الحفر العشوائي للآبار تختص به محاكم الأموال العامة
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون –
جامعة صنعاء
الماء
ارخص موجود وأغلى مفقود، والماء ثروة وطنية ومورد من اهم الموارد العامة التي ينظم
القانون اجراءات استغلالها بماةيكفل ترشيد استخدام هذه الثروة الوطنية ومع ذلك فان
القانون العاجز يتعامل مع الاعتداءات التي تطال هذه الثروة على انها مجرد مخالفات،
فقانون المياه يتجاهل حقيقة ان الحفر العشوائي للآبار اعتداء صارخ على هذه الثروة وعلى حقوق الآخرين بالانتفاع بها، اما
القضاء فأنه يذهب الى ان الحفر العشوائي للابار اعتداء على حق ومال عام، ولذلك فان
محاكم الاموال العامة هي المختصة بنظر هذه الاعتداءات بصرف النظر عن أنها مخالفات
أو جرائم حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها
المنعقدة بتاريخ 8/8/2017م في الطعن رقم (59200) ،وتتلخص وقائع القضية التي
تناولها هذا الحكم ان نيابة الأموال العامة اتهمت شخصين أمام محكمة الأموال العامة
بانهما قاما بالحفر العشوائي لبئر في سائلة الوادي دون ان يكون لديهما ترخيص بذلك
من الهيئة العامة للموارد المائية إلا أن محكمة الأموال العامة قضت (بعدم اختصاص
محكمة الأموال العامة نوعياً بنظر الدعوى)، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي (ان
المحكمة ليس لها ولاية النظر والفصل في الدعوى لان الاختصاص ينعقد للمحاكم العامة،
لان الواقعة محل قرار الاتهام من حيث طبيعتها القانونية تعتبر مخالفة وليست جريمة
وشتان بين المخالفة والجريمة، فقد نص القانون صراحة على اعتبار تلك الواقعة مخالفة
وذلك في القانون رقم (41) لسنة 2006م بشأن المياه ولائحته التنفيذية وضبط
المخالفات المحددة فيه علاوة على ان قانون المخالفات ولائحته التنفيذية قد بينت
الأحكام الاجرائية للمخالفات ومن تلك الأحكام تحديد الاختصاص بنظر المخالفات وذلك
للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة) فقامت نيابة الاموال العامة باستئناف
الحكم الابتدائي إلا أن الشعبة الاستئنافية قضت بتأييد الحكم الابتدائي، فلم تيأس
نيابة الاموال العامة فقامت بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي فقبلت الدائرة
الجزائية الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي وقد جاء في أسباب حكم المحكمة العليا
(وبالتأمل لمناعي نيابة الاموال العامة على الحكم المطعون فيه فان الدائرة تجد ان
تلك المناعي قد استندت إلى اعتبارات صحيحة من قواعد الشرع الحنيف والقانون واللوائح
النافذة، لان القانون اليمني قد اناط الاختصاص بالحقوق والمصالح العامة بمحاكم
الأموال العامة بل ان قانون أراضي وعقارات الدولة قد نص على ان السوائل من المراهق
العامة فحفر البئر كان في السائلة كما ان المادة (3) من قرار مجلس القضاء الأعلى
رقم (137) لسنة 2008م قد اناط الاختصاص بنظر قضايا أموال الدولة بمحاكم الأموال
العامة، وبالتأمل في المادة (6) من قانون أراضي الدولة نجد انها تنص على انه تعد
من أراضي وعقارات الدولة الخاضعة لأحكام هذا القانون ما يلي (-و- المراهق العامة)
التي بينتها المادة (2) من قانون الأراضي بانها :الجبال والآكام والمنحدرات التي
تتلقى مياه الأمطار وتصريفها ويعتبر في حكم المراهق العامة السوائل العظمى التي
تمر عبرها مياه السيول المجتمعة من سوائل فرعية) ومن خلال ذلك يظهر جلياً حجية ما
استندت اليه النيابة العامة في أسباب طعنها وبصرف النظر عما دفع به المطعون ضدهما
بشأن تصنيف الواقعة بانها مخالفة أو جنحة أو جريمة في قضايا المياه فان الاعتبار
للاختصاص النوعي لايتاثر بسقف العقوبة أو نوع الجريمة، لان القوانين تتعدد وتتنوع
