التعويض عن التقاضي الكيدي

 

التعويض عن التقاضي الكيدي

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

التقاضي الكيدي ظاهرة سلبية يعاني منها القضاء اليمني، فلا يمكن تطوير القضاء واصلاحه الا بدراسة هذه الظاهرة وتشخيصها واقتراح التدابير والمعالجات المناسبة لتجاوزها، ومن وسائل مواجهة هذه الظاهرة الزام كل من تعمد التقاضي الكيدي بتعويض المضرور من ذلك التعويض المناسب للضرر الذي لحقه بسبب التقاضي الكيدي، إضافة إلى الحكم عليه بغرامة باهضه للخزينة العامة ؛ لان التقاضي الكيدي يرهق الخصوم ويرهق القضاء والقضاة والعدالة، ولكن مفاهيم التعويض والغرامة ومصاريف التقاضي تتداخل عند البعض مع ان كل مصطلح منها له هدف وغرض محدد فلا يحل اي منها محل الأخر، ولذلك فان هذا الموضوع يحتاج إلى تسليط الضوء عليه والتوعية والتوصية بشأنه ؛ومن هذا المنطلق فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26/1/2010م في الطعن المدني رقم (38007) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم، ان احد الاشخاص نازعه شخصان في ارض استأجرها من الدولة وبعد مدة طويلة ثبتت احقيته في الانتفاع بتلك الارض بحكم بات صادر من المحكمة العليا بعد ان تكبد المحكوم له  مبالغ طائلة ولحقت به اضرار باهضة فقام المحكوم له بتقديم دعوى أمام المحكمة الابتدائية المختصة ضد المدعى عليهما طلب المدعي من المحكمة الزام المدعى عليهما بتعويضه عن الضرر الذي اصابه جراء التقاضي الكيدي واطالة اجراءات التقاضي بالإضافة الى الزام المدعى عليهما بدفع كافة المصاريف والنفقات التي تكبدها خلال فترة التقاضي الطويلة التي استغرقت ما يقارب خمس عشرة سنة، وقد سارت المحكمة الابتدائية في اجراءات نظر القضية حتى انتهت إلى الحكم (بالزام المدعى عليهما بتسليم المصاريف التي انفقها المدعي من بداية المحاكمة إلى نهايتها إضافة إلى تعويضه عما غرمه بسبب تعطيله عن العمل اثناء متابعة القضية وذلك مبلغ اثنان مليون ومائة الف ريال) فلم يقبل المدعى عليهما بالحكم الابتدائي فقاما باستئنافه فقبلت محكمة الاستئناف استئنافهما وقضت (بإلغاء الحكم الابتدائي واعادة ملف القضية إلى المحكمة الابتدائية لنظرها مجدداً والفصل فيها) وقد ورد في حيثيات هذا الحكم (فقد نصت المادة (258) مرافعات على كيفية الزام المحكوم عليه بالنفقات ولذلك فان الحكم للمدعي بالتعويض يخالف القانون ولا أصل له في قانون المرافعات البتة، ومن جهة ثانية فان المحكمة الابتدائية قد خالفت في حكمها احكام القانون بعدم اتباعها الاجراءات الصحيحة لتقدير النفقات والمصاريف القضائية ذلك ان الحكم بها يكون في الحكم الصادر في الخصومة الأصلية فان لم يتم تضمينها في الحكم يتم تقريرها بأمر على عريضة يكون محتوياً على قائمة مفصلة بالنفقات المحكوم بها) فلم يقبل المدعي بالحكم الاستئنافي فقام بالطعن فيه بالنقض فقبلت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (وحيث ان محكمة الاستئناف المطعون في حكمها هي محكمة موضوع كان عليها ان تفصل في الموضوع عندما الغت الحكم الابتدائي المستأنف امامها دون اعادة القضية الى محكمة أول درجة، كما كان ينبغي على الشعبة الاستئنافية ان تأخذ في اعتبارها الملاحظات الأتية :

1- ان على المحكمة من تلقاء ذاتها ان تحكم بالزام المحكوم عليه بنفقات المحاكمة في الحكم الذي تنتهي به الخصومة امامها ولو لم يطلب منها أي طرف من اطراف الخصومة ذلك، فاذا لم تقرر نفقات المحاكمة في الحكم قام بتقديرها رئيس المحكمة التي اصدرت الحكم بناءً على طلب المحكوم له بأمر على عريضة يكون محتوياً على قائمة مفصلة بالنفقات المحكوم بها حسبما ورد في المادتين (258 و 261) مرافعات.

