رجوع الكفيل على المكفول عليه بما غرم

 

رجوع الكفيل على المكفول عليه بما غرم

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من الإشكاليات العملية الخلافات التي تحدث فيما بين الكفيل والمكفول عليه بشأن المصاريف والمخاسير والمصاريف التي يتكبدها الكفيل للقيام بكفالته، وقد تناول هذه المسألة الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/1/2015م في الطعن رقم (56303) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان الكفيل تقدم أمام المحكمة الابتدائية مدعياً بانه  قد كفل المكفول عليه في عدم تعديه وتنفيذ حكم المحكمة وان الكفيل في سبيل قيامه باعباء الكفالة قد تكبد اغرام ومصاريف كثيرة وطلب المدعي من المحكمة إلزام المدعى عليه بدفع كافة المبالغ التي تكبدها الكفيل بسبب كفالته على المكفول عليه، وقد توصلت المحكمة إلى الحكم برفض الدعوى لعجز المدعي عن إثبات المبالغ التي دفعها وان الأصل أن الكفالة تكون تبرعا من غير اجر  مع ان المدعي كان قد اثبت الاعمال التي قام خاصة مايتعلق بقيامه بتنفيذ الحكم على الكفيل وتسليم   المواضع المحكوم بها للمكفول عليه والاضرار التي لحقت به جراء قيام المحكمة والجهات المختصة بالرجوع عليه وحبسه وتغريمه عند مباشرة اجراءات التنفيذ، وقد سببت المحكمة الابتدائية حكمها بان الأصل في الكفالة التبرع عملاً بنص المادة (1035) مدني، فلم يقبل الكفيل بالحكم الابتدائي فقام باستئنافه فقبلت الشعبة المدنية الاستئنافية وقضت بإلغاء الحكم الابتدائي، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي ( فيتضح بان ما قضى به الحكم الابتدائي محل نظر ,لان ذلك الحكم قد اثبت صدور الكفالة من الكفيل في تنفيذ الحكم الصادر على المكفول عليه إلا أن الحكم الابتدائي لم يحكم للكفيل بتعويضه  عما لحقه من غرامات ومتاعب بسبب كفالته، فالحكم الابتدائي بدلاً من الاستماع الى ادلة الكفيل ومناقشتها والتحقق من قدر الغرامة التي تكبدها الكفيل جزم بعدم استحقاقه شيئاً مما أدعاه، والشعبة من خلال رجوعها إلى أوراق القضية تجد ان القول قول الكفيل فيما غرمه، ومن كان القول قوله فاليمين عليه عملا بالقاعدة الشرعية، فلا يقال بأن الأصل في الكفالة التبرع لانه يجوز ان تكون بمقابل أيضاً ،فالكفيل في هذه القضية لا يطلب اجراً عن كفالته بل يطلب عوضاً عما غرمه بسببها) فلم يقبل المكفول عليه بالحكم الاستئنافي فقام بالطعن فيه بالنقض حيث قبلت الدائرة المدنية الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا ( فلو أن محكمة الاستئناف مصدرة الحكم المطعون فيه وهي تعلم انها محكمة موضوع رجعت إلى المادة (146) إثبات التي تنص على أنه (لا يجوز للمحكمة أن توجه للمدعي اليمين المتممة لتحديد قيمة المدعى به إلا اذا استحال تحديد هذه القيمة بطريقة أخرى وعلى المحكمة في هذه الحالة ان تضع حداً اقصى للقيمة التي يصدق فيها يمينه) وحيث انه قد جاء في حيثيات حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه القول : ولقد قدم المستأنف أدلته المفيدة أنه تكبد غرامات ومتاعب بسبب كفالته ولكن الحكم الابتدائي بدلاً من النظر في تلك الأدلة ومناقشتها والتحقق من قدر الغرامة التي يطلبها المدعي) بعد هذا التوضيح في حيثيات الحكم الاستئنافي كان لزاماً على محكمة الاستئناف ان تقوم هي بنظر تلك الأدلة ومناقشتها والتحقق من قدر الغرامة التي يطلبها المدعي وتطبق المادة السابق ذكرها وهي المادة (146) إثبات فاذا حلف المدعي اليمين المتممة حسبما وجهتها اليه المحكمة اعتبرت دعواه ثابتة قانوناً فتحكم له بطلباته المحددة قيمتها أمام المحكمة حسبما وضحت المادة المشار اليها واذا نكل عنها خسر دعواه وحكم برفضها بموجب المادة (147) من قانون الإثبات أيضاً) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية 

