وقت إبلاغ المتهم عن مكان المخدرات
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدينالأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
يتبع تجار المخدرات وسائل غاية في السرية في حيازتهم ونقلهم للمخدرات فيتعذر في حالات كثيرة معرفة اماكن المخدرات وضبطها وضبط المتاجرين بها ، ولذلك تشجع كافة قوانين المخدرات في العالم الابلاغ عن المخدرات واماكن وجودها والمتاجرين بها، حيث تقرر بعض القوانين اعفاء المبلغين من العقوبات المقررة عليهم وتخفيف بعض هذه العقوبات وفي الحالين تشترط هذه القوانين أن يتم الابلاغ أو تقديم المعلومات قبل قيام السلطة العامة باكتشاف الجريمة والقبض على الجناة أو تفتيشهم بحثاً عن المخدرات، ولكن تحديد هذا الوقت بالضبط يخضع للسلطة التقديرية ،وهذا الامر يقتضي الاشارة الى تأثير ارشاد احد المتهمين للشرطة وقت قيامها بالتفتيش إلى مكان المخدرات واكتشافها بناءً على ارشاد المتهم ومعلوماته، كما أن هناك إشكالات كثيرة في تكييف حيازة المخدرات، ولأهمية هذا الموضوع أخترنا
التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14/1/2013م في الطعن الجزائي رقم (43826) لسنة 1433هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن نقطة عسكرية في أحدى المديريات الحدودية قامت بإيقاف سيارة وشرعت في تفتيشها وفي اثناء التفتيش تم العثور على قارورة خمر فحاول أحد ركاب السيارة عرض الرشوة على افراد الشرطة للسماح للسيارة بالمرور من غير تفتيش وكانت رائحة الخمر تفوح منه ، حينئذ ارتاب أفراد النقطة في الأمر فشددوا التفتيش وعندئذ بادر الراكب الذي عرض الرشوة الى ابلاغ افراد الشرطة بأن هناك مخدرات مخفية في الاطار الاحتياطي للسيارة وبالفعل قام افراد النقطة بتفتيش الاطار فعثوروا على مائة واربعة وخمسين كيلو غرام من مادة راتنج الحشيش المخدر فتم القبض على ركاب السيارة وحجز السيارة وكمية الحشيش المضبوطة، وفي اثناء التحقيق تمسك المتهم الذي ارشد الشرطة إلى مكان اخفاء المخدرات تمسك بإعفائه من العقوبة المقررة لحيازة المخدرات والاتجار بها وفقا للمادة (49) مخدرات إلا أن المحكمة الابتدائية لم تأخذ بدفاعه حيث أدانته وحكمت عليه بالسجن خمس وعشرين سنة مثله في ذلك مثل المتهمين الاخرين، وقد أيدت الشعبة الجزائية الحكم الابتدائي ثم أقرت المحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد في أسباب حكم المحكمة العليا (ومن حيث الطعن المرفوع من الطاعن الثاني الذي أسسه على ما ادعاه من احقيته في الاعفاء من العقاب المنصوص عليه في المادة (49) من قانون المخدرات لما قاله من أنه ابلغ رجال الضبط عن وجود مادة راتنج الحشيش المخدرة في إطار السيارة الاحتياطي وما نعاه على المحكمة من عدم مناقشتها لاستئنافه والفصل فيه وحيث أن الثابت من حيثيات الحكم المطعون فيه أن محكمة الاستئناف ناقشت هذا الدفع وردت عليه بما ذكرته في حكمها : أن الطاعن لم يبادر بالإبلاغ طواعية وإنما تحت وطأة التفتيش بعد سؤاله من ضباط النقطة عما يوجد على السيارة بعد العثور على قارورة الخمرة وأن الطاعن إجابهم معترفا بوجود المخدرات عارضاً على الضابط الرشوة لتركهم وعدم القبض عليهم وأسست المحكمة على ذلك قولها بعدم توفر شروط الاعفاء المنصوص عليه في المادة (49) مخدرات ، ولما كان الطعن كذلك ولما كان من الثابت قيام الطاعنين بنقل واحراز مائة واربعة وخمسين كيلوا جراماً من راتنج الحشيش المخدر بقصد الاتجار مع علم الطاعنين بكون تلك المادة من المواد المخدرة المحرمة شرعاً وقانوناً وحيث انهم قاموا بإعداد السيارة لنقل تلك الكمية واخفائها في الإطار الاحتياطي للسيارة المضبوطة ونقلها من محافظة ... إلى مدينة .... فان الحكم المطعون فيه موافق للقانون) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: الإعفاء من العقوبة في قانون المخدرات والغرض منه:
