المحكمة المختصة بقضايا الوقف

 

المحكمة المختصة بقضايا الوقف

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الاستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء 

قضايا الاوقاف كثيرة ومتنوعة تختلف في موضوعاتها واسبابها واطرافها فمنها قضايا جنائية كالاعتداء على اموال الوقف والامتناع عن دفع المستحق للأوقاف ومنها قضايا مدنية كالمنازعات بشان قدر الايجار او كيفية احتسابها او المنازعات بشان الملكية ومقدارها ومساحاتها وملحقاتها وحدودها , كما ان بعض القضايا قد تكون ذات طابع اداري, ولعل منازعات الملكية والإيجارات هي الاكثر, وبقصد الاستيلاء على اموال وحقوق الوقف او التهرب من دفعها للوقف نجد ان بعض المستأجرين يدفعون بعدم اختصاص بعض المحاكم بنظر دعاوي الاوقاف من اختصاص محكمة الاموال العامة  مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر من الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 13/3/2011م في الطعن المدني رقم (42089) لسنة 1432هـ وتتلخص وقائع الدعوى التي تناولها هذا الحكم ان شخصا قام بشراء دكان ملاصق لمسجد وادعى ان هذا الدكان ليس مملوكا للأوقاف لان ارض المسجد خصصتها وزارة الاشغال العامة لمسجد ضمن مدينة سكنية  وذكر هذا الشخص ان الاوقاف ليست مالكة للمسجد او للأرض الملاصقة وذكر بان الاوقاف لم تقم ببناء الدكان حتى تطالب بإيجاره وايضا قام شخص اخر ببناء دكان ملاصق للدكان السابق ذكره وبعد بناء الدكان تابعته الاوقاف فقام بتحرير عقد ايجار لوزارة الاوقاف لكنه بالتنسيق مع الشخص السابق ذكره انكر ملكية الوقف للدكان واممتنع عن سداد الايجار حيث امتنع الشخصان معا عن دفع الايجار وانكرا ملكية الأوقاف للدكانين ولذلك قامت وزارة الاوقاف برفع دعوى امام المحكمة المدنية المختصة  مطالبة بالزام  الشخصين المشار اليهما بسداد الايجارات السابقة واخلاء العين المملوكة للأوقاف, وقد خلصت المحكمة الابتدائية الى الحكم (بقبول دعوى وزارة الاوقاف وصحة تملك  الاوقاف للدكانين من المدعى عليهما بموجب عقدي الايجار والتنازل عن الدكان من المستأجر السابق الى المدعى عليه واعتبار عقدي الايجار منتهيين بانتهاء المدة المحددة فيهما وعلى المدعى  عليهما تسليم ما بقى لديهما من الايجارات السابقة خلال سريان مدة العقدين المحددة  فيهما؛ ومن بعد تلك الفترة المحددة فيهما يتم تقدير الايجار بحسب ايجار المثل في المنطقة الى تاريخ التنفيذ اما بتحديد الايجار او اخلاء العين في حالة عدم رغبة المدعى  عليهما في الاستئجار فيعتبرا غاصبين ويلزما بالإخلاء وتسليم ما بقى من الايجارات حفظا على حقوق الوقف) فلم يقبل المستأجران بالحكم الابتدائي فقاما باستئنافه وذكرا في استئنافهما بأن الدكانين ليسا ملك الاوقاف لان الوزارة لم تقم ببناء الدكانين كما ان الارض التي تم بناء الدكانين عليها ليست من اراضي الوقف وانما من الاراضي المملوكة لوزارة الاشغال العامة التي خصصتها لإقامة مدينة سكنية عليها بما في ذلك  ارضية المسجد والارض الملاصقة له وذكر المستئانفان ان المحكمة الابتدائية التي اصدرت الحكم ليست مختصة بنظر النزاع لان اراضي الاوقاف ملحقة بالأموال العامة ولذلك فالاختصاص بنظر القضية لمحكمة الاموال العامة وليس للمحكمة المدنية حسبما ورد في عريضة الاستئناف, الا ان محكمة الاستئناف رفضت استئنافهما وقضت بتأييد الحكم الابتدائي وقد ورد ضمن اسباب الحكم الاستئنافي (ان المشتري للدكان مقر بأن الدكان الذي اشتراه هو وقف حيث تضمنت وثيقة  شراؤه انه اشترى الدكان من البائع الذي كان مستاجرا له من وزارة الاوقاف فهذه الوثيقة حجة عليه تدل قطعا على ان الدكان الذي اشتراه هو ملك الوقف وكذلك الحال بالنسبة للمستأنف الثاني الذي سبق له ان استأجر الدكان الذي بناه من وزارة الاوقاف ولذلك فهو مقر ايضا  بان الاوقاف هي المالك للدكان وانه مجرد مستأجر لذلك الدكان وهذا كله يدل على صحة دعوى وزارة الاوقاف) فلم يقنع المستأجران بالحكم  فقاما بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي, الا ان المحكمة العليا رفضت طعنهما واقرت الحكم الاستئنافي, وقد ورد من ضمن  اسباب حكم المحكمة العليا (والدائرة بعد الرجوع الى الاوراق مشتملات الملف وجدت ان ما ينعي به الطاعنان على الحكم الاستئنافي في غير محله لان ما قضى به الحكم الاستئنافي هو عين الصواب وان ما اثاره الطاعنان غير صحيح لان دعوى الاوقاف المرفوعة ضد الطاعنين دعوى للمطالبة بسداد ايجارات الدكانين ودعاوى الايجارات لا تختص بنظرها محكمة الاموال العامة بل ان الاختصاص في نظرها ينعقد للمحاكم العادية) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الاوجه الاتية :

