كيفية التحقق من صحة المحررات العرفية القديمة

 

كيفية التحقق من صحة المحررات العرفية القديمة

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء

اغلب وثائق الملكية في اليمن عرفية بل ان غالبية الوثائق بصفة عامة في اليمن عرفية, ولذلك نظم قانون الاثبات هذه المحررات مبينا ماهيتها وانواعها وصحتها وكيفية التحقق من صحتها ؛ وهو بيت القصيد في هذا التعليق الموجز, وعندما نظم قانون الاثبات اليمني كيفية التحقق من صحة هذه المحررات كان مستحضرا خصوصية الواقع وخصوصية هذه المحررات بالنسبة لليمن واليمنيين؛ لان اسلوب التحقق من هذه المحررات له وسائله وطرقه واجراءاته التي توارثها القضاء والفقه حيث يتم التعامل مع تلك المحررات  بطريقة متوازنة تكفل عدم اهدار حجيتها وفي الوقت ذاته عدم  التوسع في تقدير حجيتها, لان التوسع في اعتمادها كأدلة احادية له مخاطرة كما ان التعامل معها بمعزل عن القرائن المحيطة بكل قضية على حدة ايضا له مخاطره, والمحررات العرفية القديمة في اليمن يكثر الاستدلال بها ولها اشكالياتها , ولذلك فان معرفة كيفية التحقق من صحة   المحررات القديمة له اهميته البالغة, ولذلك فقد وجدنا انه من المناسب تسليط الضوء على هذه المسألة في هذا التعليق الموجز على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 15/12/2010م في الطعن المدني رقم (41060) لسنة 1431هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان ورثة قاموا بالادعاء بان مساحة واسعة من  الارض ملك لمورثهم الذي مات وهو مالك حائز لها وان لديهم الوثائق التي تدل على ذلك ؛ وحيث ان الارض محل النزاع تتضمن اكام وهضاب فتلك الاكام والهضاب  من قبيل المراهق العامة ولذلك قامت المحكمة بادخال هيئة الاراضي في النزاع, وقد خلصت المحكمة الابتدائية الى الحكم برفض الدعوى, وقد جاء ضمن اسباب الحكم الابتدائي (نجد فعلا ان المحررات المقدمة من المدعين لا تتوفر فيها الشروط القانونية المحددة في القانون المدني في المادة (1115) مدني والمادة (106) اثبات ومن هذه الشروط  صدورها من كاتب معروف الخط وان يكون بهذا المحرر شهود عدول وان يقر الكاتب والشهود العدل بمعرفتهم بان المتصرف المالك تصرف وهو   مالك فيما تصرف فيه وان يكون الخط معروفا للقاضي لشهرته او ان الكاتب قد اقر امامه كاتب المحرر وشهد بصحته فجميع هذه الشروط لا تنطبق على الوثائق المقدمة من المدعين فجميع هذه المحررات عرفية قديمة لها اكثر من مائتي سنة  ولا يمكن ان تنطبق عليها هذه الشروط) فلم يقبل المدعون بالحكم  الابتدائي فقام باستئنافه امام محكمة الاستئناف التي قبلت استئنافهم وقضت بقبول دعواهم, وقد جاء ضمن اسباب الحكم الاستئنافي (فقد اخفق حكم محكمة اول درجة في تسبيبه حينما ذكر ان الوثائق المقدمة من المدعين لا تتوفر فيها الشروط القانونية لان الوثائق العرفية القديمة لم تكن تعرف التوقيعات كما هو في العصر الراهن فتلك الوثائق معروفة بوصفها في ذلك العصر الذي كان الناس يتعاملون بالثقة والاشهاد ولا يتعاملون بالتوقيعات ولذلك يجب الاعتداد بتلك الوثائق خاصة ان بعض المدعى عليهم كانوا قد استأجروا من المدعين  كما ان احكام التقادم لا تنطبق على دعوى المدعين وفقا للقانون المدني كما انه توجد وثائق مماثلة للوثائق المشار اليها تتضمن  مثل خط الوثائق المشار عليها وهذا دليل على انها صحيحة شرعا وعرفا مطابقة للحدود القائمة رغم اقدميتها وان الحيازة التي من قبل المستأنف ضدهم كانت عارضة لمدة من الزمن كما ان المحكمة قد قامت بإحالة الوثائق المشار اليها الى المعمل الجنائي الذي اصدر تقريره الذي اكد صحة تلك الوثائق) فلم يقبل بالحكم الاستئنافي المدعى عليهم فقاموا في الطعن فيه بالنقض امام المحكمة العليا التي قبلت الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (حيث ان الحكم المطعون فيه لم يرد على اسباب الحكم الابتدائي كاملة واقتصر تسبيبه على تعليل اخذه بالوثائق العرفية القديمة وهو تعليل يخالف المادة (106) اثبات فكانت تلك المخالفة ليست في التفسير لنص المادة (106) اثبات وانما الاجتهاد بخلافها واضافة الى ذلك فان هذه المحررات العرفية غير مقرونة بحيازة المدعي للعين محل النزاع كما ان اعمال الفحص لتلك الوثائق بوسيلة التكنيك الجنائي هو في غير محله لأنه ليس هناك دعوى تزوير مقامة بشان  هذه الوثائق وتحكمها المادة (106) اثبات وما تعلق بذلك في الفصل الثالث من قانون الاثبات) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الاوجه الاتية :

