعات أمام المحاكم للحصول على أحكام أو مصوغات او مستندات لتبريراستيلائهم على أموال الوقف، ولذلك فالواجب الشرعي والقانوني يحتم على القاضي أن يقوم بإدخال وزارة الأوقاف أو من يمثلها باعتبارها صاحبة الولاية والاختصاص والصفة على أموال الوقف حتى تتمكن الوزارة من الدفاع عن حقوق ومصالح الوقف في مواجهة من يحاول التوسل بأحكام القضاء للاستيلاء على أموال الوقف وحتى يتمكن القاضي نفسه من معرفة حقيقة النزاع كي  يكون حكم القاضي عنوان الحقيقة، وهذا الموضوع يتكرر وقوعه في الواقع العملي وتكثر الحاجة إليه، لذلك من المهم تسليط الضوء على هذا الموضوع ولفت الأنظار إليه، من خلال التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/12/2010م في الطعن المدني رقم (39224) لسنة 1431ه وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم  أنه كانت هناك أرض صالبةمشهورة ومعروفة بان من اموال الوقف وكان المزارع المجاور يتطلع للاستيلاء عليهاحيث وضع يده عليها بالفعل وليس لديه اية مستندات تثبت ملكيته لتلك الارض الصالبة فقام شخص اخر بالذهاب الى مكتب الاوقاف بالمديرية حيث اقنع المختصين بان يقوم المكتب بتاجيرة تلك الارض الصالبة وان تاذن له بمنازعة الباسط على تلك الارض الصالبة فوافق مكتب الاوقاف على ذلك شريطة ان لاتتحمل وزارة الاوقاف اية مصاريف او مخاسير حيث يتحملها هذا الذي سوف يستاجر تلك الارض وبعد ذلك قام هذا الشخص بمحاولة احياء الارض فقام الشخصالباسط على الارض من قبل قام برفع دعوى امام المحكمة الابتدائية المختصة مدعيأ أن تلك الأرض ملك له وانه ثابت عليها وان مورثه كان ثابت عليها وقد رد عليه  المستأجر من الأوقاف بأن الأرض من أموال الوقف وهي مشهورة ومعروفة لدى الكافة بانها وقف ولم ينازع أحد في ذلك لا من قبل  ولا من بعد حسبما ورد في إجابة المستأجر  من الأوقاف أمام المحكمة الابتدائية المختصة، وقد خلصت المحكمة الابتدائية إلى الحكم (بعدم ثبوت ملكية المدعى للأرض المدعى فيها وعدم ثبوت أن الأرض وقف سواء وقف عام أو خاص) وقد ورد في أسباب الحكم الابتدائي (لدى التأمل والاطلاع على ما ورد في ملف القضية وعلى الدعوى والإجابة وحيث أن المدعى عليه كان يعلم بفقدان مستندات المدعي فقد قام بالاعتداء على الأرض مدعياً بأنها ملك الوقف كما أن المدعى عليه أنكر الملك للمدعي في ذلك الموضع وذكر أنه وقف مشهور من سنين عدة وتبين أن المدعي يحتج بالورقة المؤرخة سنة 1421ه التي ذكر كاتبها أنه حصر  تركة مورث المدعي ومن جملة ما حصر الأرض المتنازع عليها وقد ذكر كاتب الورقة أن مستندات ملكية الأرض المتنازع عليها  قد سرقت على مورث  المدعي كما استدل المدعي بالحكم الصادر عام 1421ه الذي تضمن أنه: ثبت لدى المحكمة بالشهادة المزكاة أن بعض أوراق مورث المدعى قد سرقت منذ سنين عدة وحيث لا يوجد  لهم أي معارض لما هم ثابتون عليه وحيث يطلب بعض الورثة القسمة وهو طلب شرعي وعليه فلا مانع من قسمة الأموال الثابتين عليها بحسب الفرائض الشرعية بين الورثة فإذا ظهر لأحد برهان شرعي في ملكية تلك الارض  فله حكمه، كما استدل المدعي بما تحكيه البصيرة المؤرخة 1124ه التي حددت موضع مجاور للأرض محل النزاع ولم تذكر أن الأرض محل النزاع وقف كما استدل المدعى بحكم التحكيم فيما بين عامل الوقف في المديرية السابق الذي قضى بقنوع المدعى عن المطالبة بموضع أخر غير الموضع المتنازل عليه ومع الموضع محل النزاع ليس من بين تلك  المواضع الواردة في الحكم على انها من الوقف الا ان ذلك الحكم يدل  على أن المدعى عليه كان يشاغل المدعي باسم الوقف، أما المدعى عليه فقد استدل على صفته في المنازعة باسم الوقف بالمذكرة الصادرة من مدير أوقاف المديرية المتضمنة تعيينه وكيلاً لأوقاف مسجد كذا  كما تستدل و بالمذكرة الصادرة عن مدير أوقاف المديرية المتضمنة تكليف  المذكور بمتابعة جربة الوقف وهي الارض محل النزاع، وقد تبين للمحكمة الاضطراب في دعوى وأدلة المدعي وكذا المدعى عليه، وقد سبق للمحكمة إلزام الطرفين بتقديم أدلتهم كل فيما يدعيه، وحيث أنه لايد لأي منهما على الأرض ؛ كما أن المادة (87) من قانون الوقف تقرر بأنه يثبت الوقف بالشهرة المستفيضة والذيوع في المحلة ولا يكتفي الحاكم بشهادة شاهدين حتى يبعث من يثق به إلى المحلة  فإذا كان أهلها كلهم أو أغلبهم مجمعون عليها عمل بها، وهو ما لم يكن كما هو ظاهر) فلم يقبل المدعي بالحكم الابتدائي فقام باستئناف الحكم أمام محكمة الاستئناف اما الشخص المستاجر حديثا لتلك الارض فلم يقم بالطعن في الحكم الابتدائي؛ كما تقدم مكتب الأوقاف بالمحافظة بتدخل انضمامي إلى المستأنف ضده أكد فيه ان المستأنف ضده مستأجر من الأوقاف للموضع محل النزاع وهو من أموال الوقف وأنكر مكتب الأوقاف على المحكمة الابتدائية أنها لم تقم بإدخال مكتب الأوقاف في حين أنه كان من الواجب عليها أن تقوم بذلك، وقد توصلت محكمة الاستئناف إلى الحكم (بقبول الاستئناف وثبوت حيازة المستأنف للأرض محل النزاع) وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي (وحيث ظهر من خلال ما تم إبرازه أن المستأنف ضده لم يورد ما يثبت ادعاءه باسم الوقف فكإن ما ذكره عبارة عن أقاويل وشهادات لا تفيد بشيء ولا تقوى لمعارضة ما تم إبرازه من قبل المستأنف) فلم يقبل المستأنف ضده بالحكم الاستئنافي حيث قام بالطعن فيه بالنقض أمام المحكمة العليا التي رفضت الطعن وأيدت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (فقد نعى الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه  اخطأ في تطبيق القانون وخالف أحكام الشرع والقانون عندما لم يحكم بأن الأرض المتنازع وقف رغم استدلال الطاعن بجميع الأدلة الشرعية والقانونية، وحيث أن ذلك النعي في غير محله نظراً لتفويت الطاعن فرصة استئنافه للحكم الابتدائي ومن ثم فأن مصلحة الطاعن في الطعن قد انتفت وصار الحكم الابتدائي حجة عليه لان ذلك يعني قبوله بحكم محكمةأول درجة لانه لم يقم  باستئناف ذلك الحكم  فذلك يعد قبولاً منه بالنتيجة التي خلص إليها الحكم الابتدائي وبذلك لم يعد له الحق في الطعن بالحكم الاستئنافي كون مصلحته قد انتفت) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: إدخال الأوقاف في المنازعات المتعلقة بالأوقاف بين القانون والواقع:

