الطعن في قرار النيابة بحفظ الأوراق

 

الطعن في قرار النيابة بحفظ الأوراق

أ.د عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

النيابة العامة من ضمن أجهزة السلطة القضائية وبهذه الصفة تصدر من النيابة قرارات قضائية قابلة للطعن فيها كالقرار بان لاوجة لاقامة الدعوى كما ان النيابة تصدر عنها قرارات ادارية بموجب الصلاحية الادارية المقررة لها قانونا ؛ ولان القرار بحفظ الاوراق قرار اداري فانه يختلف عن القرار بان لاوجه لاقامة الدعوى من حيث الطعن فيه؛ فامر النيابة بحفظ الأوراق له طبيعته الخاصة التي تجعل المحكمة الابتدائية هي محكمة الطعن بالنسبة لهذا القرار علما بان قوانين الاجراءا ت في غالبية الدول لاتجيز الطعن في امر الحفظ وانما تجيز التظلم منه؛ ولذلك فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر من الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28/5/2011م في الطعن الجزائي رقم (42157) لسنة 1432هـ وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم ان المحكمة الابتدائية كانت تنظر قضية جنائية المتهم فيها فار من وجه العدالة وقد أصدرت المحكمة أمرا بإحضاره قهراً فقام خصومه بترصده للقبض عليه وبعد ان عرفوا مكان وجوده  قاموا بمرافقة مأمور الضبط القضائي الذي قام بتنفيذ أمر القبض حيث حتى تم إيصاله إلى مكان الحجز في المحكمة التي تنظر القضية الجنائية؛ وبعدئذ قام هذا الشخص المقبوض عليه بتقديم شكوى إلى النيابة العامة ذكر فيها أن خصومه قاموا باختطافه وقد قامت النيابة بالتحري للتاكد من صحة الشكوى ومن خلال   توصلت النيابة إلى ان الوقائع الواردة في الشكوى تتعلق بالقضية الجنائية المنظورة أمام القاضي الجزائي بالمحكمة المختصة ولذلك قررت النيابة (حفظ الأوراق أدارياً لحين الفصل في الدفع والقضية المنظورة أمام المحكمة الابتدائية) وقد جاء في حيثيات هذا الامر او  القرار ( ان الوقائع والطلبات التي تضمنتها الشكوى سبق للشاكي ان ذكرها في طلباته ودفوعه لدى المحكمة الابتدائية حيث طلب الشاكي تحريك الدعوى الجزائية وإجراء التصدي من قبل المحكمة المذكورة بشان واقعة اختطافه كما ان سند الشكوى هو أمر الإحضار القهري الذي أصدرته النيابة بناءً على طلب تلك المحكمة على اعتبار انه تم تقديم الشاكي للمحكمة كفار من وجه العدالة   بتهمتي  نصب واحتيال وإصدار شيك بدون رصيد) فقام الشاكي باستئناف امر او قرار النيابة أمام محكمة الاستئناف التي قضت  بتأييد قرار النيابة ، فقام الشاكي بالطعن بالنقض في الحكم ألاستئنافي ، حيث قبلت المحكمة العليا الطعن ونقضت الحكم ألاستئنافي ، وقد ورد في أسباب حكم المحكمة العليا ( وما يلفت الانتباه هو قبول محكمة الاستئناف للطعن في قرار النيابة بحفظ الأوراق مخالفة بذلك المادتين (112 و 113) إجراءات جزائية حيث تنص المادة (112) على انه ( اذا أصدرت النيابة أمراً بالحفظ وجب عليها إعلانه إلى المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية فإذا توفي احدهما كان الإعلان لورثته جملة في محل إقامته ولكل من ذكر الحق في الطعن في قرار الحفظ أمام المحكمة المختصة خلال ستة عشرة أيام من تاريخ إعلانه) وبناءً على ذلك فان الحكم ألاستئنافي المطعون فيه باطل بطلاناً مطلقاً لعدم اختصاص المحكمة التي اصدرته نوعياً بنظر الطعن في قرار الحفظ على اعتبار ان الاختصاص ينعقد لمحكمة أول درجة المختصة وفقاً لنص المادة المشار إليها وكان على محكمة الاستئناف أن تدرك الفارق بين قرار النيابة بحفظ الأوراق والقرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الذي يجوز استئنافه أمام محكمة الاستئناف وفقاً لنص المادة (224) إجراءات ، ولان محكمة الاستئناف غير مختصة بنظر الطعن في هذه القضية فإن حكمها باطل كما أسلفنا مما يستوجب إلغاءه وإعادة الأوراق إلى محكمة أول درجة المختصة ) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الأوجه ألأتية :

الوجه الأول : ماهية الأمر بحفظ الأوراق :