الوجه الاول : الوضعية العامة للوثائق المقدمة للاستدلال بها على الملكية في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا:

من خلال مطالعة وقائع الحكم محل تعليقنا يمكن تلخيص وضعية هذه الوثائق كما يأتي :

1-  الوثائق قديمة تم تحريرها قبل مائتين سنة على رفع القضية,ولكن كاتبها معروف الا انه ليس عليها توقيعات البائع والمشتري والشهود كما انها لم تتضمن اسماء الشهود

2-  الوثائق محررة بخط الغير أي غير الطرفين المتنازعين وهو الكاتب المعروف.

3-  الارض التي تحكيها تلك الوثائق لم تكن في حيازة المدعين بملكيتها حيث كانت بحيازة اشخاص اخرين قام بعضهم في تاريخ لاحق باستئجار بعض الاراضي من المدعين ملكيتها ولذلك  تعامل معها حكم المحكمة العليا كما لو انها مجرد وجايد .

4-  ظلت الارض محل النزاع مهجورة لفترة طويلة ثم قام بعض الاشخاص بإحياء اجزاء منها .

5-  طريقة كتابة الوثائق ومضمونها هي الطريقة ذاتها التي كانت سائدة في تلك المنطقة في وقت تحريرها.

الوجه الثاني : التعرف على المحررات العرفية القدبمة :

اشار الحكم محل تعليقنا الى المادة (106) اثبات التي تناولت كيفية التأكد من المحررات العرفيةبصفة عامة, وقد نصت هذه المادة على انه (اذا كان المحرر العرفي مكتوبا بخط الغير وغير موقع من الخصم فيجب الاشهاد عليه للأخذ بما جاء فيه غير انه اذا كان  كاتب المحرر معروفا بالعدالة والامانة وحسن السيرة وكان خطه  معروفا للقاضي لشهرته او كان قد اقر امامه انه كاتب المحرر وشهد بصحة ما جاء فيه فانه يجوز   الاخذ بما جاء في المحرر مالم يثبت الخصم غير ذلك ببينة قانونية) ومن خلال استقراء النص السابق ومطالعة الحكم محل تعليقنا نجد انه كان ينبغي على محكمة الموضوع مناقشة المحررات او الوثائق القديمة في ضوء المعايير التي حددها النص القانوني السابق ذكره على اساس ان الوثائق المقدمة الى محكمة الموضوع مناقشة المحررات او الوثائق القديمة في ضوء المعايير التي حددها النص القانوني السابق ذكره لان  الوثائق القديمة تم تحريرها قبل اكثر من مائتين سنة  وان الكاتب والشهود والبائع والمشتري قد ماتوا فيتسحيل حضورهم امام المحكمة للوقوف على حقيقة تلك الوثائق؛  ولذلك كان ينبغي على محكمة الموضوع بحث الوثائق القديمة في ضوء المعايير التي تناسبها المذكورة في المادة 106 اثبات  وليس كل المعايير المذكورة في المادة المشار اليها لان بعضها يستحيل استعمالها بالنسبة للمحررات القديمة ؛ والمعايير الخاصة بالوثائق القديمة وهي : التاكد  مما اذا كان كاتب تلك الوثائق القديمة  معروفا بالعدالة والامانة  وحسن السيرة او كان خطه معروفا للقاضي لشهرته, وسوف نكتفي بشرح عناصر اومعايير التأكد من صحة الوثائق او المحررات القديمة, لاتصالها بموضوع التعليق, وسوف نذكر تلك المعايير ونشرحها بايجاز على النحو الاتي :

اولا : عدالة كاتب الوثيقة القديمة :

كاتب البصيرة او الوثيقة القديمة هو شخص قد مات, ومع ذلك فهناك شواهد ومظاهر يستدل بها على عدالة كاتب الوثيقة القديمة, والمقصود بعدالة كاتب البصيرة او الوثيقة القديمة ان يكون محافظا على الشعائر الاسلامية الظاهرة كالصلاة و الصيام والحج وعدم اتيان الكبائر ؛ لان الكاتب عندما يكون ملتزما بتلك الشعائر فإنه في الغالب  يستحضر في كتابته للوثائق الحلال والحرام فلا يكتب الا بالحق, فالعدالة عنصر مرجح للوثيقة القديمة التي حررها الكاتب العدل, ويتم الاستدلال على عدالة الكاتب القديم للوثيقة القديمة عن طريق الوثائق الاخرى التي يبرزها الخصم المعترض على الاستدلال بالبصائر القديمة؛ فبالإمكان التثبت من عدالة الكاتب حتى بعد مضي عشرات السنين, فاذا لم يتم تقديم ما يقدح بعدالة الكاتب القديم للوثيقة فإنها تكون حجة لان الاصل عدالة المسلمين, وعنصر عدالة الكاتب مذكور في المادة (106) اثبات وكذا في قوله تعالى (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) .