الوجه الأول : اجر الكفالة والتعويض عما غرمه الكفيل :

من خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد انه كان هناك خلطا واضحاً بين اجر الكفالة وبين المبالغ التي تكبدها الكفيل للقيام بأعباء الكفالة، حيث ان الحكم الابتدائي كان قد تعامل مع مطالبة الكفيل على انها من قبيل اجرته عن الكفالة فلم يقبل الحكم الدعوى لان الأصل في الكفالة التبرع ويصح ان تكون باجر بحسب العرف حسبما ورد في المادة (1035) مدني، في حين ان الحكم الاستئنافي تعامل مع دعوى الكفيل على أنها مطالبة للمكفول عليه بدفع ما غرمه الكفيل بسبب قيامه بأعباء الكفالة لصالح المكفول عليه، فذلك بمثابة تعويض الكفيل عن المبالغ التي دفعها للقيام بأعمال الكفالة مثل متابعة المحكمة ومتابعة المكفول عليه نفسه وجهات الضبط وغيرها، وبناء على ذلك فلا تكون هذه المطالبة مطالبة بأجرة الكفالة وذلك جائز وفقاً للمادة (1051) مدني التي اجازت للكفيل الرجوع على المكفول عليه بما اداه عن المكفول عليه.

الوجه الثاني : حالة توجيه اليمين المتممة :

قضى حكم المحكمة العليا بنقض الحكم الاستئنافي لانه كان قد حكم بتوجيه اليمين المتممة للكفيل دون ان يتأكد من قيمة للمبالغ المطلوب أداء اليمين عليها وما اذا كانت  الأدلة كافية لاثبات  الدعوى من غير اللجوء إلى اليمين المتممة ،فلا تستطيع المحكمة التأكد من كفاية الأدلة دون مناقشة هذه الأدلة ووزنها وتقديرها فان قلت عدم كفاية الادلة فعندئذ ينبغي تقدير قيمة الشئ المدعى به حتى يحلف المدعي على قيمة أو شئ محدد وهو مالم تقم به محكمة الاستئناف، وسند حكم المحكمة العليا المادة (146) إثبات التي صرحت بانه لا يجوز اللجوء إلى اليمين المتممة إلا في حالة استحالة تحديد قيمة المدعى به في ضوء الأدلة بحيث تنصب اليمين على مبلغ أو قيمة محددة لان اليمين  يجب ان  تنصب على مبلغ أو قيمة معينة أو شيئً معينً فلا ينبغي أن توجه على قيمة أو شيء مجهول.

الوجه الثالث : دور محكمة الاستئناف في استدراك اخطاء الحكم الابتدائي وإصلاح عيوبه :

كان ضمن أسباب قضاء حكم المحكمة العليا بنقض الحكم الاستئنافي ان الشعبة التي اصدرته قضت بتوجيه اليمين المتممة ونعت على الحكم الابتدائي أنه لم يناقش ادلة الكفيل إلا أن محكمة الاستئناف باعتبارها محكمة موضوع لم تقم بدورها بمناقشة الأدلة ووزنها وتقديرها وتقدير قيمة المدعى به الذي سيتم حلف اليمين المتممة عليه وفي ضوء ذلك تقوم محكمة الاستئناف ذاتها بتوجيه اليمين اذا وجدت لذلك مقتضى بحسب النص السابق ذكره، إلا أن محكمة الاستئناف اكتفت بذكر عيوب الحكم الابتدائي حسبما ورد في أسباب الحكم الاستئنافي ولكنها لم تصلح تلك العيوب على  باعتبارها محكمة موضوع يتم اعادة طرح النزاع أمامها فيجب عليها استدراك مافات على محكمة أول درجة وان تصحح الأخطاء التي تقع من محكمة أول درجة، والله اعلم.



تعليقات