الإستدلال بمقارنة القات المسروق
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
القات اصناف وانواع بحسب مناطق زراعته بل يختلف بحسب إختلاف الحقول والمزارع التي تزرعه، ولذلك يمكن الاستدلال على جريمة السرقة التعزيرية بمقارنة القات المسروق بالقات المزروع في حقل معين او بالقات الذي يبيعه بائع معين، غير ان القات المعين النوع عندما تتم سرقته من السوق ويتعدد باعته فلا يمكن عندئذ الاستدلال بمقارنة القات لإثبات السرقة التعزيرية للقات حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، وهو الحكم الصادر من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 12/2/2013م في الطعن رقم (46101)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان النيابة العامة اتهمت شخصين بانهما قاما بفتح دكان لبيع القات وسرقة ثمان ربط كبيرة من القات البلدي قيمة الواحدة خمسون الف ريالا كما قاموا بسرقة جنبيتين(خناجر يمانية) ومسدس، واستدلت النيابة بشهادة شهود شاهدوا المتهمين بالسرقة وهم يتناولون من نوع القات ذاته الذي يبيعه المجني عليه، وقد توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم ببراءة المتهمين والزام صاحب القات بدفع مبلغ مائتي الف ريالاً للمتهمين مصاريف التقاضي، وقد ورد ضمن اسباب الحكم ان السرقة الحدية والتعزيرية لم تثبت في هذه القضية بالطرق الشرعية والقانونية المعتبرة حيث لم يشهد احد من الشهود برؤية المتهمين يفتحا باب الدكان ويأخذ المسروقات وإنما كل الادلة التي ساقتها النيابة هي عبارة عن شهادات شهود شاهدوا المتهمين وهما يتناولا القات البلدي من النوع ذاته الذي يبيعه المجني عليه، وهذا ليس دليل كافيا طالما والقات البلدي الذي يبيعه المجني عليه يباع في اكثر من دكان في السوق ،ولذلك فتعاطي المتهمين للقات البلدي المشار اليه لا يعني انهما اخذاه من دكان المجني عليه، فمقارنة مخلفات القات (العفل) بالقات الذي يبيعه المجني عليه لا تصلح دليلاً لإثبات السرقة الحدية او التعزيرية، وقد قضت الشعبة الجزائية بتأييد الحكم الابتدائي ثم اقرت الدائرة الجزائية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا (وبرجوع الدائرة إلى أوراق القضية فقد وجدت ان الحكم الاستئنافي المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي وعريضة الطعن فقد وجدت الدائرة ان الطعن عبارة عن جدل ونقاش في المسائل والوقائع الموضوعية التي تختص بتقديرها محكمة الموضوع دون معقب عليها طالما الثابت انها اعملت القانون إعمالاً صحيحاً وبنت حكمها المطعون فيه على أسباب قانونية سائغة تقوى على حمله حيث خلصت من خلالها الى تقرير براءة المطعون ضدهما من الاتهام المنسوب اليهما لعدم قيام الدليل المعتبر شرعاً وقانوناً، لما كان الامر كذلك فانه يتعين رفض الطعن موضوعاً) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية :
الوجه الأول : كيفية المقارنة بين القات المسروق وقات المزارع والبائع المسروق منه :
كانت النيابة العامة قد استدلت في قرار الاتهام بشهادات الشهود الذي شهدوا على انهم قارنوا بين القات الذي تناوله المتهمان والقات البلدي الذي يبيعه المجني عليه وتأكد للشهود ان القات الذي تناوله المتهمان هو من عين القات الذي يبيعه صاحب الدكان المسروق منه كما استدلت النيابة بقرينة ان المتهمين لا يملكا المال الكافي لشراء ذلك النوع من القات الثمين، إلا أن المحكمة الابتدائية لم تقبل استدلال النيابة العامة بذلك لان القات البلدي أو النوع الذي يبيعه صاحب الدكان المسروق منه لا يحتكر بيع ذلك النوع من القات وانما يبيعه باعة كثيرون في السوق غير صاحب الدكان كما انه يحتمل ان يكون المتهمان قد حصلاً على القات العالي الثمن الذي تناولاه كهبة من احد المشترين الاغنياء الذين يشترون هذا النوع من القات الغالي، بمعنى ان لو كان هذا النوع من القات يتم بيعه حصرياً من قبل صاحب الدكان المسروق منه لكان تناول المتهمين لذلك النوع من القات قرينة قاطعة على سرقتهما التعزيرية، كذلك تكون المقارنة بين القات المسروق وبين القات المزروع في موضع زراعي معين قرينة قاطعة على السرقة التعزيرية حيث تتم المقارنة بين القات المدعى سرقته وبين اشجار القات المزروعة في الموضع فاذا كان القات المسروق مماثل لذلك القائم في المزرعة فان ذلك يعد قرينة قاطعة على السرقة التعزيرية الموجبة لتعزير السارق وليس إقامة حد السرقة عليه.
