السلطة التقديرية لمحكمتي الموضوع
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
مع
أن وظيفة القاضي في العصر الحاضر بموجب مبدأ الفصل بين السلطات قد تقصلت فصارت
وظيفة القاضي مقتصرة على تطبيق النصوص
القانونية التي تسنها السلطة التشريعية، لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال غلق
باب الاجتهاد في وجه القاضي، فما زال القاضي المعاصر يجتهد في تطبيق النصوص القانونية العامة
والمجردة على ملايين الوقائع والاشخاص حيث يجتهد القاضي في تطبيق القانون على تلك
الوقائع وعلى اولئك الاشخاص بأساليب وطرق تختلف بحسب اختلاف الوقائع والاشخاص،
ولأن باب الاجتهاد ما زال مشرعاً أمام القاضي المعاصر فقد تعددت الاجتهادات ودرجات
التقاضي، وظهرت مظاهر عدة للاجتهاد
القضائي من ابرزها القواعد
والمبادئ القضائية والسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، وفي شأن السلطة التقديرية
لمحكمة الموضوع يثور الجدل بشأن الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية بين المحكمة
الابتدائية ومحكمة الاستئناف ومدى التزام محكمة الاستئناف بتقدير المحكمة
الابتدائية للادلة وغيرها، ولأهمية هذا الموضوع فقد اخترنا التعليق على الحكم
الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 13/1/2013م
في الطعن المدني رقم (46581) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن احد
الاشخاص تقدم بدعوى أمام المحكمة المدنية مفادها أن جاره المقابل لمنزله قد وضع
مخلفات البناءفي الشارع الفاصل بين منزليهما كما قام برفع غرف التفتيش حتى صارت
بارزة في الشارع وقد تسبب في تجمع مياه الامطار في الشارع واضرارها بمنزله كما قام
ببناء جدار حوش منزله في الساقية المملوكة له ،وقد اجاب المدعى عليه بأن الشارع
القائم بين المنزلين كان في الأصل ملحق
بحوش منزله وتبعاً فان تلك المساحة مملوكة له ملكية خاصة فليست شارعاً عاماً، وقد
توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم بقبول الدعوى والزام المدعى عليه برفع المخلفات من الشارع وتسويته حتى
لاتتجمع المياه فيه، وقد ورد في أسباب الحكم (ان المساحة الفاصلة بين
المنزلين صارت شارعاً وبصرف النظر عن
ملكيتها فان المخلفات تتسبب في تجمع مياه
الامطار في الشارع والاضرار بمنزل المدعي) فلم يقبل المدعى عليه بالحكم فقام
باستئناف الحكم وتقدم المستانف ضده باستئناف مقابل، فقضت الشعبة الاستئنافية
بالإضافة إلى الزام المدعي بتسوية الشارع ورفع المخلفات قضت بالزام المستانف ضده
بدفع قيمة الأرض التي أقام عليها الجدار، وقد جاء في أسباب الحكم الاستئنافي (أن
المستأنف ضده كان قد طلب أمام محكمة أول درجة بتسوية الشارع وإلزام المدعى عليه
بدفع قيمة الأرض التي اقام عليها الجدار كما أنه قد طلب ذلك في استئنافه المقابل
وحيث أن المستأنف ضده الأصلي قد اثبت أن مكان الجدار كان ساقية مملوكة له ولان
تراكم المخلفات يضر بمنزله فان الواجب دفع الضرر ودفع ثمن الأرض المقام عليها
الجدار) فقام المستأنف الأصلي بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي إلا أن الدائرة
المدنية بالمحكمة العليا أقرت الحكم الاستئنافي ،وقد جاء في أسباب حكم المحكمة
العليا (حيث أن ما ذكره الطاعن في طعنه على الحكم الاستئنافي وقوله بان الحكم لم يقدم أمام الشعبة أي جديد ومع ذلك فقد اضافت
إلى ما قضى به الحكم الابتدائي الزام الطاعن بدفع قيمة الأرض القائم عليها جدار
الطاعن، والدائرة تجد أن نعي الطاعن مردود عليه بأن الاستئناف يطرح القضية المحكوم
فيها أمام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الوقائع والقانون على أن لا تنظر
محكمة الاستئناف إلا ما رفع عنه الاستئناف وان لا تنظر إلا في الوجوه والحالات التي
كانت مطروحة امام محكمة اول درجة،فمحكمة الاستئناف وهي تنظر القضية المستأنفة على
أساس ما يقدم لها من دفوع وادلة جديدة وما كان قد تم تقديمه من ذلك أمام محكمة
الدرجة الأولى فقا لاحكام المادة(288)
مرافعات وهي بوصفها محكمة موضوع غير ملزمة بقضاء محكمة الدرجة الأولى ولو لم يقدم
اليها جديد فلها مالمحكمة الدرجة الأولى من سلطةوزن وتقدير البيانات المقدمة إلى
