شهادة الأولاد على الخلاف بين الوالدين
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
تتجاذب شهادة الاولاد
على النزاعات والخلافات التي تقع بين والديهم اعتبارات واسانيد كثيرة بعضها ترجح
قبول هذه الشهادات وبعضها تمنع قبول هذه الشهادات، ولان القانون عام ومجرد ومجمل
فانه لا ينظم هذه التفاصيل مع أهميتها وترك ذلك لاجتهاد القاضي، ولا ريب ان هذا
الموضوع يكثر الاحتياج له ويكثر السؤال عنه، ولذلك فقد اخترنا الاشارة بصورة موجزة
إلى تفاصيل هذا الموضوع بمناسبة التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية
بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 29/12/2010م في الطعن المدني رقم
(37927) لسنة 1430هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان رجلاً طلق
زوجته وكان لهما أربعة أولاد ثلاثة ابناء وبنت وبعد الطلاق اختلف المطلق ومطلقته
حيث ادعت المطلقة انها اشترت من مالها الخاص مساحة مجاورة لمنزل طليقها وقامت
بالبناء عليها من مالها كما ادعت بانها قامت ببناء الطابق الثاني في منزل مطلقها
وتشطببه وتاثيثه كاملاً بالإضافة إلى
ادعائها شراء بعض اثاث الطابق الاول، وامام المحكمة الابتدائية انكر المطلق دعوى مطلقته
وتقدم بدعوى مقابلة مفادها مطالبة المحكمة بفتح الطابق الثاني من منزله الذي قامت
مطلقته بإغلاقه، وقد سارت المحكمة في اجراءات نظر الدعوى حتى توصلت الى الحكم
(بقبول دعوى المدعية المطلقة والزام المدعى عليه بتخلية الغرفة الخارجية القائمة
على الأرض التي اشترتها المدعية وإلزام المدعى عليه بتسليم كامل المبالغ التي
انفقتها المدعية في بناء وتشطيب الطابق الثاني وذلك بحسب مايقدره خبيران عدلان
والزامه بتسليم المدعية الاثاث الخاص بها والمبالغ التي انفقتها في صيانة الدور
الأول من المنزل وشطب الدعوى المقابلة المرفوعة من المدعى عليه) وقد ورد في اسباب
الحكم الابتدائي ( ان المدعى عليه قد اقر ضمناً بالدعوى حينما قال ان المدعية
مطلقته قد قامت بدفع المبالغ المدعى بها إلا أنه قال ان ذلك من ماله الخاص الذي
كان يرسله اليها من السعودية، وبناءً على طلب المدعية والمدعى عليه فقد استمعت
المحكمة الى شهادة اولادهما عن مصير المال الذي كانت تدفعه والدتهما في شراء الأرض
والبناء عليها وبناء وتشطيب الطابق الثاني وكذا الاثاث حيث اتفقت شهادة الأولاد
على ان أمهم المدعية باعت ما خصها من الميراث من بعد أبيها وامها وشطبت الطابق
الأرضي واشترت الابواب والنوافذ وشراء مواد السباكة واشترت ثلاثة دواليب خشب
وتلفزيون ودشاً وأدوات مطبخ وحمام وقد قام أبوهم بتأجير الغرفة الخارجية للغير
واستأثر بإيجارها لنفسه كما شهدوا بان أمهم قامت بشراء الأرض المجاورة للمنزل
فقامت ببناء دكان فيها وقامت بتوسيعه لاحقاً، وقد اطمأنت المحكمة إلى شهادة
الأولاد المذكورين إضافة إلى ان المدعية قدمت مستندات دلت على ارثها من ابيها
وامها كما ان المحكمة لم تعوٌل على شهادة البنت ..... بأن امها هي التي دفعت
تكاليف بناء الطابق الثاني كاملاً لان شهادة البنت اختلفت مع شهادات اخوتها
الذكور، اما مايخص الدعوى المقابلة المرفوعة من المدعى عليه الأصلي ضد مطلقته
المدعية الأصلية فقد اقر المدعي المقابل بأنه قد قام بفتح الطابق الثاني بأمر
منالشرطة ولذلك فقد شطبت المحكمة تلك الدعوى) فلم يقبل الوالد المدعى عليه بالحكم
الابتدائي فقام باستئنافه وذكر في استئنافه بأن الحكم الابتدائي قد بني على شهادة
أولاده وشهاداتهم فيها تهمة لانهم يجلبون بها نفعاً أو يدفعوا بها ضررا فشهاداتهم
غير مقبولة شرعاً وقانوناً وقال بان الأرض التي اشترتها زوجته باسمها كان ثمن تلك
الأرض حوالة منه قام بتحويلها إلى زوجته اثناء عمله في السعودية في ذلك الحين، إلا أن الشعبة المدنية
رفضت استئنافه وقضت بتأييد الحكم الابتدائي، وقد ورد في اسباب الحكم الاستئنافي
(بعد الاطلاع على ملف القضية تبين ان الحكم الابتدائي المطعون فيه قد بني على
شهادات اولاد المدعية والمدعى عليه واقراره الضمني بان زوجته هي التي قامت بالشراء
حسبما ورد في استئنافه ولم يقدم المستأنف أي دليل على ادعائه) فلم يقنع الوالد
بالحكم الاستئنافي حيث قام بالطعن فيه بالنقض أمام الدائرة المدنية بالمحكمة
العليا التي قضت برفض الطعن واقرار الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم
المحكمة العليا (اما في الموضوع فان ما نعى به الطاعن على الحكم الاستئنافي المؤيد
للحكم الابتدائي وقول الطاعن بانه باطل لمخالفته للشرع والقانون لانه قد بني على
شهادة الأولاد الذين جلبوا لأنفسهم بشهاداتهم نفعاً، وحيث ان الثابت من الحكم
المطعون فيه ان الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم الاستئنافي قد بني على شهادات أولاد
المدعية والمدعى عليه بالإضافة إلى اقراره الضمني بأن المدعية هي التي قامت
بالشراء ولذلك فان طعنه قد تضمن تكرار للأسباب ذاتها التي سبق له اثارتها أمام
محكمة الموضوع وفصلت فيها) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه
الأتية :
الوجه الأول : شهادة الأولاد على الخلاف بين والديهم في القانون اليمني :
نظم قانون الاثبات
احكام الشهادة إلا انه لم يتناول هذه المسألة؛ وبناءً على ذلك فأن المرجع لبيان
ذلك هو أحكام الفقه الإسلامي، حيث ذهب غالبية الفقهاء إلى جواز شهادة الولد لاحد
الابوين على الأخر فقد قال صاحب الفواكه الدواني (تصح شهادة الولد لأحد ابويه على
الأخر ان لم يظهر ميل للمشهودله وكذا تجوز الشهادة على الوالدين للغير لقوله تعالى
{كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين أو الاقربين} .
