جريمة الاعتداء على أراضي الوقف
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
الاعتداء على اموال
الوقف جريمة يعاقب عليها القانون، وهي جريمة جسيمة وفقا لقانون الوقف بخلاف
الاضرار والاعتداء على الاموال الخاصة تلذي يعاقب عليها قانون الجرائم والعقوبات
باعتبارها جريمة غير جسيمة .لان هناك فرق بين اموال الوقف والاموال الخاصة من حيث
المالك لها والوظيفة لكل منهما.ومع ذلك
يحدث الخلط بين الجريمتين حيث يتم تكييف جريمة الاضرار والاعتداء على مال الوقف
على اساس ان هذا الفعل جريمة غير جسيمة. ولأهمية الاوقاف واهمية هذا الموضوع فقد
اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها
المنعقدة بتاريخ 8/3/2010م في الطعن الجزائي رقم (36564) لسنة 1430هـ وتتلخص وقائع
هذه القضية ان نيابة الاموال العامة احالت احد الاشخاص الى محكمة الاموال العامة
متهمة اياه بالاضرار بمال الوقف وذلك بان قام بتكسير جزء من اساس المصلى القديم
التابع لمكتب الاوقاف والارشاد ثم قام ببناء غرفة غير مسقوفة على جزء من الارضية
بقصد الاستيلاء عليها وطلبت النيابة معاقبة المتهم بموجب المادتين (17 و 321) عقوبات،
وقد سارت محكمة الاموال العامة في إجراءات المحاكمة حتى توصلت الى الحكم بادانة المتهم وحبسه شهراً والزامه بإزالة ما
احدثه مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل ، وقد استأنف المحكوم عليه الحكم الابتدائي
إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتأييد الحكم الابتدائي. فلم يقنع المحكوم عليه فقام
بالطعن في النقض إلا أن الدائرة الجزائية رفضت الطعن وأقرت الحكم الاستئنافي، وقد
ورد في اسباب حكم المحكمة العليا (اما من حيث الموضوع فان نعي الطاعن على الحكم
مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه لان الحكم المطعون فيه جاء غامضاً ومجملاً . والدائرة من خلال رجوعها الى أوراق القضية
تجد ان الطعن لم يتوفر فيه أي سبب من اسباب الطعن بالنقض حيث انه وسيلة لإطالة
اجراءات التقاضي كما ان اسباب الطعن غير مؤثرة في الحكم المطعون فيه لان الحكم قد
بني على أدلة لها اصل ثابت في أوراق القضية بما في ذلك اعتراف المتهم الطاعن بأنه
قام بالبناء في اساس المصلى القديم غرفة غير مسقوفة بعد أن قامت الدولة بتكسير ذلك
الاساس اثناء توسعة الشارع المجاور للمصلى القديم الامر الذي يتعين معه اعتبار
الطعن المرفوع من الطاعن قد بني على غير اساس مما يتعين رفضه) وسيكون تعليقنا على
هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الاتية :
الوجه الأول : الوضعية القانونية للمصلى القديم :
المصلى القديم المشار
اليه في الحكم محل تعليقنا هو مصلى عيد وليس مسجداً، وهذا المصلى لم يعد مستعملاً
لإقامة صلاة العيد فيه حيث تم اتخاذ مصلى للعيد بدلاً عنه(ملعب رياضي) يتسع
للمصلين فصار المصلى القديم مهجوراً وكان
ارتفاع جدرانه متر وقد تهدمت جدرانه فلم يبق الا اساس تلك الجدران وقد قام مكتب
الاشغال بتكسير اجزاء من ذلك الاساس بغرض توسعة الشارع المجاور. وينطبق على هذا
المصلى القديم المهجور حكم المسجد المهجور في المادة (41) وقف التي نصت على انه
(يجوز بأذن من الحاكم وباشراف الجهة المختصة نقل مواد المسجد ومصرفه من قفر إلى محل اهل بالسكان للمصلحة) وبمقتضى
هذا النص فالواجب ان تقوم الاوقاف بتقديم طلب إلى المحكمة التي يقع ضمن دائرة
اختصاصها المصلى وذلك بنقل غرض ومصرف
المصلى القديم المهجور لمنفعة المسجد او المساجد الواقعة على مقربة من المصلى
القديم في الحي الذي يقع فيه المصلى القديم ، اما توسعة الشارع العام على حساب
المصلى القديم المهجور فلا يجوز الا اذا قامت وزارة الاشغال بتعويض الاوقاف عن
مساحة التوسعة لان مال الوقف ليس مالاً عاماً فأموال الوقف مستقلة عن الأموال
العامة وينبغي تخصيص مبلغ التعويض في هذه الحالة كوقف لأي مسجد مجاور للمصلى
القديم وفي هذا المعنى نصت المادة (60) من قانون الوقف على انه ( اذا ابطل نفع
الوقف في المقصود أو نقصت غلته بالقياس الى قيمته بحيث لا يفي بغرض الواقف جاز
بيعه بمالا يقل عن مثل ثمنه حراً زماناً ومكاناً والاستعاضة عنه بما ينفع في
المقصود أو يغل اكثر مع تحقق المصلحة بعد موافقة المجلس الاعلى للاوقاف والارشاد
وصدور حكم شرعي) .