2- اما اذا اغفلت المحكمة الحكم بنفقات المحاكمة رغم طلبها فان لصاحب المصلحة في الخصوم استدعاء خصمه للحضور امامها بالطرق المقررة لرفع الدعوى لنظر هذا الطلب والحكم فيه طبقاً للمادة (232) مرافعات.

3- ان التعويضات لا تدخل في مفهوم نفقات المحاكمة المحددة في المادة (257) مرافعات لذلك فان طلبها يكون بتقديم دعوى مستقلة اذا كان له مقتضى وتعتبر الدعوى حقاً لرافعها لا يجوز مساءلته على استعمال حقه مالم يكن الهدف من استعمال هذا الحق هو الكيد والاضرار بالمدعى عليه أو مشاغلته وأمر تقدير الكيد متروك لمطلق تقدير المحكمة تستنتجه من ظروف كل قضية) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : ماهية التقاضي الكيدي :

يرادف مصطلح التقاضي الكيدي مصطلحات عدة منها: سوء استعمال حق التقاضي ومصطلح التعسف في استعمال حق التقاضي ومصطلح الانحراف في استعمال حق التقاضي، وان تعددت هذه المصطلحات إلا ان مفهومها ومدلولها واحد عند غالبية شراح المرافعات، فيتحقق التقاضي الكيدي حينما لا يهدف المتقاضي الى حماية حق او المطالبة به  وانما الكيد والارهاق لخصمه في وقته وماله وجهده وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا كان الحق الذي يطلبه المتقاضي او يحميه تافهاً أو عديم الجدوى وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا تعمد المتقاضي إطالة اجراءات التقاضي عن طريق الدفوع والطلبات والطعون التي ليس لها اساس صحيح في القانون أو اذا قصد المتقاضي الاساءة والتشهير أو السب لخصمه أو محاميه في المرافعات، وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا قام الخصم برفع دعواه قبل اوانها أو رفعها امام محكمة غير مختصة مكانياً أو نوعياً وهو يعرف المحكمة المختصة أو رفع دعوى سبق الحكم فيها أو التصالح والتحكيم بشأنها وغير ذلك من الامثلة والشواهد التي لا يتسع المجال لذكرها في هذا التعليق الموجز، وقد اشار ابن فرحون في كتابه (تبصرة الحكام) الى التقاضي الكيدي فقال (لو أدعى الصعاليك على أهل الفضل دعاوى باطلة وليس لهم من قصد الا التشهير بهم وايقافهم أمام القضاء ايلاماً وبهتاناً لا تسمع الدعوى ويؤدب المدعي) وقد قضت محكمة النقض المصرية بان ( حق التقاضي وان كان من الحقوق العامة التي تثبت للكافة الا انه لا يسوغ لمن يباشر هذا الحق الانحراف به عما شرع له واستعماله كيدياً ابتغاء مضارة الغير وإلا حقت مساءلته والزامه بتعويض الاضرار التي تلحق الغير بسبب اساءة استعمال هذا الحق) وقضت في حكم اخر بان (حق الالتجاء الى القضاء هو من الحقوق التي تثبت للكافة فلا يكون من استعمله مسؤولاً عما ينشأ من استعماله من ضرر للغير الا اذا انحرف بهذا الحق عما وضع له واستعمله استعمالاً كيدياً ابتغاء مضارة الغير) وكذا قضت محكمة النقض المصرية بانه ( لما كان حق الالتجاء الى القضاء مقيداً بوجود مصلحة جدية مشروعة فاذا تبين ان المدعي لم يقصد بها الا مضارة خصمه فانه لا يكون قد باشر حقاً مقرراً بمقتضى القانون بل يكون عمله  خطأ يجيز الحكم عليه بالتعويض).

الوجه الثاني : موقف القانون اليمني من التقاضي الكيدي:

مع ان ظاهرة التقاضي الكيدي سائدة في اليمن ضمن منظومة ثقافة المغالطة والشطارة والفهلوة التي يتباهى بها الخصوم ومحاميهم الا ان موقف قانون المرافعات  كان سلبيا حيث اكتفى قانون المرافعات بتقديم الموعظة الحسنة والامنية الطيبة في المادة (18) التي نصت على ان (ممارسة حق التقاضي تقوم على حسن النية) وكذا قصر القانون حق المطالبة بالتعويض على الموكل الذي يطالب محاميه بتعويضه اذا كان محاميه قد تعمد القيام باجراءات غير صحيحة  حيث نصت المادة (260) مرافعات على انه (للموكل حق طلب الحكم بالتعويض على المحامي الذي تعمد مباشرة اجراءات غير صحيحة حكم ببطلانها).