محكمة الدرجة الأولى والادلاء برايها فيها) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب
ماهو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : مقومات السلطة التقديرية لمحكمة أول درجة :
تتوفر لدى القاضي في
محكمة أول درجة إمكانيات ومقومات ومكونات السلطة التقديرية حيث ان القاضي
الابتدائي يكون قريباً مكانياً وزمانيا من وقائع القضية وادلتها وتفاصيلها
بالإضافة إلى أن مدة الترافع أمام المحكمة الابتدائية تكون في الغالب اطول منها
لدى محكمة الاستئناف ولذلك يترافع اطراف القضية لدى القاضي الابتدائي في دعاويهم
وردودهم وتعقيباتهم ودفوعهم ومناقشاتهم
للتقارير والادلة وكذا يفصح الخصوم أمام محكمة أول بخلاف محاكم الاستئناف، علاوة
على أن القاضي الفرد في المحكمة الابتدائية يستطيع الالمام والاحاطة بتفاصيل
ومعالم القضية باعتباره قاضيا فردا بخلاف القضاة المتعددين في الاستئناف الذين
يحيطوا بالقضية إحاطة جماعية، إلا أن هذه الإمكانيات التي تتوفر لدى المحكمة
الابتدائية لا تعني ان السلطة التقديرية
للمحكمة الابتدائية ملزمة لمحكمة الاستئناف ،لان السلطة التقديرية كما ذكرنا عبارة
عن مظهر من مظاهر الاجتهاد القضائي، ولا شك أن اجتهاد القاضي الفرد أقل
صوابية من اجتهاد جماعة القضاة في محكمة
الاستئناف كما ان قضاة الاستئناف تتوفر لديهم الخبرات والتجارب والمهارات اكثر من
القاضي الابتدائي وتلك مرجحات للسلطة التقديرية لمحكمة الاستئناف كما سنرى.
الوجه الثاني : مقومات السلطة التقديرية لمحكمة الاستئناف :
سبق القول بان محكمة
الاستئناف تتكون الشعبة فيها من ثلاثة قضاة ينظرون إلى القضية من زوايا مختلفة
ويستدركون ما فات على بعضهم ويقلبون أوجه الرأي في القضية ويتناقشون في ذلك ويتداولون،
ولذلك فان السلطة التقديرية لمحكمة الاستئناف ترجح على السلطة التقديرية لمحكمة
أول درجة لان السلطة التقديرية اجتهاد واجتهاد جماعة القضاة يجوز أن ينقض اجتهاد
القاضي الفرد، وكذلك الحال بالنسبة
لاجتهاد المحكمة العليا الذي ينقض اجتهاد محكمة الاستئناف لان عدد اعضاء الدائرة اكثر من الشعبة كما ان خبرتهم
اكثر.
الوجه الثالث : علاقة مبدأ الاستئناف يعيد طرح النزاع بالسلطة التقديرية لمحكمة الاستئناف :
مبدأ الاستئناف مبدأ
مستقر في كافة الانظمة القضائية العالمية، وهذا المبدأ يعني ان النزاع الذي كان
مطروحاً أمام محكمة أول درجة يعاد طرحه بكافة تفاصيله أمام محكمة الاستئناف عند
استئناف الخصوم للحكم الابتدائي فذلك يحدد
نطاق الاستئناف في حدود النزاع الذي كان مطروحاً على محكمة أول درجة ولذلك لا يجوز
تقديم طلبات جديدة أمام محكمة الاستئناف. وبما أن الاستئناف يعيد طرح النزاع برمته
على محكمة الاستئناف فانه يحق لها باعتبارها محكمة موضوع ان تدرس وتناقش كافة
الادلة وان تبني قناعتها وسلطتها التقديرية في ضوء تلك الدراسة والمناقشة وبعدئذ
يحق لها ان تؤيد ما ذهبت اليه محكمة أول درجة أو تخالفه فتلغيه أو تبطله او تعدله
فلا تكون السلطة التقديرية لمحكمة أول درجة ملزمة لمحكمة الاستئناف.
الوجه الرابع : ضوابط السلطة التقديرية لمحكمتي الموضوع :
السلطة التقديرية كما
ذكرنا مظهر من أهم مظاهر الاجتهاد القضائي، ولذلك فان من أهم ضوابط بناء السلطة
التقديرية للقاضي عدم مخالفة النصوص القانونية الناظمة فلا اجتهاد في مورد النص
إضافة إلى ان هذا الاجتهاد ينبغي ان يكون له
أصل في الاوراق فلا يجوز للقاضي ان يبني تقديراته على آرائه الشخصية بمعزل
عن أوراق القضية، علاوة على بناء السلطة التقديرية ينبغي أن يكون موافقاً لاحكام
الشرع والقانون ومبادئ العدالة.
الوجه الخامس : اجتهاد محاكم الموضوع وتجليه في اجتهاد المحكمة العليا :
الاجتهاد القضائي
ينبغي ان يكون له اصل في أوراق القضية وان تكون له صلة وعلاقة وثيقة بالقضية
وأوراقها، ولذلك فان اجتهاد المحكمة العليا يستمد اساسه من اجتهادات قضاة محاكم
الموضوع، فاجتهاد المحكمة العليا الذي يظهر في المبادئ والقواعد القضائية ماهو الا
تعبير ملخص وموجز لاجتهادات قضاة الموضوع، وذلك مصدر من مصادر قوة هذا الاجتهاد
وهيبته، والله اعلم.