الوجه الثاني : التجريم والعقاب على الاعتداء أو الاضرار بمال الوقف :
من خلال المطالعة
للحكم محل تعليقنا نجد ان النيابة العامة قدمت المتهم للمحاكمة بجريمة الاضرار
بالمال المذكورة في المادة (321) عقوبات عام التي تنص على ان (يعاقب بالحبس مدة لا
تزيد على سنة أو بالغرامة من هدم او اعدم أو اتلف عقاراً أو منقولاً أو نباتاً غير
مملوك له أو جعله غير صالح للاستعمال أو اضر به أو عطله بأية كيفية ...الخ) طبعاً
هذا النص العام يتناول الاضرار والاعتداء على الأموال كافة بما فيها الأموال
الخاصة والاموال العامة واموال الوقف، فالجريمة في هذا النص غير جسيمة وتبعاً لذلك
كانت عقوباتها تخييرية بين الغرامة والحبس اضافة الى ان الحد الاعلى لعقوبة الحبس
هو سنة والحد الادنى لها 24 ساعة باعتبارها جريمة غير جسيمة، ولذلك نلاحظ ان
التجريم والعقاب في النص السابق متساهل اذا تم تطبيقه على اموال الوقف أو الاموال
العامة مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، وحتى لا يتم تطبيق
هذا النص المتساهل على الاعتداء او الاضرار بمال الوقف فقد نصت المادة (87) وقف
مكرر على انه ( مع مراعاة احكام المسئولية المدنية وعدم الاخلال بأية عقوبة اشد
ينص عليها قانون اخر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع
سنوات -2- كل من اعتدى بالهدم أو البناء في ارض موقوفة) فجريمة الاعتداء على مال الوقف وفقاً لهذا النص
جسيمة وفقاً للتقسيم المعتمد في القانون العام للجرائم والعقوبات ولذلك جاءت
العقوبة اكثر شدة من القانون العام لان مال الوقف له خصوصيته لانه مال الله
فالاعتداء عليه اكثر حرمة، وصيغة النص العقابي في قانون الوقف افضل في صياغته من نظيره في القانون العام الذي لم
يتناول الاعتداء بالبناء على ارض الغير لان صيغة النص في قانون الوقف شاملة للبناء
على ارض الوقف، ومن الملاحظ ان قرار الاتهام في الحكم محل تعليقنا قد استند الى
النص العقابي المقرر القانون العام في حين انه كان من الواجب الاستناد الى النص
العقابي في قانون الوقف لان القانون الخاص أولى عند التطبيق من القانون العام.
![]()
الوجه الثالث : حصول المعتدى على توجيهات من هيئة الاراضي لا يغير الركن المادي للجريمة :
مال الوقف تكون ملكية
الرقبة فيه لله تعالى باجماع الفقهاء في حين ان الاموال العامة يقرر القانون انها
ملك عام للدولة تديره وتراقبه وتشرف عليه هيئة أراضي وعقارات الدولة، وبناء على
ذلك هناك فرق جوهري بين الاموال العامة أو الاراضي العامة وبين أموال الوقف، وعلى
هذا الاساس فان حصول المتهم على توجيهات أولية من هيئة الاراضي بالانتفاع بارض
الوقف لا يغير من الطابع الجرمي للاعتداء على مال الوقف، لان النيابة العامة
والمحكمة رفضت دفاع المتهم في القضية
التي تناولها الحكم والذي افاد بان لديه توجيهات أولية من هيئة الاراضي بالانتفاع
بتلك الارض الوقف المطلة على الشارع الذي قامت الاشغال بتوسيعه على حساب أرض الوقف
(المصلى القديم)، والله اعلم.