الوجه الأول : المحكمة المختصة بنظر دعاوي الايجار لأراضي عقارات الوقف :

نظم القانون المدني وقانون تنظيم العلاقة فيما بين المؤجرين والمستأجرين ولائحة تأجير اراضي الاوقاف وكذا عقود الايجارات نظمت العلاقة  فيما بين وزارة الاوقاف كموجرة  وبين المستاجرين لعقارات الوقف , فهذه العلاقة علاقة عقدية مدنية تحكمها عقود الايجار المبرمة فيما بين الطرفين عملا بقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) ولذلك نلاحظ ان الحكم محل تعليقنا قد ظل يشير الى عقود الايجار المبرمة فيما بين الوزارة وبين المستأجرين للدكانين اللذين ادعت عليهما الوزارة , وعلى هذا الاساس وبما ان العلاقة الايجارية فيما بين الوزارة والمستأجرين لأراضيها وعقاراتها مدنية فان الاختصاص بنظر منازعاتها يكون من اختصاص القضاء المدني حسبما قرر الحكم محل تعليقنا .

الوجه الثاني : امكانية قيام وزارة الاوقاف باستخدام الوسائل الجبرية في قانون تحصيل الاموال العامة لتحصيل الايجارات المستحقة  من المستأجرين المماطلين وغيرهم :

يقرر قانون تحصيل الاموال العامة في المادة (3) على انه (مع مراعاة تحصيل كافة انواع الواجبات الزكوية طبقا لأحكام الشريعة الاسلامية تحصل وفقا لأحكام هذا القانون ما يلي وذلك في كل مالم تنص عليه القوانين الخاصة بها عل تحصيله بطريقة اخرى : - و- الاموال المستحقة لوزارة الاوقاف ) فهذا النص صريح  في جواز قيام وزارة الاوقاف بتحصيل اموالها المستحقة باستخدام الوسائل الجبرية في قانون تحصيل الاموال العامة, وفي هذا المعنى نصت المادة (4) من قانون تحصيل الاموال العامة على انه ؛( وفقا لأحكام هذا القانون لابتم التحصيل الا من قبل اجهزة وزارة المالية المختصة واجهزة الهيئات والمؤسسات العامة الاخرى ووزارة الاوقاف) وقد اشارت المادة (8) من ذلك القانون  الى الوسائل التي يجوز استعمالها في مواجهة المكلف المدين الممتنع عن السداد حيث نصت هذه المادة على انه (اذا تمنع المكلف او المدين عن دفع ما استحق عليه قانونا فتتخذ بحقه وفقا للقانون الاجراءات المتتالية الاتية : أ- الإنذار ب- الحجز ج- بيع الاموال المحجوزة ولا يتم البيع الا بعد الحصول على حكم قضائي يكون له صفة الاستعجال) فهذه النصوص القانونية السابقة تصرح بانه   يجوز لوزارة الاوقاف استعمال  هذه الوسائل الجبرية في تحصيل اموالها المستحقة بما في ذلك الايجارات المتراكمة لدى المستأجرين الممتنعين عن السداد, فهذه الوسائل اسرع وانجح من اللجوء الى المحاكم المدنية, علما بان المادة (87) مكرر من قانون الوقف قد نصت على الامتناع عن سداد مستحقات الاوقافيعد جريمة يعاقب عليها القانون .