وزارة الأوقاف ومكاتبها هي صاحبة الولاية العامة على أموال الأوقاف ولذلك فهي صاحبة الصفة والمصلحة في الدفاع عن حقوق ومصالح الوقف وهي وحدها التي تتوفر لديها البيانات والمعلومات والمستندات الخاصة بأموال الوقف، كما أن الحكم القضائي يجب أن يكون عنوان الحقيقة أي يجب أن يكون مطابقاً وموافقاً للحق ولا يكون الحكم كذلك إلا إذا ظهرت للقاضي الحقيقة من كل جوانبها فلا يستطيع القاضي معرفة الحقيقة إلا إذا كانت وزارة الأوقاف ممثلة في قضايا ومنازعات أموال الأوقاف تمثيلاً صحيحاً، إضافة إلى أنه يتعذر على الأوقاف التدخل في منازعات أموال الأوقاف لكثرة أموال الأوقاف وانتشارها في كل قرى اليمن ومناطقها فليس بوسع الوزارة أن تعلم بكل القضايا والمنازعات ذات الصلة بالأوقاف، ومع الاعتبارات السابق ذكرها  إلا أن نظام  الإدخال بصفة عامة المقرر في قانون المرافعات هو  جوازيً وليس وجوبياً حيث حددت المادة (190) مرافعات حالات الإدخال لمصلحة العدالة في خمس حالات، والحالة الخامسة منها هي الأكثر صلة بالمنازعات والقضايا المتصلة بالأوقاف التي يلحق الأوقاف الضرر من قيامها أو يتم التواطؤ على الأوقاف فيها، وبشأن هذه الحالة فقد نصت المادة (190) المشار إليها على أنه (للمحكمة ولو من تلقاء ذاتها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله لمصلحة العدالة أو إظهار حقيقة ومن ذلك -5- من يحتمل أن يلحق به ضرر من قيام الدعوى أو من الحكم فيها إذا ظهرت للمحكمة دلائل جدية على التواطؤ أو الغش أو التقصير من جانب الخصوم) وقد أصدر وزير العدل تعميماً رقم (11) لسنة 1995م تضمن مطالبة المحاكم  بإدخال وزارة الأوقاف في القضايا ذات الصلة بأموال الوقف.