قرر قانون مكافحة المخدرات الإعفاء من العقوبات المقررة في القانون بالنسبة لمن يبادر من الجناة بالإبلاغ حيث نصت المادة (49) على انه (يعفى من العقوبات المقررة في المواد (33 و 34 و 35) كل من بادر من الجناة إلى إبلاغ السلطات العامة عن الجريمة قبل علمها بها فاذا حصل الابلاغ بعد علم السلطات العامة بالجريمة تعين أن يوصل الإبلاغ فعلاً إلى ضبط باقي الجناة) ومن خلال سياق هذا النص نجد أن الغاية من الإبلاغ هو تمكين السلطة العامة ممثلة بالجهة المختصة وهي السلطة الأمنية تمكينها من اكتشاف الجرائم التي تم ارتكابها وضبط وجمع أدلتها وضبط المتهمين بارتكابها، وهذا النص موجود في كل قوانين مكافحة المخدرات في دول كثيرة، لان جرائم تهريب المخدرات وزراعتها والاتجار بها وتحضيرها يتم عن طريق شبكات وعصابات منظمة من الصعب التحري عنها أو ضبطها لتوفر الامكانيات المالية والفنية الهائلة لدى عصابات وتجار المخدرات بسبب العائدات الهائلة للإتجار بالمخدرات اضافة الى ان جرائم المخدرات من الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وهناك نصوص مقاربة لنص الإعفاء من العقاب في جرائم المخدرات مثل الاعفاء لمن يقوم بالابلاغ عن في جرائم الرشوة والفساد وجرائم أمن الدولة حيث يصعب اكتشافها وضبط أدلتها وتعقب الجناة فيها.الوجه الثاني: حالات الإعفاء من العقوبة في جرائم المخدرات وتوصيتنا:
من خلال استقراء نص المادة (49) مخدرات نجد أن حالات الابلاغ المعفي من العقوبة حالتان :الاولى : هي حالة الإبلاغ قبل اكتشاف السلطة الأمنية للجريمة، لان جرائم المخدرات من الجرائم المنظمة العابرة للحدود ولذا يتعذر في حالات كثيرة اكتشاف هذه الجريمة ،ولذلك فان الغرض من الاعفاء في هذه الحالة هو تمكين السلطة العامة من اكتشاف هذه الجرائم ومباغتة الجناة وضبطهم وضبط المخدرات التي بحيازتهم، والحالة الثانية : هي الإبلاغ عن الجرائم بعد اكتشاف السلطات الأمنية لها اذا كان من شأن الإبلاغ في هذه الحالة تمكين السلطة الأمنية من تعقب بقية الجناة والقبض عليهم، لان الجناة يعرفون حركة ومخابى بعضهم البعض، الحالة الثالثة : هي حالة الإبلاغ عن الأفعال والجرائم التي يعتزم تجار المخدرات القيام بها ،وهذه الحالة تتضمنها قوانين دول كثيرة إلا أن نص المادة (49) مخدرات يمني السابق ذكرها لم تتضمن هذه الحالة مع أهميتها للحيلولة دون إرتكاب الجرائم ، ولذلك فإننا نوصي المقنن اليمني بالأخذ بهذه الحالة.الوجه الثالث: وقت الإبلاغ عن جرائم المخدرات:
حددت المادة (49) مخدرات وقت الإبلاغ عن وقوع الجريمة بأنه يكون قبل اكتشاف السلطات الأمنية لها وذلك يقتضي امتداد هذا الوقت حتى ساعة اكتشاف السلطة للجريمة، إلا أن الحكم محل تعليقنا قد ذهب إلى أن الإبلاغ في الوقت الذي كانت الشرطة في طريقها لاكتشاف الجريمة لا يكون قبل اكتشافها لان الشرطة كانت في طريقها لكشف جريمة حيازة المخدرات والإتجار بها حيث كانت قد عثرت على قارورتي خمر كان المتهم المبلغ يشرب منها وكانت تفوح منه رائحة الخمر كما سبق للمتهم المبلغ أن عرض الرشوة على أفراد النقطة ولذلك ارتابت الشرطة في الأمر وأدركت أن السيارة تحمل مواد ممنوعة، فعندما شرعت الشرطة في التفتيش قام المتهم بالإبلاغ، إضافة إلى أن الإبلاغ في هذه الحالة لا يفهم منه توبة المتهم المبلغ وندمه وقطيعته لهذه الجريمة حيث أن من اغراض الاعفاء من العقوبة في جرائم المخدرات فتح باب التوبة لمن يريد ذلك من الجناة، ولذلك فأن الظروف والملابسات التي تم الإبلاغ فيها لا تدل على توبة المتهم المبلغ الذي كان ساكراً وقت البلاغ، كما أن الإبلاغ قد حصل ساعة التفتيش الذي كان من شأنه الوصول إلى الإطار الاحتياطي الذي كان الحشيش موجوداً فيه.الوجه الرابع: إشكالية إثبات قصد المتاجرة بالمخدرات:
فقد قررت المادة (33) مخدرات أن العقوبة تكون الإعدام أو الحبس لمدة خمس وعشرين سنة للحائز للمخدرات بقصد الإتجار بها، ويعاقب الحائز للمخدرات من غير قصد الإتجار فيها بالعقوبة ذاتها المقررة للحيازة بقصد الإتجار حسبما ورد في المادة (34) مخدرات، ومن الغلط أن يتم تكييف كل حيازة للمخدرات على أن قصد الإتجار متوفر فيها، لان قصد الإتجار يمكن استخلاصه من ظروف الواقعة وحالة المتهم ومن ذلك سوابق المتهم الماضية وكمية المخدرات المضبوطة وبحث كيفية وصول المخدرات إلى حوزة الناقل.. وغير ذلك ،اضافة الى ان هناك عيوب في صياغة المادتين 33 و 34. ولذلك فان المادتين بحاجة الى تعديل الصياغة، والله اعلم.
![]() |
| وقت إبلاغ المتهم عن مكان المخدرات. |