في مقاييس العقوبة بينما الاختصاص النوعي يرتبط بأوصاف الافعال اجمالاً، وبناءً على
ما سبق فان المتعين قبول طعن النيابة العامة موضوعاً والتقرير بنقض الحكم المطعون
فيه وتقرير انعقاد الاختصاص في قضايا مياه الآبار وخصوصا في السوائل العظمي لمحاكم
الأموال العامة) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : الوضعية القانونية للمياه وعلاقتها بالأموال العامة :
يقرر الدستور ان
المياه مورد من الموارد العامة التي تهم المجتمع باسره ولذلك ينبغي على الجميع
الاهتمام بها والمحافظة عليها، ولذلك تقوم الدولة باعتبارها الممثل للمجتمع بوضع
الخطط والسياسات المائية، كما تقوم الدولة بوضع القوانين واللوائح والنظم التي
تنظم الاستغلال الامثل للمياه بما يحفظ الحقوق العامة فيها، وخلاصة القول ان
استغلال واستعمال المياه شأن عام تختص بنظره نيابات الأموال العامة ومحاكم الأموال العامة، طالما ان قرار إنشاء
محاكم الاموال العامة قد اناط بنيابات ومحاكم الاموال النظر في قضايا أموال الدولة فالماء مال من
أموال الدولة عملاً بنص المادة (118) مدني التي نصت على ان (المال العام هو كل
مال تملكه الدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة
ويكون مخصصاً للمنفعة العامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو قرار وهذا المال لا يجوز
التصرف فيه والحجز عليه ولا تملك الأشخاص له بأي وسيلة مهما بقي عاماً ويجوز
للأشخاص الانتفاع به) فالماء مخصص للمنفعة العامة ومن هذا المنطلق فان الدولة تدير
الموارد المائية حتى لو كانت ضمن الأملاك الخاصة للأفراد كحفر الآبار في أراضيهم.
الوجه الثاني : الوضعية القانونية للسوائل العظمى والحفر العشوائي فيها :
يصرح قانون الأراضي
في المادتين (2 و 6) بان السوائل العظمى من المراهق العامة المملوكة للدولة،
وبناءً على ذلك لا يجوز للأفراد حفر
الآبار فيها إلا بإذن أو ترخيص من الدولة، وعلى هذا الأساس فان الحفر العشوائي
للآبار في السوائل العظمى اعتداء على أملاك الدولة تختص بنظره محاكم الأموال
العامة.
الوجه الثالث : المقصود بالحفر العشوائي للآبار :
بما أن الماء من
الموارد العامة حسبما صرح الدستور وحسبما سبق بيانه فان حفر الآبار واستخراج الماء
واستغلاله بغير إذن أو ترخيص من الجهة الحكومية المختصة (الهيئة العامة للمواد
المائية) يكون عملاً مخالفاً للقانون حتى لو كان الحفر في أرض خاصة بالحافر نفسه، اما الحفر في السوائل فانه يجمع
بين مخالفتين الأولى الاعتداء على مراهق الدولة والثاني الاعتداء على الماء
باعتباره مورداً من الموارد العامة،وعلى هذا الاساس فان المقصود بالحفر
العشوائي هو حفر الابار من غير ترخيص من
الجهة المختصة قانونا، والغرض من الترخيص هو تمكين الجهة المختصة من دراسة طلب
الترخيص للتأكد مما إذا الحفر لايضر ببئر مجاور أو ببئر مياه شرب للمواطنين
والتاكد من الغرض من حفر البئر والتاكد
مما إذا كان حفر البئر لايلحق ضررا باحواض ومكامن المياه في جوف الأرض وباطنها
وغير ذلك.
الوجه الرابع : اختصاص محاكم الأموال العامة بالمخالفات المتعلقة بالموارد المائية :
سبق القول بان الحفر
العشوائي للآبار اعتداء على الموارد العامة واعتداء على المراهق العامة التي ينتفع
بها المجتمع عامة، ولذلك فقد قضى الحكم محل تعليقنا بان محاكم الأموال العامة تختص
بنظر هذه الافعال وان كانت مخالفات، لان قرار انشاء محاكم الأموال العامة قد قرر
اختصاصها بكافة قضايا أموال الدولة، ومفهوم القضية يشمل الجريمة الجسيمة وغير
الجسيمة والمخالفة والجنحة والجناية حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، والله اعلم.