الوجه الثاني: الآثار المترتبة على عدم إدخال الأوقاف في الدعاوى والقضاء ذات الصلة بأموال الوقف:

هناك آثار عدة لذلك  من أهمها صدور أحكام في أموال الوقف في غياب الوزارة صاحبة الولاية والصفة في تمثيل الوقف، وبما أن الوزارة ليست طرفاً في تلك الخصومات والمنازعات فأن تلك الأحكام ليس لها اية حجية في مواجهة وزارة الأوقاف لأنها لم تمثل أمام المحاكم التي أصدرتها، فالأحكام تكون حجيتها قاصرة على الأطراف الممثلة في الخصومة تمثيلا صحيحا عملاً بقاعدة (نسبية حجية الأحكام) أو (الأثر النسبي للأحكام) وعلى هذا الأساس فأن أي حكم يصدر في أية منازعة متعلقة بأموال الوقف في غياب وزارة الاوقاف ليس أية حجية على وزارة الأوقاف وتبعا لذلك فان تلك الاحكام ً لا تمس مال الوقف هذا بالطبع من الناحية القانونية النظرية اما في الواقع العملي فان الغاصبون لاموال الوقف يطمسون هوية وملكية الوقف بتلك الاحكام.

الوجه الثالث: إدخال وتدخل الأوقاف في مرحلة الاستئناف:

وفقاً للمادة (191) مرافعات لا يجوز الإدخال أمام محكمة الاستئناف وتبعاً لذلك لا يجوز إدخال الأوقاف في قضايا الأوقاف المنظورة أمام محاكم الاستئناف طالما وأن الأوقاف لم تمثل تمثيلاً صحيحاً أمام المحكمة الابتدائية، كما أنه من المقرر وفقاً للمادة (201) مرافعات أنه لا يجوز التدخل أمام محكمة الاستئناف إلا لمن يطلب الانضمام إلى أحد الخصوم، فطبقاً لهذا النص لا يجوز للأوقاف التدخل في قضايا الوقف المنظورة أمام محاكم الاستئناف إلا إذا كان  تدخلها انضماميا لأحد أطراف الخصومة كالمستأجر من الأوقاف المقر لها بالملكية.

الوجه الرابع: شبهة التواطؤ على أرض الوقف:

من خلال المطالعة لوقائع القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا نجد أن المدعى هو خصم الوقف وأنه لا توجد لديه أية وثيقة تثبت أن الأرض محل النزاع ملك لمورثه  كما يصرح بأن أوراق ملكيته قد سرقت منه ويقر إيضاً بأنه قد حاول إيجاد بدائل للوثائق التي أدعى أنها سرقت منه ويتضح إيضاً أنه ثابت على أرض الوقف محل النزاع ويظهر إيضاً أن المدعى نفسه هو  الذي تقدم أمام المحكمة مطالباً دفع التعرض له في ثبوته على تلك الارض  ويظهر إيضاً أن المدعى عليه لم مستاجر للارض من قبل حيث ظهر فجاة فالتزم للأوقاف بأنه سوف يترافع نيابة عنها دون أن يحملها أية  تكاليف وبالمقابل لم يقدم المدعى عليه أمام المحكمة الابتدائية الوقفية ولم يطلبها مع أنها موجودة حسب إفادة محامي مكتب الأوقاف بالمحافظة حينما تقدم بطلب التدخل أمام الاستئناف، والأخطر من هذا أن الفضولي الذي قام بتمثيل الأوقاف لم يقم باستئناف الحكم الابتدائي الذي قضى بأن الأرض محل النزاع ليست وقفاً!!! وذلك حتى يتمكن خصم الوقف من حسم القضية أمام محكمة الاستئناف بكل يسر وسهولة وهذا الذي حصل بالفعل، وقد صرح حكم المحكمة العليا بأن الطاعن أي الفضولي قد فرط في حق الوقف حينما لم يقم باستئناف الحكم الابتدائي وبالفعل  حصل غريم الوقف الذي ليس له اية وثائق تثبت ملكيته لتلك الارض على حكم يثبت ملكيته وثبوته عليها.

الوجه الخامس: لماذا لم يتم قبول تدخل الأوقاف في مرحلة الاستئناف؟

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نلاحظ أن مكتب الأوقاف قد تقدم بتدخل انضمامي إلى المدعى عليه والقانون يجيز التدخل الانضمامي في مرحلة الاستئناف إلا أن محكمة الاستئناف لم تقبل تدخل مكتب الأوقاف لأن المدعى عليه الذي انضم إليه مكتب الأوقاف لم يستأنف الحكم الابتدائي، أي أنه قبل بالحكم الابتدائي الذي قرر عدم أحقية الوقف في الأرض محل النزاع.

الوجه السادس: عدم  قبول المحكمة العليا لطعن المدعى عليه لأنه لم يستأنف الحكم الابتدائي:

حسبما ورد في أسباب حكم المحكمة العليا فأن سبب رفضها لطعن المدعى عليه الذي كان يدافع عن أرض الوقف هو عدم قيام المدعى عليه باستئناف الحكم الابتدائي حيث صرح حكم المحكمة العليا بأنه قد فرط في حقه عندما لم يقم باستئناف الحكم الابتدائي وتبعاً لذلك فلا مجال أمامه للطعن بالنقضفي الحكم الاستئنافي.

الوجه السابع: علاقة المدعى عليه بالأوقاف والوضعية القانونية له:

محل النزاع هي أرض صالبة وقد ذكرنا في تعليقاتنا السابقة أن أراضي الوقف الصالبة ومراهق الوقف هي الأكثر عرضة للاستيلاء عليها، وحيث أن أرض الوقف المتنازع عليها صالبة فأن المدعى عليه ذهب لمقابلة مدير أوقاف المديرية وأخبره بأن هناك أرض وقف صالبة وأنها مشهورة أنها من أراضي الوقف وأنه سوف يقوم بإحيائها وأن المدعي باسط عليها ويدعي أنها ملكه وليس لديه وثائق تدل على ملكيته لتلك الأرض وذكر المدعى عليه بأنه سوف يقوم بإحياء الأرض واستغلالها وأنه سوف يقوم بمشارعة المدعي نيابة عن الوقف وأنه ملتزم بعدم مطالبة الأوقاف بأية مبالغ أو تكاليف وحرر له مكتب الأوقاف وثيقة قام بموجبها بتمثيل الأوقاف أمام القضاء.

الوجه الثامن: توصية إلى وزارة الأوقاف بشأن عدم قبول ترافع أي متولي أو مستأجر للوقف إلا بعد إخطار الإدارة القانونية بالوزارة:

القضايا والدعاوى ذات الصلة بأموال الوقف والمنظورة أمام القضاء تحتاج إلى دراسة وتحليل من قبل متخصصين قانونيين من ذوي الخبرة والدراية لمعرفة النتائج والآثار المترتبة عليها وبيان أوجه القوة والضعف فيها وتحديد الوسائل والمعالجات اللازمة لتقوية جانب الوقف فيها ووضع الوسائل والضوابط الرشيدة لإدارة القضايا بما يكفل نجاحها وحفظها لحقوق ومصالح الوقف، ولذلك نوصي ايضا وزارة الأوقاف بإعداد دليل اجراءات التقاضي في قضايا الأوقاف يتضمن المسائل المشار إليها وغيرها، والله اعلم.



تعليقات