الوجه الثاني : الاعتبارات والاسانيد التي ترجح قبول شهادات الأولاد على الخلاف بين والديهم :
الحكم القضائي يجب ان يكون عنوان الحقيقة، فلا يكون الحكم كذلك في
الخلافات التي تنشاء بين الوالدين إلا اذا استطاع القاضي ان يقف على الحقيقة من
خلال الاستماع الى شهادات الملازمين والمصاحبين والمعايشين للوالدين وهم اولادهم الذين وقفوا على كافة تفاصيل
الخلاف بين والديهم ؛ولا شك ان الاولاد هو أكثر الناس دراية ومعرفة ومشاهدة لأسباب
الخلاف بين الوالدين ووقائعه وتفاصيله، كما ان درجة قرابة الأولاد من والديهم
واحدة فالولد ولد للأب والأم في ان واحد ولذلك تنتفي مظنة شبهة أو تهمة العداوة أو
المحبة لأي من والديه؛ فالولد وهو يؤدي الشهادة لا يكون عندئذ متهماً في شهادته
كما ان درجة قرابته المتساوية من والديه تمنعه من الميل لأي منهما فيكون الولد
عندئذ حريصاً على قول الحقيقة في شهادته، علاوة على ان مسائل الخلاف بين الوالدين
أو الازواج لا يطلع عليها إلا الأولاد فاذا منعنا شهادات الاولاد على الخلافات
فيما بين والديهم فسوف يتعذر إثبات حقوق ومصالح الوالدين وتبعاً لذلك يتعذر معرفة
المحق والمبطل وتطبيق حكم الشرع والقانون وإقامة العدل الذي أمر الله بإقامته.
الوجه الثالث : الاعتبارات التي يستند اليها من يقول بعدم قبول شهادة الولد في الخلاف بين والديه :
تتلخص هذه الاعتبارات
في ان الولد مأمور بطاعة والديه وتقديم الام في ذلك عملا بحديث : امك ثم امك ثم
امك ثم ابيك؛ وقد المح الوالد في الحكم محل تعليقنا الى ذلك الماحا الا انه لم
يحسن القول حينما قال بان الاولاد يدفعون بشهاداته لانفسهم نفعا ويدفعون عن انفسهم
ضررا ؛ ولذلك فشهادة الولد على الخلاف بين والديه يكون فيها ميل الى امه؛
اضافة الى انه ليس من الطاعة ان تكون
شهادة الولد سبباً للحكم على أبيه أو أمه التي تكون مدعاة لغضب وسخط الوالد
المحكوم عليه بناءً على شهادة الولد الشاهد عليه،فضلا عن ان وقوف الولد كشاهد في
الخلاف فيما بين أبيه وأمه يوقعه في حرج عظيم، كما ان شهادة الولد على النزاع فيما
بين أمه وأبيه يزيد من حدة التفكك والاستقطاب داخل الاسرة ويوسع نطاق الخلاف داخل
الاسرة، ولذلك فان الفقهاء يذهبون الى انه لا يتم استشهاد الأولاد على الخلاف بين
والديهم إلا اذا تعذر إثباته بغير ذلك.
الوجه الرابع : اختلاف شهادات الاولاد في الخلاف بين والديهم :
حدد قانون الإثبات في المادة (49) حالات اختلاف الشهود التي لا تبطل الشهادة مثل اختلاف الشهادات في الفاظها أو مقدار المشهود به أو صفته، ولذلك فان هذا الامر ينطبق على شهادات الاولاد، ولكن شهادات الاولاد اذا تناقضت في مضمونها ومعناها تساقطت عند تساوي عدد الشهود المختلفين اما اذا لم يكن عدد الشهود المختلفين متساوياً فلا تسقط حيث يرجح الجانب الكثير العدد واذا انفرد احد الشهود بزيادة في شهادته عن بقية الشهود فلا يأخذ بشهادته الا على سبيل القرينة ؛ولذلك لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا لم يأخذ بشهادة البنت بان امها هي التي قامت ببناء الطابق الثاني لانها انفردت بشهادتها خلاف شهادات اخوانها الذكور ولا قرينة تساند شهادتها، والله اعلم.