ثانيا : معيار امانة كاتب البصيرة او الوثيقة القديمة :

امانة الكاتب هي قيام الكاتب بكتابة الوثيقة بحسب ما يقتضيه التصرف شرعا وقانونا وبحسب ما يتفق عليه اطراف التصرف فيقوم الكاتب بكتابة الوثيقة بحسب ما تراضى عليه اطراف الوثيقة من  دون زيادة او نقصان ؛ ولذلك يقول الله تبارك وتعالى في اية المداينة (وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) وعنصر الامانة مقترن بعنصر العدالة السابق ذكره في الفقرة السابقة ولذلك يطلق على كاتب البصائر او الوثائق الامين او المأمون, وعنصر امانة الكاتب مذكور ضمن المادة (106) اثبات السابق ذكرها, ويتم التحقق من أمانة الكاتب القديم  عن طريق الوثائق القديمة التي يحتفظ بها الاشخاص من العصر الذي عاش فيه الكاتب والتي جوانب من عمله وما اذا كان امينا ام لا .

ثالثا : عنصر حسن سيرة الكاتب :

وقد ورد هذا العنصر ايضا في المادة (106) والمقصود بها ان يكون سلوك الكاتب القديم حسنا ؛ بمعنى انه كان  في سلوكه يراعي  اتيان المأمورات والانتهاء عن المنهيات وان الكاتب كان  مستقيما وانه لم  يكن من ارباب السوابق في تزوير او تغيير في المحررات, وهذا العنصر قريب في بعض جوانبه من عنصر العدالة .

رابعا : معرفة خط الكاتب القديم:

ورد هذا العنصر في المادة (106) اثبات (وكان خطه معروفا للقاضي لشهرته) والمقصود بمعرفة القاضي لخط الكاتب القديم ان تكون هناك وثائق اخرى مماثلة للوثيقة محل الاستدلال او الاحتجاج وكلها بخط الكاتب للوثيقة القديمة ؛ ولكثرة الوثائق المنسوبة لذلك الكاتب فان القاضي او غيره يستطيع التعرف على الخط الوارد في تلك الوثائق وان يحدد الكاتب لذلك الخط؛  حيث يكون خط هذا الكاتب معروفا في قرية معينة .

خامسا : شهرة خط الكاتب للوثيقة القديمة :

شهرة خط الكاتب اوسع من معرفة خطه, لان الشهرة تعني الانتشار والذيوع في منطقة واسعة, حيث يكون خط الكاتب في هذه الحالة مشهور يستطيع المحتج بالوثيقة ان يقدم نظائر لها او وثائق مماثلة لها على نطاق واسع  .

سادسا : ان تكون الوثائق القديمة مقرونة بالحيازة والثبوت :

لان الوثائق القديمة تدل ان الحائز للارض قد وضع يده بطريقة شرعية عن طريق التصرف الذي تحكيه الوثائق القديمة فلم يقم بالغصب او الاستيلاء عليها وانما وضع يده عليها بطريقة شرعية, والحيازة بموجب هذه الوثائق تعني ان التصرف الوارد في الوثيقة قد تم تنفيذه والعمل بموجبه وانتقلت الحيازة    انتقالا صحيحا, وان لم يكن الامر كذلك فان الوثيقة تكون من (الوجائد) التي استقر القضاء في اليمن على عدم اعتمادها اذا كانت مجردة عن الحيازة الفعلية, والمقصود بالحيازة المعززة للوثيقة القديمة ان يكون صاحب الوثيقة حائزا للعين الواردة في الوثيقة لمدة لا تقل عن ثلاثين سنة متصلة.

وعند التامل في الحكم محل تعليقنا نجد انه ارشد محكمة الموضوع الى كيفية التاكد من صحة الوثائق القديمة في ضوء المعايير السابقة فاذا تاكد له انطباقها على تلك الوثائق القديمة يتم الاعتماد عليها في الحكم وان لم تكن كذالك طرحها.

الوجه الثالث : متى تتم احالة المحررات العرفية القديمة  للفحص الفني التقني :

اشار الحكم محل تعليقنا بان المحررات العرفية القديمة لا ينبغي احالتها للفحص الفني التقني لدى الجهة المختصة (المعمل الجنائي) الا اذا ادعى احد الاطراف بانها مزورة ودلت القرائن على انها مزورة ولا يلجأ القاضي الى الفحص الفني الا اذا اخفق في التعرف على صحة الوثائق بحسب المعايير والوسائل السابق ذكرها في الوجه السابق, لان المادة (106) اثبات قد حددت وسائل التأكد من صحة الوثائق العرفية القديمة فلا ينبغي العدول عن النص والاجتهاد على خلافه حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا, لان الفحص التقني في هذه الحالة يخالف مقتضيات المادة (106) اثبات، والله اعلم.



تعليقات