الوجه الثالث : التعويض عن التقاضي الكيدي :

 مع ان قانون المرافعات قد اضرب عن تنظيم التعويض عن التقاضي الكيدي فان ذلك لايعني عدم احقية المضرور من التقاضي الكيدي  في المطالبة بتعويضه عما لحقه من ضرر ومافاته من كسب بسبب التقاضي الكيدي ؛واساس هذه المطالبة او الدعوى هو المسؤولية التقصيرية التي نظمها القانون المدني باعتباره الشريعة العامة حيث تنطبق احكام واركان  المسؤولية التقصيرية من خطا وضرر وسببية على التقاضي الكيدي فركن الخطا يتحقق بإسأءة الخصم وانحرافه في استعمال حقه في التقاضي  حسبما سبق بيانه ولاشك انه هذا الانحراف يتسبب في الحاق الضرر وتفويت الكسب عن الخصم المقابل وبذلك يتحقق ركنا الضرر والسببية وتبعا لذلك تتحقق احكام المسوولية التقصيرية مما يستوجب تعويض المضرور تعويضاً مناسباً على قدر الضرر الذي لحق به أو الربح الذي فاته بسبب التقاضي الكيدي وقد قضت محكمة النقض المصرية (بان الخصم الذي يرفع على خصمه دعاوى عدة لا أصل لها يكون مسؤولاً عن تعويض جميع الاضرار المالية والمعنوية التي تصيب خصمه بالغة ما بلغت ما دامت هذه الدعاوى لم يقصد بها في الحقيقة المطالبة بحق أو الدفاع عن مصالح جدية مشروعة وتبين للقضاء ان رفعها كان بسوء نية وبقصد جر خصمه إلى ساحات القضاء للتشهير به ولإجباره على صرف مصاريف ورسوم كان في غنى عنها) وهذا ما اكده حكم المحكم العليا محل تعليقنا.

الوجه الرابع : موقف الحكم محل تعليقنا من التعويض عن التقاضي الكيدي :

صرح حكم المحكمة العليا محل تعليقنا بأحقية المضرور من التقاضي الكيدي في التعويض المناسب لمالحقه من ضرر اوفاته من كسب استنادا الى احكام المسوولية التقصيرية المنصوص عليها في القانون المدني بخلاف الحكم الاستئنافي الذي ذهب الى ان التعويض لا اصل له في قانون المرافعات  ونعلق على ذلك بان التعويض عن التقاضي الكيدي اذا لم يكن له اصل في قانون المرافعات فان له اصل واساس متين في القانون المدني ؛ولذلك فان حكم المحكمة العليا قد اكد على صحة دعوى التعويض عن التقاضي الكيدي  التي طالب فيها المدعي بتعويضه عن التقاضي الكيدي، الا ان محكمة الموضوع قد اخطأت في تقدير مصاريف التقاضي ولم تتبع الاجراءات القانونية في تقديرها في هذه الحالة عن طريق الامر على عريضة وقامت بدمج المصاريف القضائية مع التعويض بمبلغ واحد حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا.

الوجه الخامس : توصية ونصيحة للمقنن اليمني :

ظاهرة التقاضي الكيدي ظاهرة سائدة في القضاء اليمني بل هي الغالبة على اجراءات التقاضي وهي بحاجة الى مواجهة تشريعية بل قد تصدت دول عدة لهذه الظاهرة رغم انحسارهذه الظاهرة في تلك الدول حيث قامت تلك الدول باصدار قوانين وقرارات لمواجهة هذه الظاهرة حيث فرضت عقوبات جزائية وجزاءات اجرائية لمواجهة هذه الظاهرة، اما قانون المرافعات اليمني فموقفه سلبي للغاية  في مواجهة هذه الظاهرة ؛ولذلك ينبغي تضمينه الحكم على من ثبت سلوكه التقاضي الكيدي عقوبة تعزيرية إضافة إلى الجزاءات الاجرائية علاوة على تضمينه بتعويض المضرور عما لحقه من ضرر أو فاته من كسب
بسبب التقاضي الكيدي، والله اعلم.



تعليقات