الوجه الثالث : سبب قيام وزارة الاوقاف برفع دعواها امام المحكمة المدنية :

كان قرار وزارة الاوقاف برفع دعواها امام المحكمة المدنية كان قرارا حكيما ورشيدا لان المدعى عليهما في هذه القضية كانا ينكرا على وزارة الاوقاف ملكيتها للدكانين محل النزاع لأنهما كان يعلما ان الارض التى اقاما الدكانين عليها لم تكن ملكا للأوقاف اصلا وانما تعد وقفا بالتخصيص حيث كانت تلك  الارض ملكا للدولة التي خصصتها لإقامة مدينة سكنية وخصصت الدولة من تلك الارض المملوكة لها خصصت ارضا لسوق مركزي وارض اخرى لمستوصف وارض اخرى لمركز شرطة وارض اخرى لمركز   اتصالات وكذا ارض خصصتها  للمسجد فتم بناء المسجد على غالبية المساحة المخصصة للمسجد وظلت مساحة صغيرة من تلك الارض التي خصصتها الدولة للمسجد ظلت ارض بيضاء حتى يتم بناء سور المسجد فقام المدعى عليهما ببناء الدكانين في جزء من تلك الارض, وعلى هذا لم يكن هناك وقفية لدى وزارة الاوقاف ولذلك رفعت الوزارة الدعوى امام المحكمة المدنية المختصة مطالبة بتقرير ملكية الوقف لتلك الارض واثباتها بحكم قضائي ونجحت الوزارة في ذلك حيث صدر لصالحها حكم بات  قضى (بصحة تملك الاوقاف للدكانين محل النزاع).

الوجه الرابع : الوقف بالفعل او بالتخصيص :

وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية والقانون  فان الوقف يقع بالفعل او بالتخصيص فاذا قامت أية جهة او شخص ببناء مسجد او مبرة عامة فان الوقف ينعقد في هذه الحالة وتنطبق عليه احكام الوقف ولو لم تكن هناك وقفية او وثيقة لإثبات ملكية الوقف, وفي هذه الحالة يجوز اثبات الوقف بأي وسيلة من وسائل الاثبات بما في ذلك الشهرة, لان الغرض من الوقفية او المسودة هو اثبات الوقف فليست ركنا او شرطا في الوقف  ؛ لانه يقع صحيحا ولو لم تكن هناك وقفية.

الوجه الخامس : البناء على ارض الوقف من غير اذن :

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد ان المدعى عليهما قد قاما بالبناء على ارض مخصصة لمسجد أي وقف لمبرة, وقد قاما بالبناء بغير اذن من وزارة الاوقاف,  وبموجب لائحة تأجير اموال الوقف يحق  لوزارة  الاوقاف ازالة البناء او تملكه حسبما ورد في المادة (24) من لائحة التاجير التي نصت في الفقرة(5) على انه (اذا احدث المستأجر في ارض الوقف بناء او غرسا او نحوها بغير اذن من متولي الوقف المختص فللمتولي  الحق في ازالة ما احدث او تملكه للوقف بثمن ما ليس له حق البقاء مزالا وله تأجيرها  للمستأجر او غيره اذا لم يقبل) ومن خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد ان الاوقاف قد اختارت تملك الدكانين المبنيين على ارض الوقف.

الوجه السادس : المنازعة في اصل الوقف تندرج ضمن قضايا الاحوال الشخصية :

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد ان الحكم قد صدر من القاضي المدني والشعبة الاستئنافية المدنية والدائرة المدنية لان الخلاف كان بشان مسائل مدنية بحتة  ملكية عقار وايجارات عقار, في حين ان المنازعات في المسائل الاخرى المتعلقة بالوقف تندرج من ضمن قضايا الاحوال الشخصية التي يختص بنظرها قاضي الاحوال الشخصية وهذا ما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في اليمن وغيرها, لان احكام الوقف تشابه الى حدما  احكام الوصية بل ان المناهج الجامعية في غالبية الدول تدرس احكام الوقف ضمن مقرر الاحوال الشخصية.

الوجه السابع : قضايا الاوقاف الجنائية  :

قضايا الاوقاف الجنائية هي القضايا التي تتعلق بالاعتداء على اموال الوقف كالاعتداء والتخريب والاختلاس وخيانة الامانة او الاستيلاء بالقوة على عين موقوفة او البناء في ارض موقوفة او التصرف في عين موقوفة تصرفا ناقلا للملكية او المساهمة في ذلك فهذه القضايا الجنائية وغيرها يختص بها القضاء الجنائي, ومن خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد ان المدعى عليهما كانا قد ارتكبا افعالا جنائية في مال الوقف فالمدعي الاول قام بالبيع و الشراء في الدكان من غير اذن الوقف والثاني قام بالبناء على ارض الوقف والفعلان مجرمان بموجب التعديل في قانون الاوقاف الذي تم عام 2008م حسبما ورد في المادة (87) مكرر، والله اعلم.



تعليقات