الوجه الثاني : إمكانية إقامة حد السرقة بموجب قرينة المقارنة بين القاتين :
بحث هذه الإمكانية يحتاج إلى الاشارة إلى إمكانية إقامة حد السرقة بناء على القرائن كالتصويرمن قبل كاميرات المراقبة او التسجيل الصوتي او البصمات وتندرج المقارنة بين القاتين من ضمن القرائن التي تصاحب واقعة السرقة، وبشأن إثبات حد السرقة بالقرائن المشار اليها وغيرها فان الفقه الإسلامي يقيد الإثبات فيما يتعلق بجرائم الحدود ومن ضمنها السرقة حيث يحصر الفقهاء إثبات جريمة السرقة الحدية في الشهادة والإقرار فلا مجال عندهم لإثبات السرقة الحدية بالقرائن، لان الفقه الإسلامي ينظر إلى القرائن على انها شبهات والحدود تدرأ بالشبهات ولا تثبت بها، كما ان الشبهات تفيد الظن وليس اليقين فالتصوير لا يؤمن من الدبلجة والتسجيل لا يؤمن من تقليد الاصوات كما ان اشجار القات تتشابه كثيراً، لكن اذا كان من المتعذر إثبات حد السرقة بالقرائن على النحو السابق بيانه إلا ان السرقة التعزيرية يجوز إثباتها بالقرائن باتفاق الفقه الإسلامي، وقد اخذ قانون العقوبات اليمني بما ذهب اليه الفقه الإسلامي حيث منع إثبات حد السرقة بالقرائن واجاز إثبات السرقة التعزيرية بالقرائن وعاقب عليها بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات حيث نصت المادة (300) عقوبات على انه (اذا ارتكب الفاعل جريمة سرقة ولم تتوفر في فعله شروط الحد او سقط الحد لأي سبب من اسباب السقوط اذا لم يصاحب الجريمة إكراه أو تهديد يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات).
الوجه الثالث : قوة القرائن الثبوتية وتأثيرها في عقوبة السرقة التعزيرية :
لا شك ان القرائن تختلف مرتبتها الثبوتية من حيث القوة والضعف فليست القرائن في مرتبة واحدة، فمثلاً تصوير كاميرات المراقبة (فيديو) بالصوت والصورة يحتل اعلى مرتبة بل انه كالمعاينة والمشاهدة لواقعة السرقة وهكذا تختلف القرائن من حيث قوتها الثبوتية، ولذلك يكون للقرينة في هذه الحالة تأثير بالغ في تقدير العقوبة التعزيرية التي يتم توقيعها على السارق في هذه الحالة، لان القانون نص على عقوبة السارق التعزيرية الحبس لمدة لاتزيد على ثلاث سنوات، ولذلك كلما كانت القوة الثبوتية للقرينة قوية كلما زادت مدة الحبس، مع العلم ان القاضي عندما يقدر العقوبة التعزيرية لا يقدرها على أساس القوة الثبوتية للدليل فقط وإنما يراعي في ذلك اعتبارات أخرى كظروف السارق وغيرها من ضوابط تقدير عقوبة السرقة التعزيرية، والله اعلم.
"ملاحظة للقراء من غير اليمن : القات مادة منبهة يتعاطاها غالبية اليمنيين وهو كالشاي يحتوي على مادة الكاتين وهي مادة منبهة مثل مادة الكافين الموجودة في القهوة والشاي، وتتعدد اصناف القات إلى اصناف مختلفة غير ان ثمن القات اغلى بكثير من الشاي".