الأمر الصادر من النيابة بحفظ الأوراق هو اجراء اداري بصفة النيابة العامة السلطة الإدارية التي تهيمن على جمع الاستدلالات ، فهو أمر اداري تصدره النيابة العامة يفيد صرف النظر مؤقتاً عن تحريك الدعوى الجزائية وعن رفعها أمام القضاء خلال مرحلة جمع الاستدلالات وليس في مرحلة التحقيق ، وذلك اذا رأت النيابة بناءً على ما هو موجود بمحضر جمع الاستدلالات انه لا محل للسير في اجراءات  القضية وإنها لا تصلح للتحقيق ولا للعرض (المرصفاوي في قانون الإجراءات صـ262) ويمكن تعريف امر الحفظ بانه : أمر أداري يصدر من النيابة العامة بناءً على محضر جمع الاستدلالات فهو قرار أداري للنيابة العامة أن تعدل عنه في أي وقت وبدون أبداء أية أسباب لتفسير هذا العدول وإنه يصدر من  النيابة بوصفها السلطة الإدارية التي تهيمن على جميع إجراءات جمع الاستدلالات ، وهناك أسباب قانونية لصدور هذا الأمر وهي تتصل بتقدير الأدلة مثل عدم كفاية الأدلة أو عدم معرفة الفاعل أو عدم كفاية الأدلة او كون القضية منظورةلد المحكمة المختصة مثلما حصل بالنسبةللقضية اتي تناولها الحكم محل تعليقنا  ، كما يجوز للنيابة ان تقرر الحفظ لعدم أهمية التهمة بناءً على محضر جمع الاستدلالات ولكن هذا يجب الامر يجب  أن يصدر من قبل النائب العام ، ويترتب على أمر الحفظ اثار عدة منها انه لا يحوز حجية وبالتالي فهو لا يكسب المتهم حق ولا يمنع النيابة من العدول عنه في أي وقت قبل القضاء والدعوى كما انه لا يمنع من لحقه  الضرر من اللجوء إلى القضا للمطالبه بتعويضه وذلك عن طريق الادعاء المباشر اذا توفرت شروطه وكذا لا يجوز الطعن فيه أمام القضاء سواء من المدعي بالحقوق المدنية أو من المجني عليه وان كان يجوز التظلم من الامر عن طريق تظلم  يتم تقديم الى  الشخص الذي اصدره أو لرؤسا عضو النيابةالذي اصدر  الامر لإلغائه كما انه يحق لمصدر الامر  العدول عنه كما ان الأمر بالحفظ لا يقطع التقادم الا اذا تم اتخاذه في مواجهة المتهم او اذا تم  اخطاره به بطريقة رسمية.

الوجه الثاني : الفرق بين أمر الحفظ والأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى :

أشار الحكم محل تعليقنا الى ان هناك اوجه تشابه  بين أمر الحفظ والأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى ، فأمر الحفظ والأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى يتفقان من حيث السلطة التي تصدرهما والأثر المترتب عليهما ومن حيث جواز الطعن فيهما ، فكل منهما يصدر عن النيابة العامة كما يترتب عليهما عدم السير في الدعوى الجزائية وكذا يجوز الطعن في أمر الحفظ ، والقرار بان لا وجه لإقامة الدعوى خلال عشرة أيام وفقاً للمادتين (113 و 227) إجراءات الا إنهما يختلفان من حيث طبيعتهما فأمر الحفظ تصدره النيابة بصفتها سلطة جمع استدلالات بينما القرار بان لا وجه لإقامة الدعوى إجراء تباشره النيابة العامة بصفتها سلطة تحقيق وبناءً على ذلك يعد أمر الحفظ قرارا اداريا بينما يكون القرار بان لا وجه لإقامة الدعوى قرارا قضائيا كما ان أمر الحفظ لا يكون مسبوقاً بتحقيق فهو يصدر بناءً على محضر جمع الاستدلالات فيما القرار بان لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية يجب ان يكون مسبوقا بإجراء من إجراءات التحقيق ، كما إنهما يختلفا من حيث حجيتهما فالأمر بالحفظ ليس له حجية فلايقيد  النيابة العامة حيث يجوز لها الرجوع فيه في أي وقت وبدون أية أسباب تبرر ذلك أما الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى فلا يجوز الرجوع فيه إلا في حالات معينة وشروط محددة.

الوجه الثالث : الطعن في الأمر بالحفظ والتظلم منه :

قررت المادة (113) جواز الطعن في أمر الحفظ حيث نصت على انه اذا أصدرت النيابة العامة أمراً بالحفظ يجب عليها إعلانه إلى المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية فان توفى احدهما كان الإعلان لورثته جملة في محل إقامته ولكل من ذكر الحق في الطعن في قرار الحفظ أمام المحكمة المختصة خلال مدة عشرة أيام من تاريخ إعلانه ، وقد ورد في الحكم محل تعليقنا ان المقصود بالمحكمة المختصة في هذا النص هي المحكمة الابتدائية وليس المحكمة الاستئنافية ،ومن وجهة نظرنا فان اجتهاد المحكمة العليا سديد موافق للطبيعة الخاصة بأمر الحفظ باعتباره قرارا أداريا وليس قضائياً لان النيابة تصدره بصفتها الإدارية وليس القضائية حسبما تقدم بيانه.

كما انه  يجوز للمجني عليه أو المدعي بالحق المدني التظلم من أمر الحفظ إلى النيابة التي أصدرت الأمر أو إلى النيابة الأعلى منها درجة التي تراسها باعتبار أمر الحفظ قرارا اداريا يجوز التظلم منه مثله في ذلك مثل أي قرار أداري يخضع للتظلم الولائي والتظلم الرئاسي، والله اعلم.



تعليقات

عدد الزوار